سينما تُساءل القواعد

«أنا أستمتع بمُساءلة القواعد التي يتأسس عليها كل شيء، القوانين التي نحيا بها، لماذا هي صارمة كحتمية لا فكاك منها؟ وماذا قد يحدث لو تخيلنا قواعد مُختلفة؟»

يورجوس لانثيموس
في فيلمه الأخير kind of kindness يُقدم المخرج يورجوس لانثيموس ثلاثة قصص مُنفصلة، تدور الأولى حول موظف يُحدد له مُديره كل تفصيلة بحياته بدءًا من طعامه وصولًا لمواعيد مُضاجعته لزوجته، وتدور الثانية حول باحثة بيولوجية تعود لزوجها بعد عُزلتها القسرية على جزيرة نائية إثر حادث مروع ليعتري الزوج الشك بأن من عادت امرأة أخرى أما القصة الأخيرة تدور حول طائفة جنسية تحيا في مجتمع مُغلق خوفًا من ممارسة الجنس مع عوام تحمل أجسادهم سوائل نجسة ويتمحور هدف الطائفة حول البحث عن فتاة يُمكنها إحياء الموتى!
تبدو كل قصة للوهلة الأولى رهينة قوانين وقواعد فريدة تُنظم عالمها، في العالم الأول يُمكن لسُلطة رب العمل أن تتسلل إلى ما بعد ساعات الدوام لتُسيطر على عوالمنا بالكُلية، وفي العالم الثاني يُمكن لقوة شريرة أن تحتل أجساد من نُحبهم وتستحوذ على كينونتهم وفي العالم الأخير يُمكن لفتاة مُختارة أن تمتلك مُعجزات المسيح مثل إحياء الموتى لكنها لن تفعل ذلك للتعريف بإله مُحتجب إنما لخدمة قبيلة جنسية مهووسة بنقاء الجسد.
لا يجمع تلك القصص وقواعد عوالمها العبثية شيء سوى رجل يُدعى R.M.F يظهر بالقصص الثلاثة وتُعنون بإسمه كل حكاية، ولكن المُثير أنه يظهر كشخصية ثانوية، لا دور لها في الأحداث، هو عالق في عالم كل حكاية ومُستسلم لقواعده دون مُساءلتها أو الشك فيها.
يصلح أحدث أفلام لانثيموس Kind of kindness أن يكون مرجعًا ذكيًا لفهم عوالمه السينمائية كاملة، والتي تدور في تنويعاتها حول مُساءلة القواعد التي يقوم عليها عالمنا والسُلطات التي تؤسس لتلك القواعد بدءًا من العائلة وصولًا للمُجتمع والدولة. لا يطرح لانثيموس أسئلته بمُباشرة ثورية إنما بتورية سينمائية يستبدل فيها عوالمنا المُعتادة بعوالم مُتطرفة في قواعدها وعبثيتها.
يُمكننا بسهولة تخمين الاستجابة الأولى لتلقي أفلام لانثيموس، والتي تتراوح بين الامتعاض من عبثية القواعد التي يؤسس بها عوالمه، والاستنكار لاستسلام شخوصه السينمائية لتلك القواعد واللعب وفقها، ولكن ما يُراهن عليه لانثيموس هو بذرة الشك التي يُمررها ببراعة لتنمو بداخلنا بعد الخروج من السينما، الشك في أن عوالمنا ربما تخضع لقواعد تمتلك القدر نفسه من العبث واللاعقلانية، وربما نحن الخاضعين لها بقدر استسلام شخوصه السينمائية، وبينما احتل شخوصه موضع البطولة في حكاياته، ربما موضعنا من قواعد عالمنا هو موضع R.M.F، موضع ثانوي لا يستحق صاحبه حتى أن يُذكر إسمه كاملًا، أو أن يؤثر في الأحداث بمقدار إنش.
يُقر لانثيموس أن إلهامه في فيلمه الأخير لم يأتي من قصص الديستوبيا والخيال العلمي وإحتلال الأجساد أو حتى قصص الطوائف الغريبة، إنما من تاريخ الإمبراطور الروماني كاليجولا، الذي امتلك تحكم حديدي في مصائر سكان امبراطورية شاسعة، خضع كل سكانها لنزواته.
لو عدت بآلة الزمن إلى حُكم كاليجولا، عليك أن تخضع لقوانين عبثية مثل قتل الصُلْعَاِنٌ لأنه يكره الرأس الخالي من الشعر، أو توجيه ميزانية امبراطوريته لبناء جسر عملاق يصل مملكته بكوكب المُشترى، وبقدر عبثية الفكرة فهي تمتلك منطقها الخاص، وهو رغبة الإمبراطور في مشاورة الآلهة قبل اتخاذ قراراته.
يخبرك لانثيموس أن أعظم امبراطورية في الواقع خضعت لقوانين أكثر عبثية مما يُؤسسه في أفلامه، وفي زمنها كانت تلك القوانين سُنة العالم وأسس الحُكم.
تحمل سينما لانثيموس ديالكتيك حيوي، وهو جدال بين فكرتين مُتناقضتين في علاقتهما بالقواعد، الأولى هي حُرية الإرادة باعتبارها الجوهر المُتفرد الذي يُميز البشر عن الحيوانات ويجعلهم في النهاية قادرين على الخروج من الهامش الثانوي بشخوصه مثل R.M.F وتسيد مصيرهم ومُساءلة قواعد زمنهم ومن ثم تغييرها وهذا ما جعل كاليجولا وجنونه تاريخًا منتهيًا لا أبدًا مُتصلًا، والفكرة الثانية هي حرية الإرادة ولكن باعتبارها عبء مُثقل يتلهف البشر للتحرر منه نحو حالة حيوانية مُطيعة، متخففة من المسئولية التي تأتي مع الحُرية وهو ما يجعل القواعد العبثية هاجس مُتصل ومتكرر في المسيرة البشرية، مهما بلغ البشر من العلم والرُشد لا يتخلصوا منها، لأنهم يحتاجونها ليتحرروا بها من مسئولية حريتهم.
يُجمل لانثيموس هذا التناقض في مقدمة Kind of kindness الذي يبدأ بأغنية sweet dreams الأيقونية وكلماتها التي تُخبرنا أننا لو سافرنا العالم ببحاره السبعة سنجد البشر كلهم يرغبون بشدة ولكن جوهر رغبتهم مُتناقض، البعض يُريد أن يكون حرًا ويستخدم الآخرين، والبعض يريد أن يكون عبدًا ويتم استخدامه من آخرين. وهذا البندول المتأرجح بين حرية إرادتنا للاختيار والعبودية لقواعد تُحررنا من هذا الاختيار مهما بلغت عبثيتها هو ما يجعل سينما لانثيموس، ساعة قلقة، لا ينضبط توقيتها مع أي من قواعد العالم الذي نعرفه

كلب وسلطعون وغزال مُقدس

«من يستطيع تمييز الحيوان عن الإنسان؟ هذا لو كان هناك فرقًا من الأساس»

poor things
في إحدى نزوات كاليجولا، قام بترقية حُصانه Incitatus إلى رتبة سيناتور وأجبر أعضاء البرلمان على مُجالسته في موضعه، داخل اسطبل من الرخام. يبدو الحصان مثاليًا في نظر كاليجولا لأنه يُطيع نزواته ولن يخالف قراراته بايعاز من إرادته الحرة مثل أعضاء البرلمان، كذلك ينبع تفضيله من بيئة زمنه التي تعتمد فيها نجاة المُحارب الروماني على طاعة حصانه له خلال القتال.
تمتلك سينما لانثيموس هوسًا موازيًا بتفحص الحالة الحيوانية باعتبارها مثالية، لأن الحيوان لا يمتلك ارادة حُرة تشوش قدرته على التكيف مع أي زمن مهما بلغت عبثية قواعده، فلا توجد قاعدة أكثر قسوة من أن تأكل أو تؤكل وهو قانون الطبيعة المُدون في الحمض النووي لكل حيوان.
يمتلك لانثيموس تفضيلًا خاصًا للكلاب باعتبارها أقرب الحيوانات شبهًا بالبشر، في ملامحها وامتلاكها صفات شبه بشرية، فهي الحيوانات الوحيدة التي تُحول الطاعة من فعل إكراهي يحتاج لـأجله البشر إلى لجام وقيود إلى فعل حُب في صيغة الوفاء، التي لأجلها تُطيعنا الكلاب وتثق في قواعدنا التي نُقرها لها دون حاجة إلى لجام.
في فيلم dogtooth الذي حقق شهرة لانثيموس في اليونان ومنها إلى العالم، يواجه الأب مُعضلة في ترويض كلبه، أو الإجابة عن سؤال مُدرب الكلاب فيما يود أن يكون عليه كلبه مستقبلًا؟ رفيق أو صديق أو حارس مطيع!
مشهد من فيلم Dogtooth
مشهد من فيلم Dogtooth
في عبثية لاذعة يُحول الأب قلقه بشأن تدجين كلبه إلى تجربة مروعة لتدجين أبناؤه، تظهر ابنتيه وابنه في أجساد عشرينية لكنهم يمتلكوا عقول طفولية لا تعرف شيئًا عن العالم خارج المنزل، لا يتحكم الأب في كل تفصيلة بحياتهم منذ الطفولة وحسب، إنما في لغة الحديث، حيث يشوش الأب من البداية معاني الكلمات ليتعلم أبناؤه أن كلمة بحر تعني كرسي وكلمة بندقية تُعبر عن طائر جميل. ولذلك يتملك المُتلقي الشك في كل ما يقوله الأبناء طوال الفيلم، لأن دومًا المقصود شيئًا آخر، لا يُمكن فهم حديثهم إلا بفهم قاموسهم الخاص الذي كتبه الأبوين وهذا ما يجعل حتى فكرة الاستغاثة مُستحيلة لأنهم لا يمتلكوا المفردة الخاصة بها ولن نعرف لو عبروا عنها بكلمة أخرى
مشهد من فيلم Dogtooth
مشهد من فيلم Dogtooth
يؤمن لانثيموس بضرورة الشك في كل القواعد التي تم تلقيننا إياها باعتبارها قواعد العالم، لابد أن يمتد الشك بنزعة ديكارتية إلى اللغة ذاتها التي نُعبر بها عن شكوكنا لأنها إحدى مُنتجات عالمنا. مثلما يرى الأبناء في dogtooth أن الكرسي هو البحر، يُمكننا أن نعبر عن قيودنا بمفردة "حرية" أو حتى "سعادة"
يخلق الأب قاعدة عبثية تُتيح لأبنائه الخروج من المنزل حال سقوط الناب الأمامي في أسنانهم، أو ما يسميه «ناب الكلب» لذلك تُحطم ابنته الكبرى أسنانها في سبيل الفرار، مثلما فعل أخ سابق لهم منذ سنوات.
مشهد من فيلم Dogtooth
مشهد من فيلم Dogtooth
يخرج الأب بحثًا عن ابنته بينما يجلس أفراد أسرته على أربع أمام المنزل وينبحون مثل الكلاب في طاعة تامة له، ولكن يُقرر الأب في النهاية رغم خضوع بقية أسرته لقوانينه الذهاب لاستعادة كلبه من مدربه، لأنه يفضل تربية كلبه الذي أتم تدريبه في مركز الكلاب بدلًا من تربية بشر يُمكنهم في لحظة التحرر من سيطرته، حتى لو كان تحررهم وفق القواعد العبثية التي صنعها لعالمهم.
في فيلمه kind of kindness تعود باحثة بيولوجية من عزلتها القسرية في جزيرة نائية، تتذكر بتقنية flashback اضطرارها لأكل لحم زملائها كي تظل على قيد الحياة، وهوسها بالاستمناء مثل الحيوانات
عندما تعود الزوجة سيرفضها زوجها باعتبارها شخصًا آخر، في بارانويا يُعززها تغير طباعها وعدم ملائمة مقاسات ثيابها وأحذيتها القديمة لها وعجزها عن تذكر أغنيته المُفضلة.
مشهد من فيلم Kinds of Kindness
مشهد من فيلم Kinds of Kindness
يرفض الزوج التحولات التي جرت لزوجته نتيجة محنتها، والتي أجبرتها على الاستسلام لغرائزها الحيوانية الأولية والشره لكل صور الطعام حتى التي كرهتها في حياتها الأولى، ولكل صور الجنس حتى التي مارستها في حياتها السابقة باعتبارها نزوات جامحة.
لا يبدو شك الزوج منطقيًا، رغم مهنته الشرطية التي تجعل حدسه مُعتبرًا، ولكنه في جوهره رفض عنيف للحيوان الكامن بداخلنا، الذي يُمكننا أن نقايض به انسانيتنا لو ضمن لنا البقاء. لذلك يختبر زوجته ويطلب منها تقطيع أصابعها وطبخ كبدها، وتطيعه الزوجة بغرابة مُضحية بحياتها في سبيل ذلك.
في نهاية الحكاية نتذكر حديث الزوجة عن سر نجاتها على الجزيرة، لم تذكر اضطرارها لأكل رفاقها إنما تحدثت بهلوسة تُشبه هلوسات كاليجولا عن جزيرة تحكمها كلاب رحيمة، ساعدتها على البقاء ولم تحكم عليها فيما فعلته، يُعزز لانثيموس تقديره لتلك الهلوسة عندما يضع مشهدًا عبثيًا في النهاية لكلاب تقود السيارات وتتنزه على الشاطيء.
مشهد من فيلم Kinds of Kindness
مشهد من فيلم Kinds of Kindness
يُخبرنا لانثيموس أن الحالة الحيوانية المبرأة من الاختيار والحرية، والمتمحورة حول الطاعة لا تحتاج أحيانًا أب مُختل يفرضها بسلطته الأبوية على أبناؤه منذ طفولتهم، إنما قد يختارها الإنسان بإرادته لينجو، مثلما فعلت الزوجة على الجزيرة، ولكن باختيارها لا يعود الإنسان لحريته، لذلك رغم عودتها للعالم المتحضر، وافقت الزوجة على اختبارات زوجها الوحشية مثل كلب مطيع حتى لو أدى هذا لهلاكها.
يستكشف لانثيموس التوتر بين الحيوانية والحرية بشكل أكبر في فيلم the lobster الذي يدور حول عالم ديستوبي يفرض التزاوج على أفراده، وإن لم يجدوا شريكًا خلال 45 يوم من اقامتهم بفندق راقي، يُمكنهم التحول إلى حيوان يختاروه، عسى أن يجدوا رفيقًا في الحُلة الحيوانية أو يكونوا صيدًا وافرًا لحيوان آخر.
تشكو مُديرة الفندق أن البشر دومًا يختاروا أن يتحولوا إلى كلاب، باعتبارها الأقرب لصورتهم البشرية، لذلك يمتلئ العالم بالكلاب، ولا يفكروا في اختيار حيوان أقوى يمكنه النجاة في البرية. لذلك تُرحب باختيار البطل ديفيد أن يكون سلطعون لأنه يحيا مئة عام بخصوبة دائمة جاهزة للتزاوج، يمنح ديفيد الحيوان بعضًا من بشريته ويعترف انه اختاره لأن دمه أزرق كأنه من طبقة ارستقراطية ولأن ديفيد يُحب البحر لذلك يتمنى أن يحيا فيه حياته التالية.
مشهد من فيلم The Lobster
مشهد من فيلم The Lobster
تتحول الحالة الحيوانية إلى ملاذ أخير لبشر امتلكوا حريتهم وكينونتهم كاملة لكنهم عجزوا معها عن إيجاد شريك، وهو ما يبدأ به الفيلم، حيث لجأ ديفيد للفندق لأنه فقد حبيبته التي قررت فجأة أنها لا تحبه بعد 12 سنة من ارتباطهم.
لا تفيدنا حريتنا كثيرًا في عالم يعتمد على ارادتنا، لذلك ربما يُمكننا إيجاد الحُب في عالم يخلو من ملكة الاختيار ويعتمد على الغريزة وحسب في أردية حيوانية نرتديها ولا يُمكن عبرها أن يحكم علينا شركاؤنا لأنهم يرتدون مثلها.
في فيلم the killing of a sacred deer يقوم لانثيموس بلعبته الأثيرة في تغيير قواعد العالم التي نعرفها لصالح أخرى أشد غرائبية، عندما يخضع عالم الجراح ستيفن العقلاني البارد لتسلط أسطورة اغريقية وحشية وهي اسطورة الملك أجا ممنون الذي قتل بالخطأ غزالًا مقدسًا في غابة الإلهة أرتيميس لذلك بات عليه أن يقدم ابنته أفيجينيا أضحية لترضى عنه الإلهة وتمد سفنه بالرياح في حربه مع الطرواديين
عندما يقتل الجراح ستيفن مريضه بالخطأ، يتعرض أبناؤه للعنات مرضية لا تفسير طبي لها مثل الشلل ونزف الأعين ويُدرك ستيفن أن عليه التضحية بإرادته بإحدى أبنائه، لتتوقف اللعنة.
مشهد من فيلم The Killing of a Sacred Deer
مشهد من فيلم The Killing of a Sacred Deer
يصنع لانثيموس توازي فريد بين مأساة اغريقية قديمة تحكم قوانينها القاسية، عالم حداثي بطله رجل علم، وهو ما يبدو في هيئة ستيفن الذي يُخفي ثوبه الأبيض جسد بدائي غزير الشعر، يظهر في عريه ليبدو معه ستيفن مثل أجا ممنون، رجل بدائي عالق في عصر حديث ولكن لعنته واحدة
يُساوي لانثيموس حياة إنسان بحياة غزال أو حيوان في أسطورة قديمة، والفكاك الوحيد من اللعنة بأن يُمارس البشر ما يميزهم عن الحيوان وهي ملكة الاختيار، ولكن عليهم أن يختاروا قتل أحباءهم، وهو اختيار تتحول معه الحرية والمسئولية إلى لعنة أكبر تبدو معها الحالة الحيوانية أكثر رحمة وأقل قسوة في اختباراتها
 في الطبيعة يمكننا أن نكون فرائس، لكن لا يختار حيوان أبدًا بارادته قتل أطفاله. لذلك بينما يعتنق الأب ثقل حريته وضرورة الاختيار ترتد زوجته وابنائه الى حالة حيوانية مدفوعة بغريزة البقاء، يستعرضون فيها ملكاتهم مثل طاووس مذعور يعرض ريشه أملًا في أن يختار الأب الطاووس الأقل جمالًا ويقتله.
تلعب الحيوانات دورًا واحدًا في سينما لانثيموس، وهو طرح سردية موازية، تؤطر بحضورها ثقل حريتنا، وتقدم غواية التخفف من مسئولياتها بالاستسلام للحيوان بداخلنا، الذي نفقد بتماهينا معه كل جوهر يميزنا لكننا نصير أكثر خفة، ولكن السمة الأهم لسينما لانثيموس أنها لا تستعرض ثقل حريتنا بشكل فلسفي إنما ممزوجًا بأهم ما يميز التجربة الإنسانية وهي أدوارها. فالحرية البشرية ليست مشاعًا مثل الغابة إنما هيراركي من أدوار أفقية ورأسية، نحن فيها آباء وأبناء وأزواج ومديرين ومرؤوسين وكهنة وأتباع.
لا يُمكننا في الواقع أن نتحول إلى حيوان حال وحدتنا، ولن نرتكب خطيئة قتل غزال مقدس يرعى في حدائق مؤلهة، ولكن يُمكننا اعتناق جوهر الحيوانية وهو الطاعة باختيار موقعنا من هيراركي الأدوار، أدوار نخضع بها لآخرين، وأخرى نُخضع بها الآخرين، وهي الفكرة التالية في سينما لانثيموس

لعبة الأدوار

يعترف لانثيموس أن الدور الذي كان يمكن أن تخضع له حياته وقوانينها، كان سيجعله أقل جاذبية مما هو عليه الآن، وهو دور الابن، كان الجميع يتوقع له أن يكون لاعبًا محترفًا لكرة السلة ليرث مهنة أبيه وشُهرته.
كان الدور مُروعًا للانثيموس لأنه قصير القامة على لعبة مثل السلة، وهذا سيجعله لاعبًا مقبولًا لكنه لن يكون أبدًا بارعًا مثل أبيه.
ما أنقذ لانثيموس من قدره الاغريقي هو انفصال أبويه، واضطراره للعيش مع أمه، والتي تحرر بموتها عندما كان عمره 17 عامًا من سلطة الأبوين كاملة.
يؤكد لانثيموس أن أحدًا من أبويه لم يكن ليقبل أبدًا عمله بالسينما، في بلد مثل اليونان لا تمتلك صناعة سينما تكفل مسيرة مهنية ناجحة له، لذلك بدا اختياره للسينما بتعبيره «حلمًا عبثيًا» لم يكن له أن يحياه إلا لو كان حرًا من دوره كابن، الدور المكتوب بتوقعات والديه ومُجتمعه كاملًا.
بينما خلت حياة لانثيموس من التسلط الأبوي، تزخر أفلامه بثيمة الدور المتسلط الذي يلعبه الأب في أفلام مثل dogtooth بإرادته، أو بالإكراه مثل امتلاك الأب ستيفن مصير أبنائه في killing of a sacred deer
يتفحص لانثيموس ببراعة التسلط الذي تفرضه أدوار اجتماعية بعينها، بعضها لا نختاره مثل أن نكون أبناء لأب بعينه، وبعضها نختاره بارادتنا مثل خضوعنا لحبيب أو مدير يتسلط بسُلطاته على مقدراتنا.
في القصة الأولى من kind of kindness يخضع موظف لأوامر مديره الذي يختار له زوجته ومنزله ومواعيد طعامه ومضاجعاته، لكنه يرفض أوامر مديره بأن يقتل رجلًا بسيارته، ليُحرره المدير من تعاقدهما.
رغم امتلاك الموظف حريته إلا أنه بالتدريج يعجز عن اعتناقها كممارسة، لا يستطيع حتى اختيار مشروب بعينه عندما يسأله الساقي في الحانة عما يريده، تنتهي الحكاية بارتكاب الموظف جريمته ليعود إلى أحضان مُديره مثل كلب ودود يلهث لأجل استعادة لجامه بدلًا من حُريته.
مشهد من فيلم Kinds of Kindness
مشهد من فيلم Kinds of Kindness
في الحكاية الثانية والتي سبق الإشارة لها، عندما تُطيع الزوجة اختبارات زوجها وتُمزق كبدها في النهاية لتموت، تظهر على عتبة الباب في مشهد حالم الزوجة عينها وكأنها عادت لزوجها بعد تحررها من اللعنة، بينما يبدو المشهد في ظلًا آخر له، هو زوج استعاد بعقله المريض زوجته كما أرادها وألفها، مخلصة لدورها في حياته، في اشارة لعجزه عن تقبل زوجته بكينونة جديدة بعد تجربة مروعة مرت بها
في الحكاية الأخيرة من الفيلم ذاته، تترك امرأة دورها القديم كزوجة وأم لطفلة، لأجل الانتماء لطائفة جنسية، نُدرك فيما بعد أن زوجها كان مُختلًا، وهو ما يظهر في اغتصابه لها بعد تخديرها أملًا في أن تعود له، ولكن تكمن المفارقة أن الزوجة التي فرت من زواج مخيف لم تختبر للحظة حريتها إنما سلمت مقدراتها كاملة لطائفة أخرى تتسلط عليها كبديل عن الزوج السابق
يُمكن ملاحظة أنماط (التسلط/الطاعة) التي تزخر بها ديناميكية العلاقات في سينما لانثيموس في كل شيء، لأنها البديل الأكثر واقعية من تحول البشر إلى حيوانات ليتحرروا من ثقل حريتهم.
يُمكن ملاحظة ذلك في الجنس الذي تزخر به سينما لانثيموس، لكنه في مُعظم المشاهد يؤدى بميكانيكية تخلو من العاطفة، في فيلم the killing of a sacred deer لا يستطيع الطبيب ستيفن مضاجعة زوجته إلا لو تظاهرت بكونها مريض تحت التخدير، ليمارس عليها إرادته الكاملة كجراح، وفي فيلم dogtooth يأتي الأب بامرأة ليُلبي احتياجات ابنه الجنسية، ولكن يبدو الابن في الجنس مفعولًا به لا فاعلًا، وكأن الأب حاضرًا بتسلطه في المضاجعة رغم غيابه.
يُمارس رجل الجنس في kind of kindness مع زوجة غائبة عن الوعي لا يمكنها صده بإرادتها، بينما تمارس الزوجة الجنس مع قائد طائفتها بلذة، لكن لا يمكن إغفال جوهر السُلطة الكامن فيها وهو خضوعها كتابعة لهيمنة الكاهن الدينية.
رغم أن الجنس عنصرًا مُشتركًا بين البشر والحيوان إلا أنه يعبر دومًا في أفلام لانثيموس عن ديناميكية تحكم وتراتبية قوة بين ( مسيطر / خاضع ) ورغبة أبطاله في البحث عن موقعهم من تلك الأدوار، حتى لو في أكثر الأفعال حميمية، إما كخاضعين يسلموا حريتهم إلى من يعلوهم أو مُهيمنين يتغذون بالنشوة على خضوع الآخر أسفلهم.
تظهر تراتبية القوة ذاتها في سُلطة لانثيموس نفسها كمخرج، حيث تتميز أفلامه بالحوارية الرتيبة التي تخلو من العاطفة، كأن أبطالها أسرى حتمية وقدرية سينمائية، لا يمكنهم الفكاك منها بتعبير عفوي.
يعترف لانثيموس أن طريقته في تدريب ممثليه بأفلامه تعتمد على ما يسمى theatrical games وهي التسلط على ممثليه بألعاب عقلية مثل أن يأمر الممثل بالحديث بصوت عالي وخفضه بالتدريج خلال الحوار، أو أن يطلب من ممثليه أن يتقمصوا دور جمادات مثل noodles شعيرية أو مُحاكاة حركات بعضهم.
يبدو المُمثلين في أفلام لانثيموس أسرى سُلطة المُخرج وقدرية الحكاية سواء مأساة اغريقية أو بطريركية أبوية. وهذا ما يجعل كل حكايات لانثيموس مُعاصرة مهما بدت بعبثيتها خارج الزمان والمكان. فنجد الأبطال في فيلمه favorite الذي يدور في القرن 18 يتحدثوا بلغة مُعاصرة، لأن أفلامه تدور بالأساس حول تفحص الأدوار التي نتقمصها منذ بدء الخليقة وحتى الآن.. 
يُمكن فهم جوهر سينما لانثيموس من إحدى مشاهد killing of a sacred deer عندما يقوم الطبيب ستيفن وزوجته بحبس المراهق مارتن في القبو، والذي يلعب دور الرسول الذي يخبرهم أن مصير أبنائهم رهين منطق اللعنة الاغريقية القديمة. عندما يشعر مارتن بصعوبة تصديق الطبيب وزوجته بعقليتهما العلمية أن لعنة قديمة تتحكم في مصيرهم الراهن يُخبرهم أن الأمر برمته استعارة. لا يهم لو قتل أجا ممنون إبنته أفيجينيا بايعاز من الآلهة فداءًا لغزال مقدس في أزمنة قبل الميلاد، أو قتل الطبيب المرموق ستيفن إبنه بايعاز من مراهق مشوش في الألفية الحديثة. ما يهم هو سلطة الأب وخضوع الابناء له وهي لعبة أدوار خالدة، مادام البشر اختاروا بنى اجتماعية فيها مُهيمن وخاضع.

poor things:العالم كصفحة بيضاء

«يمثل poor things، فرصة مثالية لمراقبة إنسان حُر من الخزي لأنه لم يخذل دورًا بعينه، لأنه ببساطة لم يُقولب أبدًا، ولم يخضع لسُلطة دور أو سردية، صفحة بيضاء يُمكن لصاحبها أن يكتب بحرية، وهذا ما يجعل بيلا مثيرة للذعر»

يورجوس لانثيموس
في فيلمه poor things لا يخرج لانثيموس على قوانين عالمه، إنما يُغير المنظور، فلا نرى تنويعًا جديدًا عن أشخاص في جدلية مع أثقال حريتهم وإكراهات أدوارهم الاجتماعية، وأشواقهم للحالة الحيوانية، إنما نرى الأفكار ذاتها من منظور ذات لا تخضع لتلك الأشياء ولا تؤسر لمنطقها
يبدأ poor things بفتاة مأزومة مثل كل شخصيات لانثيموس لكنها لا تتحرر من عبء بشريتها بالحيوانية إنما بالانتحار وإنهاء حالة الوجود برمتها. تتحول الفتاة إلى جثة على محفة باردة في معمل العالم «غودوين» الذي يُسمي نفسه «غود» أو الإله في تنويع ساخر عن قدراته الاعجازية التي يردها للعلم.
يبدو غودوين مسخًا بشريًا وفيًا لعوالم لانثيموس، لإنه خضع طوال حياته لنزوات أبيه العلمية المتسلطة، حيث مزق أصابعه واستئصل غدد الأكسجة في جسده ليرى تأثير ذلك عليه، ليتحول غودوين في النهاية إلى عالم مرموق وتلميذ وفي للأب لكنه كذلك وحش بشري يُطلق فقاعات الغاز من فمه عندما يأكل.
يقوم غودوين بتطبيق تجارب تشبه أفعال والده على الفتاة الميتة، باستخراج جنين حي من أحشائها ووضع مخه مكان مخ الفتاة، ليخلق وحشًا مثاليًا، فتاة مُكتملة النمو بعقل رضيع، عقل يُشبه صفحة بيضاء لم يُكتب عليها حرفًا بعد.
رغم محاولاته لفرض سلطته عليها وسجنها في معمله مثل الأب في فيلم dogtooth إلا أن غودوين يرضخ لاصرار الفتاة التي سماها بيلا على الخروج للعالم واختباره بكل الصور.
تكفل حالة المسخ في صورة بيلا بين امرأة بجسد مكتمل وعقل طفولي لا يمتلك بعد أحكامه، أن نختبر عبر بيلا تجارب ناضجة ومُعقدة بعقل طفولي بكر، حُر من قيوده وأحكامه وخضوعه للأدوار.
مشهد من فيلم poor things
مشهد من فيلم poor things
تمارس بيلا الجنس بشراهة والذي يتمظهر على نقيض الجنس في أفلام لانثيموس السابقة، شبقًا وحيويًا ويخلو من الميكانيكية والآلية، لأن بطلته لا تخضع فيه لأي تراتبية قوة أو أدوار.
نرى امرأة تمارس حريتها الجنسية كاملة، وتتحرر من هيمنة شريكها وذكوريته، وتتبدى أفعالها بتطرف يناقض عالمها عندما يموضعها لانثيموس في القرن 19 الفيكتوري، أشد القرون تزمتًا وذكورية.
يصف لانثيموس فيلمه poor things باعتباره الأكثر ايجابية وأملًا من كل أفلامه، ورغم ذلك تعرض poor things لنقد لاذع أكثر من معظم أفلامه باعتباره فيلم «نسوي» برؤية رجل، لا يجد التحرر الأنثوي إلا مرادفًا للانحلال الجنسي، أو العُهر وهو ما عززه امتهان بيلا لمهنة عاملة جنس في باريس، وهو ما يجعل الفيلم برمته، خيالات ذكورية جامحة عن المرأة وهواجسها، لا فيلمًا نسويًا.
لا تخلو الانتقادات السابقة من وجاهتها، ولكن يُمكن فهم poor things كجزء من بينان سينما لانثيموس الأوسع، الذي تفنن في تقديم مفاهيم مثل التحكم وأثقال الحرية عبر حبكات متطرفة أبطالها أشخاص مأسورين بالكامل لسياقهم وأدوارهم الخاضعة، لذلك لابد أن تحتوي حبكة عكسية تروي قصة شخصية مُتحررة من تلك السياقات على تطرف موازي ولكن في الاتجاه المُعاكس. 
يصعب اختزال poor things في كونه تصور جنسي سطحي عن المرأة الحرة من كل كوابحها لأن الجنس أداة حاضرة في أفلام لانثيموس السابقة كمسرح بصري مثالي يُعبر عن هواجس الخضوع والتسلط، لذلك كان لابد أن يحضر كأداة تحرر واختبار شبقي لعالم بلا كوابح، عندما تختبره شخصية غير مثقلة بمفاهيم الأدوار والخضوع.
لا تدرك بيلا مُعظم الفيلم التأثير أو السُلطة التي تمتلكها على من حولها، فهي شخصية مُتحررة من فخاخ الخزي والذنب ولعبة الأدوار التي يؤسر لصالحها الآخرين. ولكن في النهاية تُدرك بيلا مواطن قوتها، وتتحول في ذاتها إلى سُلطة وكيان يُمكنه التسلط على الآخرين، ويظهر ذلك في عقابها لأحد الرجال الساديين بتحويله بمعرفتها العلمية إلى حيوان مؤنسن يشبه الكلب المطيع. وهي الصورة الأثيرة لدى لانثيموس في ممارسة السلطة أو الخضوع لها، تمثل تلك اللحظة النضوج النهائي لبيلا عقليًا، عندما امتلكت أخيرًا فهمًا كاملًا لقوانين عالمها واختيار تراتبية دورها فيه. 

الشك كعقيدة سينمائية

«لا يأتي الامل أو اليأس في أفلامي من حبكة الفيلم ومصير شخوصه، إنما يأتي الأمل من فعل المشاهدة ذاته والتطهير الذي يُحدثه، ثم رؤية العالم وقواعده بشكل مختلف»

يورجوس لانثيموس
يعترف لانثيموس أن قواعد عالمنا قوية في سُلطتها لحد تبدو معها كبداهة لا يُمكن مساءلتها، ويصعب تفحصها بعقل خالي من أحكامه وانحيازاته مثل بيلا لأن طفولتنا تبدأ بدور خضوع لسلطة الأبوين الجارفة التي يُمكن معها أن يختاروا لغتنا وأدوارنا حتى لو صرنا كلابًا مثل dogtooth، وحتى لو تحررنا من سجن الأبوين، نخاف من ثقل حريتنا وهشاشة الحُب عندما نعرض أنفسنا على شريك وما يصاحب ذلك من احتمالات الرفض والوحدة التي تبدو معها الحيوانية فردوسًا رحيمًا مثل عالم lobster أو حتى الموت وبذل أكبادنا ليرضى عنا أحبائنا بدلًا من أن يغادروا لو تغيرت أدوارنا المثالية مثل kind of kindness.
يرفض لانثيموس بشدة الاعتراف بما تعنيه أفلامه، ربما لأنه بذلك سيمارس سُلطة ويقدم قواعد لسينما مؤسسة بالكامل كهاجس ضد فكرة الاطمئنان للقواعد، لكن يُمكن اعتبار أفلام لانثيموس جرعة مُفرطة في تطرفها وغرابة قواعدها لايقاظنا من بداهة ما نظنه طبيعيًا في عالمنا
يؤكد لانثيموس أن فعل مُشاهدة أفلامه والافتتان بها أو كراهيتها والنقاش الذي يتولد عن ذلك كافيًا كفعل جمعي لبذر الشك في قواعد عالمنا، وهو مفهوم أشد قوة من اعتناق السينما كأداة لبث الأمل أو اليأس أو العبث، ربما لأن الشك هو الفعل الوحيد الذي تعاف أي سُلطة أن تبثه في الخاضعين لها، لأنه الشرخ الأول في بنيان هيمنتها. وبذلك تصير أفلامه على وحشيتها كما يُعنون أحدث أفلامه، نوعًا من اللطف المُغلف بقسوة لإيقاظنا مما نخشى رؤيته.