يستثير ألبوم «سوبر نوفا» في داخلي من اللحظات الأولى شعور قاومته بشدة على مدار سنوات مضت، وهي لعنة أن يتزامن ربيع عشرينياتك مع ثورة و ملحمة و هزيمة. وهو التوق التراجيدي من جيل كامل لتكفين حكايته في كفن المُرثية. أو مشهدية امتثال فارس مهزوم.
كل شيء في الحالة البصرية للألبوم يستدعي المُرثية، الأزياء، اللافتات، الإحالات، الزمن نوستالجي وهو حنين جارف للماضي، و الإسم هو «سوبر نوفا» وهي مرحلة النهاية والاحتضار في عُمر النجوم، لا يذوي فيها النجم بذبول عجوز إنما ينفجر بسطوع براق ومفاجيء في الظلمة، لكنه ليس نور التألق إنما بريق شيء يحترق. شيء على بعد خطوة من رماده.
فريق غنائي في مُحاورة مع مذيع أشيب، رمز من الماضي، فريق لا يستهدف المستقبل إنما يُحاور ماضيه، يرغب في أن يشرح له، و أن يستمد منه مقبولية، أو حتى فرصة أن يعرض عليه قضيته و أرقه، كما تعرض مأساتك على حكيم.
وحتى الوجه الذي تتجلى عليه معاني الأغاني هو وجه «محمود عزب».كوميديان صنع شُهرته من مُحاكاة النجوم وتقليدهم بكوميديا آسرة تُحررهم من ثقل هالتهم الأسطورية. وجه مُحايد مرن يستطيع أن يكون الكُل واللا أحد، لكنه في شيخوخته تغيرت ملامحه، يخلق وجه «عزب» العجوز محاكاته العُظمى مع الزمن ذاته، نرى في جحوظ عينيه و تجاعيده ونحافته، وجه رجل خرج خاسرًا في عراك مع زمنه الماضي كُله.
سوبر نوفا: نجم يحتضر بصدق ليٌضيء مُرثية
يحمل عزب بجسده وملامحه وماضيه القديم، بعض من مُفارقة المهرج الحزين بالياتشي، الذي أضحك مدينة بأكملها و حلم وابتسم وطاول الشمس، لكنه في نهاية اليوم ذهب لطبيب نفسي ونصحه الطبيب أن يزور مهرج المدينة فقال له:

لكنني أنا المهرج، أنا المكتئب، أنا بالياتشي
يصير وجه الرجل الذي يحمل أثر الزمن على قسماته وأثر الحُزن بعد عمر الضحك والأحلام، هو الجسد والروح المثالي لألبوم فرقة شبابية!!يتمايل عزب مع النغمات ويحكيها كإنها حكايته، أو حكاية جيل وصل كهولته وهو راكب في عربة أحلامه. التي لم تتحرك إنش من نقطة انطلاقها.
تؤطر أغنيات سوبر نوفا، الوحدة، الهزيمة، و الشعور الجارف بأننا خذلنا حلم ما بخيانة، أو أن فارس نبيل ينظر لنا بأسى لإننا لم نصل بأجنحتنا الشمعية ونُطاول الشمس

بحلم بفارس راكب حصان

وبيبتسملي بسمة فيها أسى

وكأني خاين أو جبان
لماذا ينجح إذن سوبر نوفا؟؟
سوبر نوفا: نجم يحتضر بصدق ليٌضيء مُرثية
بعضنا يُحب أن يحيا في مُرثية، أو أن ينظر إلى هزيمته باعتبارها جزء من كادر جمعي، تتفتت فيه المسئولية على ملايين، فيصير نصيبه من المُساءلة قليلًا ومن الشجن والحنين غزيرًا.

تبدو كلماتي كأنني لم أحب الألبوم، لكنني أحببتهربما لأن هناك أسباب أخرى أكثر أصالة من هذا الهجوم الذي أحاول به أن أقاوم شعور المرثية الذي يُفرض على جيلي كاملًا
النوستالجيا هي حيلة تسويقية ناجحة، تحلبها الاعلانات الرمضانية، و المُسلسلات منذ عقد على الأقل، وفي تجربة كايروكي، هي جُزء كامل ومُستعاد من نسيجها ولكن ما يُميز كايروكي أن النوستالجيا ليست حيلة من الأساس، إنما هوية!
تُستعاد النوستالجيا في الإعلانات باعتبارها حنين إلى زمن أجمل، أكثر دفئًا وحميمية، أكثر سهولة، لكن النوستالجيا في عالم كايروكي هي حنين صادق لا يتجمل، حنين إلى هزيمة أو حلم مخذول، حنين إلى زيارة موضع جرح قديم، ونكأه. لأن الألم والاعتراف به هو الشيء الوحيد الذي يخبرنا أن ما مررنا به كان حقيقيًا.
لا تستهدف النوستالجيا في عالم كايروكي التغييب اللذيذ، إنما التذكير بشيء تواطأت كل الظروف على نسيانه وعلى مُباركة هذا النسيان. يصف كايروكي الماضي بتوصيف ينزع عنه كل جلال أو دفء أو جمال

ميت بيسلم حي
ويصف تجربته بإنها أقل بكثير من الملحمة، بل تكاد تكون مسخ عنها، لكن التجربة ليست أتفه من ملهاة كي تُنسى، هي وسط بينهما

فاكره لما سألتيني علي ذوقي في الافلام

كان نفسي اكون باتمان بس طلعت جوكر

اصل انا في دور البطولة فاشل جدا مديوكر
لكنها تجربتنا نحن، حقيقتنا، ماضينا، ذاتيتنا، تجربة لا تشبه ما سبقها ولن يأتي ما يشبهها، ولذلك الحنين لها والإصرار على استعادتها من النسيان هو حيلة حياة لا موت، لأن تذكرها هو الصمغ الذي يربط حقيقتنا حتى لو كان ما يجمعه هو أشلاء أو قطع منثورة

ميت بيسلم حي

والميت وإن كان تافه

ف بيفضل ملهوش زي
هل يجعل ذلك النوستالجيا مثالية بأن تكون هوية؟ أو اصرار؟لا، لا يوجد شيء مثالي أو صحي في تلك الحالة، لكنه يجعل النوستالجيا حقيقية. تلك الحالة بتناقضاتها حقيقية وأصيلة، والفن لا يعالج الأشياء إنما يدين لها بالصدق وحسب

يصف أمير عيد الألبوم أنه بورتريه ذاتي،

إني مش جاي أبيعلك حاجة، ويمكن عشان كدا هتصدقني!
لا يُزيل «سوبر نوفا» مقاومتي لشعور تأبيد المرثية وسُكناها، والحنين لها، الشعور الذي إن تمكن من جموع يجعلهم مومياوات حية، لكنه أيضًا في جزء منه شعور لا يحتفي بالموت وسُكناه، إنما يحتفي بالذاكرة ويصير فعل بقاء لو كل ما حولك تواطأ على أن تنسى. هذا الصراع هو نحن، بعواره وبمقاومته، دا هو إحنا حتى لو مش مثالي، حتى لو مكرر ، حتى لو فشل

«ممكن انت تفشل كفكرة بس بنسبالك هي دي فكرتك ، اصل هتروح تشتري فكرة؟!!!»

تُجسد كايروكي دومًا لي هذا الطموح الكبير الذي يحوي بداخله عناصر محدوديته لكنه يقاومها، لا يمتلك أمير عيد صوتًا مثاليًا، ولا تحمل موسيقى كايروكي طموح جارف لمجاوزة قواعدها، لكن التفسير الوحيد لبقاءها كل تلك السنوات هو الصدق، الغير مُعتذر عن محدوديته، والذي يُرابط على فكرة بعينها، يقاوم نسيانها بعدما ذهبت سكرة الحماسة وخبا بريق الملحمة ولم يتبق سوى الهزيمة.
لا يجسد سوبر نوفا تطور موسيقي جارف، ويكاد يستعير من الماضي أضعاف ما يُضيف له، ولازلت أؤمن أن أشعار مُصطفى ابراهيم وميدو زهير يُمكن أن يتجلى جمالها ومفارقاتها مع أصوات وموسيقى أكثر قوة، لكن كايروكي يُجسد دومًا الفكرة النبيلة، وهي المُرابطة على معاني بعينها، ينساها الجميع وتوصيف حالة نفسية صادقة يعاف الجميع أن يقوم بتشريحها.
لسان حال كايروكي هو:

تلك هي المعاني التي نخلص لها، ونُصر عليها، حتى لو انتهى زمانها وعُملتها، وحتى لو كان السطوع هو بريق نجم يحتضر. تكمن البطولة هنا حتى لو بطولة مهزومة

وحدي عارف

إن أنا هافضل بطولي

وحدي خايف

وحدي عارف

هو دة الدور البطولي
لماذا إذن ينجح سوبر نوفا ويحقق وصاله مع أجيال أصغر بكثير من بطل الفرقة الأربعيني؟يقول الشاعر البريطانيW. H. Auden

لكي يكون العمل الفني أصيلاً، لا بد أن يجمع بين صفتين متناقضتين: صفة "الدوام" وصفة "الآنية".

ما يجعل ألبوم سوبر نوفا وكايروكي حالة مُمتدة وآنية رغم خريف عُمرها وهزيمتها و النوستالجيا التي تنضح من كل ثناياها، هي أن أصغر جيل حالي يُمكنه أن يرى ملامح هشاشته النفسية و إرثه في الكلمات والألحان المكسورة، لإنها تشبهه، لن يشعر أبدًا أنه يرتدي سترة قديمة أو يضع قدميه في حذاء الأجداد البالي، لأن ببساطة لم يتغير شيء، وهذا يجعل من الماضي -بصيغة ما- حاضر ممتد
حطيت نفسى في جزمة غيري

بس لقيتنى في نفس الجزمة

ولقيتنى بنفس القلب

ولقيت العالم كله بيجرى من نفس الكلب
أعتقد أن نجم سوبر نوفا يبرق كذلك لا لاحتضاره إنما لظلمة ما حوله من منتجات فنية، ولحنين جارف بداخلنا لكلمات صادقة حتى لو كان جلالها الحزن، و طابعها الهزيمة، لكنها كلمات تحمل حنانًا فريدًا، أنها ترانا وتتحدث عنا، حتى لو كانت تشبه أمهاتنا وهي تتحدث عن خيباتنا. لايزال الحديث مألوفًا وحميميًا رغم أنه يؤلمنا