في فيلم ألمودوفارThe Room Next Door
تبدو «مارثا» شخصية حارة، تُجسد الأحمر الذي يعشقه ألمودوفار باعتباره بصمته البصرية في كل أفلامه، لون الشغف والعاطفة و الجموح.
عملت مارثا طوال حياتها مُراسلة حروب، مُدمنة للأدرينالين وللنجاة وسط المخاطر، لذلك تقول أن كل مُراسل يُحب حربًا واحدة من حروبه، وهي أحبت حرب البوسنة، لإنها ليست صراع بربري بين قوتين، إنما كفاح شعب ضعيف أعزل، يراوغ شروط إبادته وينجو أخيرًا من قبضة وحوش دموية تفوقه قوة.
تبدو تلك الصورة الغير متكافئة، تجسيدًا للفكرة التي تأسرها، أن ينجو طرف ضعيف من معادلة مروعة، كما تنجو بجسدها الدقيق من الحروب التي تغطيها.
لا يصنع الأدرينالين و ركوب المخاطر من أجل لحظة نجاة، حياة مثالية لمارثا، كل حال تطلب منها استقرارًا و ركونًا، كانت تخذله وتتمرد عليه.
ولدت ابنتها من رحم لحظة عناق شهوانية مع رجل مُحطم، أيقنت مارثا وهي تقبله ثم تستسلم لممارسة الجنس معه أنه لن يكون شريكها أبدًا. لكنها استسلمت لعنفوان اللحظة وجموحها. أخلصت مارثا لتلك اللحظة، لكنها لم تخلص للبقاء من أجل ابنتها، وتركتها خلفها من أجل مهنتها التي تجعلها رحالة.
لا تتذكر كذلك مارثا من عُشاقها إلا كل ما هو عابر و جامح، لذلك تُلخص حكايتها مع عشيقها السابق «داميان» في ذروتها الشبقية:

أنه كان مُحبًا مثاليًا في مُمارسته للجنس معها.
يدخر القدر لمارثا حربًا أخيرة، ولكن مع السرطان.يبدو المرض تجسيدًا جديدًا لحرب البوسنة وكل الإبادات الغير مُتكافئة. لكن لا تتحقق مارثا خلال تلك الحرب بالنشوة تلك المرة ولا تنجو بجسدها الدقيق من ويلاتها. لإن الحرب تلك المرة مسرحها هو جسدها ذاته. وخسائرها المتتالية في مواجهة السرطان هي حواسها. مداخل اللذة التي نهلت عبرها متع العالم.
لذلك تُقرر مارثا أن تُعلن في رحيلها الحرب،لن تحارب مارثا المرض، بل إنها تسخر من كل مجازات المعارك التي يُسبغها المُجتمع على مرضى السرطان ليصيروا معها مقاتلين ضد عدو. إنما تخلق حربها مع مفهوم الموت ذاته، لن تنتظر السرطان كي يسلبها كينونتها بينما ملاك الموت يأتي مُتباطئًا، ستُسرع هي له بما تبقى لها من إرادة ووعي.
تمتلك مارثا قرارها بالرحيل، وتقبض يدها على حبة دواء مُحرمة للقتل الرحيم. لكن يؤرقها مطلب أخير، وهي حاجتها لشاهد على موتها، لا تخاف مارثا الموت إنما تخاف أن تموت وحيدة. دون شاهد يُشيعها.


كل متعة عاشتها مارثا كانت مع شريك، و كل خطر راوغته وفرت منه كانت مع صٌحبة. تتقبل مارثا شروط الموت، لكنها لم تواجه يومًا الحياة في أي ذروة وهي وحيدة. لذلك تحتاج رفيق في تلك الذروة الأخيرة، يسكن الغرفة المجاورة لغرفتها، ويبقى معها عندما تقرر المغادرة
هنا تظهر صديقتها «انغريد»، والتي تبدو نقيضًا جماليًا لمارثا، كاتبة ذاتية، تنسج من خبراتها البسيطة وتأملاتها في العالم سردًا أدبيًا. لكنها تُشتهر بخوفها المرضي من الموت!
ربما تخاف إنغريد الموت لأنه الخبرة الذاتية الوحيدة التي نمر بها لكننا لا نملك رفاهية العودة للقلم والكتابة عنها. تجربة لا شاهد عليها سوانا، ولا قاريء لها بعدنا، لأننا لن نعود ونكتب عنها.
رغم تناقض شخصية مارثا وانغريد، إلا أنهما تخلقان سويًا تكاملًا جماليًا.انغريد ستكون الشاهد على حرب مارثا الأخيرة ورفيقتها نحو الموت، و مارثا ستمنح إنغريد خبرة معايشة أسوأ مخاوفها ولكن بالإنابة. ستراقب انغريد الموت من أقرب مسافة مُمكنة. لن تختبره، لكنها ستكون أقرب ما يُمكن من شهوده. ستكون شاهدًا عليه.
عندما يستقران معًا في المنزل الذي اختارته مارثا لموتها، يجدان نُسخة من لوحة ادوارد هوبرPeople In The Sun
The Room Next Door : موت أكثر دفئًا من لوحات هوبر
يٌشتهر هوبر بتجسيده في لوحاته، مشاهد من الحياة الحديثة، لكنها مشاهد تُعبر عن اغتراب وعزلة أصحابها

في لوحته تلك، نجد خمسة نزلاء في فُندق، يجلسون أمام الأفق، لا يتأمل أحدًا منهم السماء أو التلال، لا يرتدي أيًا منهم ثيابًا تناسب الجو المُشمس. الكل يتأنق بثياب ثقيلة، فقط كي يراه الآخرون أنيقًا، وحتى في حضرة جمال الطبيعة، الكل غارق في دواخله واغترابه، بينما يُغرقهم جميعًا ضوء الشمس.
تُجسد الشمس في لوحة هوبر، الموت في حكاية ألمودوفار، ضوء غامر يسقط علينا جميعًا، على من يُعير الانتباه وعلى من يغفل، على الغارق في دواخله، وعلى المقتحم بقلبه للعالم. لا فكاك من الموت. فالشمس تغمرنا جميعًا
يظهر شخص خامس في لوحة هوبر يشيح النظر عن اغترابه، وعن الشمس ويقرأ كتابًا، يُشبه في ذلك «انغريد» التي تخاف الموت و الشمس، لكنها تُشيح عن تلك المخاوف بالكتابة عن نفسها وعن آخرين.
يخلق المودوفار لوحة هوبر مُجددًا، بمشاهد لصحبة مارثا وانغريد، لكنها تجسد نقيض لوحة هوبر وتشاؤمه، تجلس الصديقتان سويًا في مواجهة شمس الأفق ( الموت )، لكنهما يُشيحا عنها بوصال أحدهما الآخر.
مشهد من فيلم "The Room Next Door-2024"
مشهد من فيلم "The Room Next Door-2024"
يُراهن ألمودوفار على هذا الوصال وقدرته على مجابهة الموت في كل صوره، حد أنه يستغنى عن دفء الشمس التي كسا بها هوبر مشهد لوحته، ويضع البطلتان معًا في مناخ شتوي تتساقط ثلوجه، تراقب الصديقتان الثلوج بينما تسرد مارثا المقطع الأخير من قصة «الموتى» لجيمس جويس:

الثلج يتساقط بخفوت عبر الكون، يتساقط بخفوتٍ كحلولِ النهاية الأخيرة، يتساقط على الأحياء والأموات جميعاً.

مشهد من فيلم "The Room Next Door-2024"
مشهد من فيلم "The Room Next Door-2024"
ثلوج جويس تبدو مثل شمس هوبر، انعكاسًا للموت، باعتباره شرط كوني يغمر الجميع ولا فكاك منه، ولكن يخبرنا ألمودوفار أنه في الحالين، يمكننا فقط أن نختار كيف نواجهه؟ ومع من؟ وتضيف مارثا باختيار موعد موتها، أفقًا جديدًا للحرية وهو امتلاك السلطة لإجابة سؤال متى نواجه الموت؟
رسم هوبر لوحاته لينتقد برود المدن الحديثة، في أمريكا القرن العشرين، رسم مقاهي و مسارح و غرف نوم، يعاني سكانها الوحدة والعزلة والاغتراب، ولكن مع جائحة الكورونا تحولت المدن الكبرى إلى نُسخة قاتمة من لوحات هوبر ونبوءاته. مدن فارغة، يفصل كل مار فيها مسافة آمنة عن من يمر جواره. الكل غارق في دواخله، وعيناه مثبتتان على قناعه الطبي.
تبدو لوحات هوبر، و جائحة الكورونا في نظر ألمودوفار، حُكمًا جماعيًا قاسيًا بالاغتراب والموت، حكمًا لا يرى فردانية ضحاياه، تقسو الكورونا على ضحاياها مثلما يقسو هوبر على شخوص رسمه ويرسمهم معزولين وحيدين، لا يجبر برودتهم بلمسة واحدة.
يُجسد رؤى هوبر في فيلم ألمودوفار، الكاتب والناشط المناخي «داميان»، الذي يدافع بقسوة عن البيئة ويُدين ما نفعله للكوكب، لكنه لا يبدو مباليًا للإنسان في فردانيته، يرى البشر كجماعة، كجنس شره يدمر مكانه، ويُنجب بلا اكتراث، ويُفسد الطبيعة والسماء. مثلما يرسم هوبر طبيعة مثالية وبشر لامبالين بها، حد أنهم أحيانًا يفسدوا جمال المشهد بحضورهم المُتطفل.
لا يهتم ألمودوفار بالموت باعتباره شرط كوني أو خبرة جمعية، شمس هوبر التي تغمر الجميع، أو ثلوج جويس التي تتساقط على الأحياء و الأموات، أو فيروس كورونا الذي يحصد الآلاف، يهتم ألمودوفار بالموت باعتباره خبرة فردانية، قوامها شخصان. شخص يموت وشخص يشهد موته و يتحقق معه بوصال.
شخصية نهلت من الحياة كل شيء، مثل مارثا، عاشت الحروب والجموح والحُب، و قضت وقتها في عين العاصفة لا على حوافها، وشخصية عاشت الحياة على الهامش، بدفتر مُلاحظات يسجل خبرات آمنة عن الذات والآخرين. مثل إنغريد.
للمفارقة، تُكمل طباع انغريد ومارثا المتناقضتان، جوهر المٌشاهدة السينمائية، نبدو جميعًا على كراسي السينما مثل انغريد، نتابع أحداثًا عن بعد، و تأسرنا شخصيات مثل مارثا، تنهل الحياة حتى عٌصارتها الأخيرة. وترى الحروب رؤى العين، وتطيع شبقها متى دلها على لذة، وتختبر موتًا لم نختبره بعد
و كل ما نأمله من الأفلام هو لحظة وصال، مثل تلك اللحظة التي تتأمل فيها انغريد صديقتها مارثا وهي نائمة. ولحظة أخرى تقتحم فيها انغريد غرفة مارثا وتنام بجوارها وتلمسها بافتتان
كأن الكاتبة انغريد التي تحيا بمهنتها فعل الملاحظة والمشاهدة، تحاول مثل أي مشاهد في دار سينما، كسر حاجز الإيهام ولمس أبطال الفيلم،


تحاول انغريد لمس مارثا، البطلة التي عاشت كل ما خافته، التي تحيا الموت ذاته و تواجهه وتسيطر عليه بإرادتها وتقرر موعد رحيلها دون خوف منه.
يصطنع ألمودوفار من فيلمه لوحة أكثر جمالية من لوحة هوبر، تجلس الصديقتان، متحققتان بالوصال، في كادر حميمي، يُعلن به ألمودوفار حربه الجمالية على شمس هوبر و ثلوج جويس و قوانين التباعد الاجتماعي في زمن الكورونا و كل الخبرات الجمعية للموت.
للمفارقة لا يستدعي ألمودوفار هذا الوصال في لحظة الموت التي ننتظرها من البداية،
تتعاهد الصديقتان على اشارة شعرية تُمهد لبؤس الموت، في اليوم الذي تقرر مارثا فيه أن تأخذ حبة الموت الرحيم ستغلق باب غرفتها. لذلك تتعلق أنظار انغريد وأنظارنا طوال الفيلم بباب الغرفة الأحمر
ولكن بعد أن اختبرت مارثا الحُب الأخير والعناية الأخيرة و رأت انعكاسها في عيون صديقة تُحبها، تقرر أن تستقبل الموت وحدها في صبيحة دافئة، كأنها بذلك تقدم هدية أخيرة لانغريد وهو اعفاءها من شهود احتضارها.
ترتدي مارثا أفضل ثيابها وتضع أحمر شفاه كما كانت تتأنق لكل عشاقها في الماضي، تبتلع حبتها وتجلس على مقعدها مستسلمة للشمس مثل شخوص لوحات هوبر، لكنها على عكسهم،تبدو مارثا في موتها حية،تبدو مارثا في موتها سعيدة
مشهد من فيلم "The Room Next Door-2024"
مشهد من فيلم "The Room Next Door-2024"
بعد وفاة مارثاتكتب انغريد التي عاشت حياتها تخاف الموت:لقد حملتُ الموتَ بين يديّ فعلياً؛ ولم أتخيل قط أنه سيكون شيئاً خفيفاً إلى هذا الحد.
منحت مارثا لصديقتها انغريد درسها الأخير عن الموت، درس أبيقوري رحيم، سوف يروض خوف انغريد الأزلي من فناءها ويٌكسب ثقله خفة لا تُحتمل
يقول أبيقور أننا لحظة الموت لن نكون هنا، كل ما يهم هو ما قبل الموت أما الموت حدث ينفي وجودنا ذاته فلا داعي لأن نخاف منه لأننا لن نحضره.
يسبغ البشر على الموت طبيعة جمعية مثل احصائيات الأوبئة والتغير المناخي التي ترددها الكتب الاكاديمية ويحفظها داميان عن ظهر قلب
يٌسبغ البشر على الموت كذلك تشبيهات شعرية جمعية مثل شمس هوبر وثلوج جويس، حتى بيرجمان يجعله في أفلامه طيعًا لمخيلة البشر من كل الثقافات، فيُظهره ملاك سوداوي يحمل منجله،
ولكن يصنع ألمودوفار فيلمًا عن الموت لا يتنازل فيه عن ألوانه الزاهية، ولا يمنح للموت سطوة وحضور، مهما اكتسى بمجازات الثلوج والشمس وكل فصول العام، إنما يٌشير لما يهم حقًا، وهو الوصال المخلص لفردانيته، والهارب من كل صور الموت الجمعية،
كلنا سنموت ولكن الرحمة في عالم ألمودوفار هي أن نجد من يٌمسك يدنا في ساعاتنا الأخيرة، الشاهد الذي سنُذهل عن موتنا المحتوم برؤية انعكاسنا في عينيه،ونطمئن أننا حتى لحظاتنا الأخيرةكنا آمنين،محبوبين