أجمل حلقة عندي من مٌسلسل «هاوس»
One day , One room S3 E 12
حلقة تبدأ بخطين
الخط الأول عجوز مٌشرد في المرحلة الأخيرة من سرطان الرئة يُريد أن يبيت ليلته في المشفى لإن الجو قارص البرودة بالخارج ، تكفله الطبيبة " كاميرون " وتمنحه مسكنات لحالته لكنه يرفض المٌسكنات لألمه المٌروع لإن موته بتلك الطريقة هو عقابه الأخير لنفسه على حياة أفسدها ولا يوجد إنسان واحد فيها ينتظره أو يتذكره ليبقى معه بأيامه الأخيرة
الخط الثاني فتاة يُخبرها هاوس بعد الكشف الطبي أنها مريضة بالكلاميديا نتيجة إتصال جنسي ثم يعلم أن هذا الإتصال كان إغتصاب تعرضت له
البديهي أن ال premise ، أو الوعود التي ستجذبك لإكمال الحلقة هي سؤالين
كيف أفسد هذا الرجل حياته ؟ و كيف تعرضت الفتاة للإغتصاب؟
تُحاول الفتاة الإنتحار في غفلة من الطبيبة النفسية التي عُينت لها و بعد إنقاذها يكون طلبها الوحيد إجبار هاوس الذي كشف عليها في البداية أن يكون مُعالجها و إجباره على مُحادثتها طوال اليوم ، كنوع من التحكُم الطفولي تحاول مُمارسته بعد حادثة أفقدتها التحكم في كل شيء ،

خشونة هاوس و فظاظته ولا مُبالاته تجذبها جذبة الغريق للشاطيء لإنه الوحيد الذي لازال بعد يُعاملها كإنسان و ليس كضحية إغتصاب ، تصير مُحادثة وصُحبة هاوس نافذة مؤقتة تٌبصر منها حياتها الطبيعية السابقة قبل أن تتحول للأبد كضحية إغتصاب سينظر لها الجميع بالشفقة ذاتها
تتحايل الطبيبة " كاميرون " لتُعطي الرجل العجوز مُسكناته بينما هو يُخبرها أن ألمه و صراخه و فرادة حالته سيجعلها تتذكر للأبد هذا المجنون الذي رفض المسكنات و تحمل الألم للنهاية قبل موته ، أخبرها أنه يُريد شخص واحد على ظهر هذا العالم يتذكره و لو بالسوء ، حتى لا يٌنسى بشكل كامل كأنه لم يأت

تكشف الفحوصات أن الفتاة ليست مُغتصبة وحسب بل حامل من مُغتصبها و يُجادلها هاوس في إجهاض الجنين بينما هي ترفض لإن كل روح مُقدسة .
يُخبرنا الفيلسوف الإنجليزي ( جورج بيركلي ) أن الوجود هو أن تكون مُدركًا ، أن يُدركك أحدهم من الخارج ، و بهذا يستديم وجودك و يحفظه ، لهذا الله ضرورة لهذا العالم ، لإنه المعية التي تُدركنا جميعًا دون إنقطاع ، لو إنقطع أحدهم عن إدراكنا بمعيته نزول
كان الرجل العجوز يتوق لتلك الفكرة التي لا تتحمل فلسفتها حلقة تلفزيونية ، يتوق لعين تُدركه ، كان ألم التلاشي و الزوال كسحابة دخان ، ألم وجودي أكثر ترويعًا له من ألم السرطان ، صارت الطبيبة كاميرون هي طوق النجاة الأخير له ليُدركه أحدهم ، ليستقر كفكرة ، كخاطرة في معية ما ، نقش تذكاري أخير لشخص مر على الحياة بسُرعة و لم يكتُب شيئًا
في مُحادثة هاوس و الفتاة الأخيرة تُخبره أنها تحتاج الإيمان بالله لإن الإله هو القوة الوحيدة التي يُمكنها منح معنى لما حدث ، بدونه ستصير تلك المُعاناة بلا معنى ، بينما هاوس لا يؤمن بالله للسبب ذاته ، أن عقله يُجيد حل الألغاز الطبية ، القواعد الحسابية ، المباديء التجريدية الصارمة لكنه يعجز أمام المُعاناة الإنسانية ، و ما يؤلمه أكثر من ألم قدمه العرجاء هو أن ينطوي هذا الوجود و هذه المُعاناة على معنى فوتته عينه الخبيرة ، أن يحل ألغاز الجسد ولا يحل لغز الوجود الإنساني أو لغز تعاسته الشخصية ، لهذا لا يؤمن هاوس بالرب لإن الإيمان بالله يستلزم أن يوجد معنى و أن يجد هذا المعنى الذي لأجله خلق الله هذا العالم ، لو وُجد الرب ووُجد المعنى و كان سبب تعاسته هو عجزه عن إيجادهم سيصير هذا السيناريو الأكثر رعبًا على الإطلاق
تتحول الألوهة لأداة مُحاججة بين شخصين جريحين ، وجودهما ذاته على تلك السجية صار مُشكلة عصية على الحل ، يسألها في النهاية :
لماذا هو ؟ ولماذا تلك المُحادثة ؟
تُخبره : لإن أول ما شعرت به لدى رؤيتك أنك مُحطم مثلي .
ينفتح هاوس في تلك اللحظة و يُخبرها عن أبيه ، الإله الأول في عالمه الذي حطم طفولته بقواعد تربية مُسيئة ، ربما إختار تلك الحادثة لإنها خلقت لديه الكفر الأول بكل ألوهة في العالم.
تُخبره أخيرًا أنها الآن يُمكنها أن تتحدث عن إغتصابها ، في تلك اللحظة تنسحب الكاميرا بعيدًا تاركة جريحين من الوجود ، أحدهم يحتاج الإله و أحدهم يحتاج نفي الإله ، بينما كاميرون تُسجل زمن الوفاة للعجوز بعد أن حقق ما يريد و منحتها بإدراكها لمعاناته حتى النفس الأخير راحة أن يتم تذكره للأبد عبرها .
في نهاية الحلقة لم نعرف كيف تعرضت الفتاة للإغتصاب ، و لم نعرف كيف أفسد الرجل حياته ؟ و لو شاهدت الحلقة و إستمتعت بها مثلي ، لن يهم . تلك الأسئلة صارت أصغر بكثير من ثقل الحلقة الفلسفي و الشعري .
حلقة هي درس في كيف تأخذ أحداث إنسانية عادية و تٌمرر عبرها أسئلة فلسفية أضخم بمراحل و أكثر قلقًا و شعرية من حلقة تلفزيونية ، حلقة بطلها إله يُعاني البشر ألم فلسفي مُفرط يُمكنه أن يغلب آلام السرطان ، ألم فلسفي من إحتمالية وجوده و إحتمالية غيابه



التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.