لا يدور " ذا أوفيس " حول تحقيق الأحلام أو شخصيات تبحث عن خلاص ما ، إنما يدور حول الحياة اليومية ، البطيئة جدًا ، المُملة جدًا للموظفين ، أو كما عبر الكاتب " غريغ دانيالز " ، مُسلسل عن العاملين النمطيين في مبنى أسمنتي لشركة ورق مُتوسطة حيث الحوائط رُمادية و الإضاءة فلورسنت .
شخوص ذا أوفيس باقية في أماكنها على مدار 8 مواسم ، يمثلوا كابوس الكاريير ، أن تعمل خمسة عشر عامًا في وظيفة واحدة ، في حلقة يرتعد مايكل سكوت عندما يعلم أن مُديره المتقاعد العجوز الذي حل مايكل محله قد مات ذات يوم ، و لم يعبأ أحد ، و لم يتذكره موظفوه ، رمزوا له في الحلقة بطائر مشوش إصطدم بزجاج البناية و تكوم ميتًا جوار مدخل الشركة ، يطأه الموظفون و هم يدلفون للشركة في يوم عمل جديد ، بينما يرتعد " جيم " أكثر شخوص المسلسل إتزانًا عندما يُخبره مايكل أنه سيعتاد وظيفته حتى يجلس مكانه يومًا ، يخبره جيم أنه لن يبق كثيرًا ، فيبتسم مايكل " هذا ما قلته منذ خمسة عشر عامًا .
لكن لو كان المسلسل حول ذلك طوال الوقت ، حول موات الحياة العملية حيث ينتظر الموظف الساعة الخامسة بلهفة ليغادر لينام و يستيقظ يعيد نفس الدورة ، لماذا حاز كل هذا النجاح؟
المُسلسل adapted عن مُسلسل بريطاني بالإسم نفسه ل " ريكي جارفيه " ، إستعار الأمريكيون البيئة و الشخوص و الإيقاع اليومي في فرع منسي فقط بفرق واحد يقوله " غريغ "
we get all of this sad concept and at the end of every episode we just add one glimmer of hope .
هذا الفرق سيجعل المسلسل البريطاني 14 حلقة فقط ، بينما النسخة الأمريكية تخطت ال 8 مواسم بإجمالي 201 حلقة و نجاح لا ينقطع لليوم
يضيف الأمريكيون لمسة أمل في كل حلقة ، تلك ليست قصة نجاح مبدئيًا ، لن تنتهي بتحقيق مبيعات هائلة ، إختار المؤلفين صناعة الورق لتعبر عن الأمر ، تلك شركة ورق تكافح في عالم إلكتروني ، الشركة ديناصور قديم و موظفيها على سطح سفينة غارقة مهنيًا ، لا يمكنك جعل الورق مفهوم رومانسي و لا يُمكن أن ينتمي الموظف لشركة كتلك معنويًا
كل خيبة الأمل تلك هي ما يجعلهم يٌشبهوننا ، أشخاص يعملون لصالح شركات لا يُمكن أن يحققوا إحتياجاتهم النفسية عبرها ، أو كما يقول " ماركس " ( العامل مُنفصل كُليًا عن نتيجة عمله ، و قيمة ما ينتجه ) .
على رأس الشركة " مايكل سكوت " المٌجسد قبل عصر السوشيال ميديا لكل ما نُعايشه الآن ، الرغبة المُفرطة اليائسة للمرء أن يكون محبوبًا في عالم لا يُمكن أن يتحقق فيه عبر عمله لشركات عملاقة هو رقم فيها و في سبيل تلك الرغبة يغترف من الحماقة ملء وعاؤه .
أسفل كل هذا الثُقل المعنوي للمسلسل يُحاول هؤلاء غريبي الأطوار تحويل يوم العمل الميت في ديناصور شركة الورق ليوم مُمتع ، يُعبر مايكل سكوت عن رغباته الحمقاء علانية و يُعبر كل منهم خفية عن الرغبات نفسها ،
رغبتك في ألا تنتهي بك الحياة وحيدًا ،
و ألا تُذبل أيام عمرك في دورة عمل كئيبة ،
يفعل مايكل سكوت في كل حلقة ما فعله الواحد منا و لو مرة واحدة في الحياة الحقيقية ، يتحمل أطنان إحراج و يعاود الكرة في اليوم التالي . مايكل سكوت هو النُسخة الكاريكاتورية من مخاوفنا السوداوية التي يُعززها نمط إستهلاكي و إقتصادي عالمي. يخبرك أنك مركز العالم بعد دوام العمل لكنك في دوام العمل عبد لشركة بعيدة مقرها في بلد خليجي أو أوروبي لا يدري بك
كل الموظفين يُخاطبوا كاميرا أمامية هي " المُشاهد " نفسه ، يكسروا حائط الإيهام ، يُخبروه ما يدور برؤوسهم ، كل ما لا يُمكن قوله علانية ، وسط هذا السجن الأسمنتي نضحك و نختبر إحساس التعبير عن نواقصنا ، عن حماقتنا ، عما نشتهي قوله و تُكبلنا أساطير القصص السعيدة ، السوية عن تقديمه للشاشة
المسلسل بأكمله هايد بارك حيث يُمكنك أن تكون مُهرجًا ، يائسًا ، لا مُبالي ، صريحًا في أكثر الأماكن التي قدستها الرأسمالية كمعبد للتظاهر و للبسمة الصفراء و إرضاء العميل ، كل العاملين نسخة سوداوية من تشارلي تشابلن " العصور الحديثة " ، ماركسيين دون طاقة للسخط ، و عبثيين دون قراءة واحدة لكامو .
وسط ذلك ستجد جمالًا عابرًا ، جميلة تنام على كتف حبيبها في إجتماع مُمل فيصير يوم العمل يستحق النزول لأجله
موظفين يسخروا من رب عملهم طوال الوقت لكنه لما يتعرض للسخرية من الخارج ، يتكاتفوا ليشاركوه حماقته ، لكيلا يكون وحيدًا
رب عمل لا تؤمن أنه سيقودك يومًا للنجاح المهني لكنه سيجد الوقت لحضور معرض فني تعرض فيه موظفة إستقبال لوحات مُتواضعة و يُخبرها أنها ناجحة و يشتري بلوح حلوى لوحتها الأولى
عالقون على سير ميكانيكي في مصنع كئيب بأضواء فلورسنت ، و أبصارهم شاخصة للساعة في إنتظار نهاية الدوام ، و عقولهم تبحث عن فكرة لجعل السجن مُمتعًا ، لينجوا فقط لليوم التالي ، و قلوبهم تمنحك بادرة جمال دافئة كل حلقة هاربة من حقائق العيش المُخيف . تلك الخلطة الأمريكية التي جعلت تشابلن البريطاني قديمًا يُمرر بشاعات الرأسمالية ويُضحكنا ، و جعلت ذا أوفيس يٌجسد رعب ما نعيشه ، و الجمال الهارب من يوم الدوام المُمل




التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.