من أجمل أفعال الرحمة في سينما سكورسيزي وأشد القرارات خيانة لنسيج حكايته السينمائية، لحظة ردة المُبشر «سيباستيو» ونبذه المسيح. في فيلم
silence
يُعاني «سيباستيو» طوال الوقت من حُب إله مُحتجب، تاركًا في غيابه مساحة فراغ مُقبضة بين قلب سيباستيو والسماء، مساحة لا يعرف المُبشر متى يستوطنها الوجد والحُب الحقيقي ومتى تستوطنها شياطينه.
في هلاوسه يرى سيباستيو نفسه في إنعكاس صفحة المياه مسيحًا، تُفزعه الرؤيا، لإنه يُشبه نارسيس الإغريقي، واقع في حُب نفسه ومعُجب بذاته، يرى نفسه إلهًا.
يُروع سيباستيو خوفه من أن يكون امتهانه للتبشير، نرجسية مُخفاة في ثوب التعبد
تأتي محنة سيباستيو بقدر تعقيد عالمه الداخلي
لا يمسه سجانيه، لا يُعذبوه، فقط يُهددوه بقتل أتباعه، لا يظهر أعداؤه كبدائيين أو جهلة برسالة المسيح، ما يجعل اختباره مُروعًا أنهم يعرفوها عن ظهر قلب، رُبما أكثر من سيباستيو نفسه.
يعرف سجانه أن المسيح ضحى بنفسه لأجل البشر، وعلى سيباستيو أن يُضحي بإيمانه وينبذه لكي ينجو قومه.
لو فعلها سينبذ عقيدته ويفتن قومه ليتركوا الإيمان بمُبشر خذل إلهه. ولو لم يفعلها، سيتحقق ما همس به سجانه، أنه لم يصمد لأجل إيمانه إنما لأجل كبرياءه النرجسي ورغبته أن يكون مُمجدًا في نظر نفسه وأتباعه، يُخبره سجانه:
«هل كان المسيح ليُشاهد قومه يُقتلون؟ الأمر بهذه البساطة، ثمن مجدك الشخصي هو معاناتهم»
أراد سيباستيو أن يكون مسيحًا، ولكن قسوة اختباره أن لحظة التجلي المثالية لهذه الرغبة النرجسية الخفية، اختارها سجانيه بسادية لتكون لحظة إنكار المسيح لذاتيته ومجده، لحظة إيثار خالدة، ينحل معها مجد الذات وحظوظها للأبد، لأجل الآخرين.

في تلك الذروة يتدخل سكورسيزي ويُفسد مجد الحبكة كاملة، الحبكة القائمة على صمت الإله القاسي، وتعاليه على تلك الإختبارات الإيمانية المُروعة، تاركًا للأبطال مُهمة الاختيار،
يتحدث الإله في تلك اللحظة بصوت أبوي حنون، لا يسمعه سوانا ويُخبر سيباستيو:
لا بأس.
يتحرر سيباستيو من كبريائه، ويخسر كل مجده الشاب، ويموت وحيدًا وعجوزًا في بلد وثني وغريب، مُنتحلًا هوية رجل آخر، مُتزوجًا امرأة لا يعرفها، مُخلصًا لدور لا يُشبهه، مخذولًا من كل من آمنوا به لكنه للمفارقة هاديء، بسكينة لا يُهددها روع.
يحيا سيباستيو تتمة حكاية المسيح، لكنه مسيح لم يُفارق الأرض للسماء، إنما ظل في مُطهر بين الجنة والجحيم. لكن عزاؤه الوحيد أن الرب تحدث، حتى لو لم يقل سوى كلمة واحدة، عزاؤه أنه لن يقضي سنوات الأعراف في صمت.
خلق سيباستيو بتلك الطمأنة الصغيرة، رابطة روحية لا تنفك مع إله ربما لن يتحدث مرة أخرى، لكن مرة واحدة تكفي، كلمة واحدة تكفي، كلمة يُمكن أن تقتات عليها روحه لما تبقى من حياته.
تورط سكورسيزي لسنوات طويلة في حُب تلك الحكاية، ورغم أن الفيلم ليس الأبرز في مسيرته فهو الأقرب لجوهر سكورسيزي وأرقه الدائم بفكرة الخلاص.
يُمكن ملاحظة أرق سكورسيزي الدائم بعين الإله التي نتمنى لو رأتنا في مشاهد شتى، مثل مشهد الكاميرا التي تترك ترافيس بيكل على الهاتف وتذهب للخارج بحثًا عن إله يُشفق، أو عابر يؤطر معاناته بأنس ورفقة انسانية، لكن ترتد الكاميرا خائبة مخذولة لبطلها الوحيد

في المشهد الأخير من فيلم «الأيرلندي»، عندما يُبشر القس، العجوز «فرانك» بمجد الرب ورحمته، لكنه ينصرف ليترك فرانك وحيدًا عشية عيد الميلاد، بلا أصدقاء،
مات أحباؤه وأعداؤه، ومات عهد الصمت الذي حل بقداسته محل كل إيمان في عالم فرانك. يطلب فرانك من القس أن يترك الباب مواربًا، ويتلصص سكورسيزي بالكاميرا للحظات، ينتظر فيها فرانك أن تأتي رحمة الرب، لكنها لا تأتي أبدًا، سيقضي أمسيته وباقي أمسياته للأبد وحيدًا. بلا مؤنس ولا أمل في الخلاص

كل أبطال سكورسيزي، يتمنوا لحظة بعينها، يأتي فيها الرب ويُخبرهم:
لا بأس.
حتى لو امتلكوا كل سمات التمرد والإنفجار مثل بيكل، أو كل سمات الطاعة والإنقياد مثل فرانك.
أراد سكورسيزي في طفولته أن يكون قسًا أو رجل عصابات، لكنه صار سينمائيًا، وظلت تلك الثنائية تؤرقه للأبد.
دخل النفساني إرفين يالوم يومًا، كنيسة مهجورة في طوكيو، وتسلل بافتتان إلى حُجرة الاعتراف، لكنه جلس في مقعد الكاهن، شعر ارفين يومها بحسد جارف للكهنة، لم يؤمن ارفين بالرب أبدًا، لكنه شعر بتضاؤل علمه وقدراته العلاجية أمام رجل يُمكنه أن ينتحل صوت الرب ولو للحظات ويقول لانسان يُعاني:
لا بأس، لقد غفرت لك.
يوقن سكورسيزي أن الرب لا يتحدث، وأن مُباركة القس لا تكفي، وأن العالم أكثر تعقيدًا، من يقين المؤمنين، واختبارات الحياة أكثر روعًا من تحصيناتنا الإيمانية، لكنه يُحاول دومًا أن يمنح أبطاله دومًا تلك المُباركة الإيمانية، وقوة اقناعيتها الخارقة التي خلبت لب يالوم في ذلك اليوم
أبطال سكورسيزي، قُساة، عنيفون، مُحطمون، مُختالون، لكن ما يؤنسنهم هو ذلك الحنين الدفين لعين الإله.
تقول سيمون فاي أن ذلك الحنين للإله عندما يتماس مع ذروة يقيننا أنه لن يرد أبدًا، هو ما يؤنسننا بالأساس، لأننا خلقنا امتداد خارج حكايتنا، وخارج ما حدث، لما يجب أن يُحب.
ما يمنح سكورسيزي شعريته الخاصة في عالمي هو ذلك العفو الرحيم الذي يتمسك به، وإن كان أملًا تُحركه كاميرا سينمائية في لحظة يخلو فيها الكادر من شخص واحد، أو لحظة يُضحي لأجلها بكمال بناء فيلمه، ليتحدث الرب ويلبي نداء بطله ولو مرة. مُخبرًا إياه:
لا بأس. لقد غفرت لك



التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.