يبدأ فيلم The Invite بجُملة مفتاحية للأديب أوسكار وايلد:
ينبغي للمرء أن يظل واقعاً في الحب دائماً؛ ولهذا السبب بالذات، لا ينبغي له أن يتزوج أبداً.
أوسكار وايلد
يُميز أوسكار وايلد بحذق شعري بين الحُب كحالة شعورية وبين الزواج كمؤسسة
الحُب ابن لحظته، لحظة نحياها بالنُسخة الأجمل من أنفسنا، ونُطاول فيها نشوة مُعلقة في سقف سماء لم نظن أننا قد نصل لها أبدًا، للمفارقة هي لحظة في ذروتها نتمنى معها موت صغير ( كما يُسمي الفرنسيين القُبلة ) موت يتوقف معه الزمن، كي يتحقق الخلود لهذا الحال، قبل أن تقوم الجاذبية بعملها وتُعيدنا من سماء النشوة للأرض
أما الزواج مؤسسة أكثر ديمومة، مصنوعة بالأساس كي تعترف بسطوة الزمن والجاذبية، وتحاول رغم ذلك الصمود أمامهما
باختيار المؤسسة، تصمد قصة الحب بعقد موثق لعقود، ولكن بمرور الزمن نحيا جنازات شتى لنُسخ منا لم تعد هنا، وولادات شتى لنُسخ جديدة، ربما تكون أجمل، وربما تكون أكثر ذبولًا مما كُنا عليه.
بطلا الفيلم «جو» و «أنجيلا» مُتزوجان قُرب العشرين سنة، ولدت قصتهما من لحظة نشوة، كان فيها جو فنان، كتب أغنية وأداها لحبيبته «أنجيلا»، أغنية صنعت شهرة قصيرة له، لكنها منحته شريكته الأبدية، التي آمنت للحظة أن حبيبها قدم قٌربان حُبه، بقطعة من الفن، خالصة لأجلها وحدها.
لا نرى الزوجان في لحظة النشوة تلك، إنما بعد سنوات من مؤسسة الزواج، كليهما يحيا جنازة تلك النسخة القديمة، وميلاد نُسخة جديدة يُحمل فيها أحدهما للآخر ذنب تعاسته ويبقى معه فقط من أجل الإبنة التي أثمرها هذا الزواج
يصف وودي آلان العلاقة العاطفية بسُخرية أنها مثل سمكة القرش، تحتاج أن تتحرك باستمرار للأمام، كي تتنفس، لو توقفت لبُرهة، قد تموت غرقًا.
يؤطر المكان في فيلم invite حالة الزوجين العالقة، بين جنازة ما كانا عليه، والعجز عن ولادة نُسخة جديدة تستديم الحُب بينهما.

يبدو مكتب جو مثل مُرثية لأحلامه القديمة، يمتليء عن آخره بأدوات موسيقية يعلوها الغُبار ونوتات وكُتب فنية لم تُفتح أبدًا، غرفة مزدحمة بطابع جنائزي، بينما بقية المنزل هو مسرح لمحاولات أنجيلا تجديد الأشياء تفتخر بتجديد بلاط الحمام، وطلاء الغرف، لكنها إسقاطات مادية عن امرأة تتخذ من تجديد الأشياء مسرحًا لتوقها الداخلي -وعجزها كذلك- عن تجديد ذاتها وعلاقتها بحبيبها القديم.
يحمل الموقع الواحد في الفيلم، كل أجواء الكلوستروفوبيا، والضيق والإنغلاق، التي تحبس أبطاله في جنازات نُسخهم القديمة، مثل سمكة قرش تعجز عن التنفس وتغرق في الماء التي لم تعرف سواها. والتي كانت قديمًا بيئتها الأليفة.
في بداية الفيلم، يستلقي الزوج جو على الأرضية في مدخل شقته، كي يستريح من آلام ظهره، بينما في مشاهد الجنس، لا نجد مكانًا صالحًا للمضاجعة سوى طاولة المطبخ الفوضوية أو المكتب المُزدحم بأغراض جو.
تؤسس المخرجة «أوليفيا وايلد» للشقة التي لن تغادرها الكاميرا أبدًا باعتبارها مساحة بصرية خانقة، سنظل مُحاصرين فيها، مساحة تخلو من أي حيز للراحة أو الحميمية.
تُحيلنا أفلام المكان الواحد دومًا في السينما إلى وسيط المسرح، حيث واجهة براقة عناصرها محكومة بدقة، وكواليس فوضوية في الخلف، وهو مجاز مثالي لزواج جو و أنجيلا، خصوصًا عندما يتمظهر أمام غرباء. وهو ما يحدث عندما تدعو أنجيلا جيرانها بينا وهوك للزيارة، وتصنع واجهة سعيدة لزواجها مُبالغ في تظاهرها أمام الغرباء
لا يحضر الثنائي الجيران بينا وهوك في حياة أنجيلا وجو عبر تلك الدعوة، إنما يسبق الدعوة حضور أصواتهم خلال المضاجعة الجنسية عبر الجُدران، نشوة حيوانية تستثير اعجاب أنجيلا ونفور جو. لكن يحضر معها الجنس كمفهوم يضع الزواج التعس دومًا أمام أصعب اختباراته.

قال أحد الأدباء يومًا:
بعد الزواج، لا يتعلق الجنس بالعفوية أو الشهوة، إنما بقرار كل شريك أن يختار شريكه مرة بعد أخرى، بعد أخرى
من الفيلم
في كل نسخنا التي تموت والتي تحيا من جديد في مؤسسة الزواج، يحضر الجنس باعتباره مؤشرًا مثاليًا، على قبولنا تلك النُسخة الجديدة، أننا لازلنا نشتهي الجسد ذاته والوصال ذاته، حتى لو تغيرت ذاتية الشريك وشخصيته، أما لو توقف الجنس، يعني ذلك أننا لازلنا نحيا في جنازة نُسخة قديمة، ولم نشتهي الجديد بعد.
لا يتعلق الجنس هنا بالرغبة انما بالوصال، لذلك تقول احدى شخصيات الفيلم: لا يمكن أن نمارس الجنس من موضع غضب أو احتقار.
لذلك يؤطر جنس الجيران الشهواني العابر للجدران، الحالة الجنائزية لزواج جو وأنجيلا.
لا يحضر هوك و بيلا -رغم ذلك- باعتبارهما نُسخة صحية من مؤسسة الزواج تُعادل وتُداوي زواج البطلان العاطب، إنما يحضرا كمتمردين راديكاليين على المؤسسة ببرجوازيتها وطبيعتها وقيودها.
تبدو علاقة هوك وبيلا القصيرة التي لم تجاوز العام، أبدية جنسية مُمتدة حتى خارج ذروات الفراش، نشوة مُحلقة تنظر من علً لكل الذين تُقيدهم الجاذبية في الأسفل. روحان في بحث مُستمر عما يستديم التحليق.
يُخفي جموح علاقة هوك وبيلا، هروب قلق من أهم اختبار تؤطره مؤسسة الزواج وهو اختبار الزمن الممتد مع شريك واحد. نعرف أن كليهما أعاد اختراع ذاته من جديد مع كل علاقة، هوك هو رجل هارب من ماضي كان فيه رجل اطفاء في زواج تعس، وبيلا امرأة فرت من زواج توقفت فيه النشوة بغتة وذبل الشغف والجنس معه.
يكمن تحدي مؤسسة الزواج ف إعادة اختراع نُسخ جديدة منا عبر رحلة الحياة مع الشخص ذاته، ولكن تحدي بيلا وهوك، يكمن في إستبقاء الذات ونشوتها ولو باستبدال الشريك والأحوال في كل مرة.
يحضر هذا الطابع من وصف لحظة اللقاء الأولى، بينما ولد حُب أنجيلا وجو من لحظة رومانسية قدم فيها فنان قطعة من فنه لأجل امرأة، ولدت علاقة بيلا وهوك من سياق مرضي، كان فيه مريض على أريكة وكانت هي أخصائية علاجه، علاقة تكشف ديناميكيتها، عن مريض تواق لقبول عطبه، و أخصائية تواقة لإرشاد روح عاطبة للخلاص. لا يوجد حُب هنا إنما اعتمادية متبادلة ومرضية.
لذلك كل التغييرات التي مارسها بيلا وهوك، هي تغييرات موجهة للذات لا لعلاقة سوية مع الآخر، لذلك كل ما احتاجه هوك كي يبدأ حياة جديدة مع بيلا هو أن يغير إسمه القديم. تغيير سطحي لكنه أكثر سهولة من محاولة إنقاذه لزواجه السابق
بينما يبدو صراع بيلا المركزي هو صراع مع شيخوخة الجسد، تُخفي شعيرات ربما تكون بيضاء بلون شعر مُستعار، وتتحدث بدفاعية عن أعراض سن اليأس وانقطاع الطمث، باعتبارها ما يسلب الأنثى قدرتها على ممارسة الحُب، لذلك تعامل جسدها مثل معبد لا يقبل جيلوتين الأجبان واللحوم ويحيا على النباتات.
يُمكن للرجل أن يولد من جديد فقط بتغيير اسمه، ولكن بيلا في رؤيتها لنفسها كامرأة، تُدرك أن البيولوجيا هي التحدي الأكبر من القرار اللحظي بتغيير الذات
ينبهر جو وأنجيلا بالخبرة الجنسية المُمتدة لبينا و هوك، ولكن يُخفي صخب حكاياتهما عن حفلات الجنس الجماعي مُتعدد الشركاء، خوف شريكان من البقاء وحدهما في وصال جسدي قد يكشف ضجر أو فتور لا علاج له.
يُعامل هوك وبيلا الجنس باعتباره تجربة جماعية تشوش على الخواء بالكثرة، تجربة تستكشف اللذة لا الوصال، لذلك تصفه بيلا أنه مكان نحاول الذهاب إليه لا تجربة اتصال مع مُحب. وهو وصف يليق بالمخدرات أكثر من الوصال.
يضم فيلم INVITE جلسة مُكاشفة تطهيرية، بين جانبين مُتطرفين يشتركا فقط في القلق الكامن داخل تجربتهما العاطفية
شريكان يُعانيان عوارض البقاء والجنازة في مؤسسة زواج تقتل الحُب بالزمن، حتى تظهر أخيرًا جنازة نسخة لا يمكننا الفكاك منها لجديد، وشريكان يتحررا من مؤسسة الزواج البرجوازية وقيودها نحو نشوة أشد وحدة في جوهرها، اللذة فيها بصورتها البدائية، تبدو خيار آمنًا أكثر من تحديات وصال شخص واحد عبر عقود من الزمن
من هذا التطرف والتناقض بين الجانبين تولد الكوميديا والمُفارقة، عندما تصير كل علاقة مرآة للأخرى، ويرى كل طرف ذاته لوهلة مرغوبًا ومُشتهيًا من عيون جديدة.
يرى جو علاقة بينا وهوك عاطبة أخلاقيًا ويُطلق أحكامه البرجوازية عليها، والتي تؤطره هو كرجل غير آمن أكثر ما تُدين الشريكان، و ترى بينا علاقة أنجيلا وجو حالة مرضية لضحايا جدد لمؤسسة الزواج التقليدية، لذلك تجلس في الفصل الأخير كطبيب نفسي يُلقي تشخيصاته النهائية لمرضى يتوقوا للشفاء
يطرح INVITE دعوة جمالية للتفكير، هل يُمكننا أن نظل محبوبين من الشخص ذاته؟ هل يصمد الحُب أمام اختبار الزمن وجنازات نسخنا القديمة؟ هل تمتلك أرواحنا المدد الكافي كي تولد من جديد وتُحب الشخص ذاته؟ هل تاريخنا مع شريك واحد ثُقل نبتغي التحرر منه، أم حنين يُنبهنا للأجمل في شريكنا حينما يخذلنا الحاضر؟
تلك اختيارات تحمل رهانات الخسارة بقدر ما تحمل رهانات الفوز، يحاول فقط الزواج كمؤسسة تجنيبنا خطر الخسارة باجبارنا على الاستمرار، بينما التمرد عليه في صورة ( بينا وهوك ) يتجنب المراهنة بأكملها، بالقفز من لذة لأخرى، عوضًا عن خوض تجربة وصال حقيقية عابرة للأزمنة
ينتهي الفيلم بمشهد جمالي، نُراقب فيه أنجيلا وجو، من كادر داخل كادر، لكننا لا نشعر بالكلوستروفوبيا، أو النفور والاحتقار اللذان يصاحباننا طوال شريط الفيلم، نشعر لوهلة بالقرب والسكن.

يعزف جو الأغنية القديمة التي كتبها وعبر بها عن حُبه لأنجيلا، وتجلس أنجيلا بجانبه وتُشاركه العزف.
الخلاب في المشهد أننا لا نعرف، هل الموسيقى هي تحية جنائزية لرثاء نُسخة لن يعودوا لها أبدًا، أم أنها مثل ألحان أورفيوس التي يُحيي بها الحُب وهو رميم؟! تنسحب الكاميرا وتتركنا مع الأسئلة، ومع براح تجاربنا ورهاناتنا نحن، خارج شقة جو وأنجيلا الضيقة



التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.