على مدار أحداث «سوبرانوز» يتطور خط درامي ثري وهو العلاقة المُلتبسة بين «توني سوبرانو» وعمه «جونيور»، الذي يُمثل الشخصية الأبوية الوحيدة المُتبقية في عالمه بعد موت أبيه الزعيم مُبكرًا
يؤطر موت الزعيم العلاقة بين العم وابن أخيه منذ البداية، لتكون مُنافسة بينهما على ملء مقعد الزعامة الشاغر، يمتلك «جونيور» الأقدمية بينما يمتلك «توني» البراعة، ولأن المافيا تُقدر السمتان معًا كأعمدة لتماسك العائلة يصير الحل توفيقيًا، يتولى «جونيور» الزعامة صوريًا كواجهة بينما يُمسك «توني» الخيوط كلها.
أسفل تلك الطبقة الرئيسية من الصراع يمتلك «توني» حُب جارف لعمه، لأنه يحفظ تاريخه كاملًا قبل الزعامة، يعلم كيف كان «توني» الطفل؟ وكيف تطورت كينونته ليتحول من صبي خائف إلى زعيم مهيب؟، تلك الكينونة وسؤالها هو أساس القصة بأكملها وهو ما احتاج «توني» لنبشه بالعلاج النفسي على مدار المواسم ليعرف حقيقته.
لم يحيا الأب بما يكفي ليُدرك «توني» هل كان أبيه يُحبه حقًا أم لا؟ بينما الأم جعلت طفلها مسرحًا لمُعاناتها مع «اضطراب الشخصية الحدية»، ليصير الإبن هدفًا لعدوانيتها وكراهيتها لذاتها، حد اغراء العم «جونيور» لقتل إبنها لينال الزعامة كاملة. بغياب الأبوين يصير «جونيور» الرسول الوحيد من عوالم الآباء، الحافظ لحكايته، وللسؤال الذي أرق «توني» دومًا، هل أحبه أحد يومًا؟
في الموسم الخامس يُعاني العم «جونيور» من مُضاعفات الخرف لكنه يتمسك بالزعامة الصورية، ما يُثير رعب «توني» أن بحضور الخرف تنحسر كل طبقات شخصية العم ولا تبقى إلا حقيقته، لم يعد عقله قويًا بما يكفي للكذب، يجد «توني» أن كل ما يستعيده العم من ذكرياتهما هو ما يجرح توني، مثل فشله في صباه أن يكون بطلًا رياضيًا، مثل كراهية أمه له، قديمًا.
كان «توني» ليعزو تلك الذكريات إلى محاولات العم مناوشته والتقليل من شأنه لتتأكد زعامته، أما بعد الخرف، ما يُثير هلع «توني» خوفه من أن عمه يكرهه حقًا، وإلا لماذا لا يستعيد عقل مٌصاب بالخرف، بلا مكابح ولا منطق، إلا الذكريات اللاذعة.؟
في واحد من أجمل مشاهد المُسلسل، يجلس الزعيم «توني» مع عمه وفجأة ينظر له بعين طفولية تتوسل الحُب، يعود طفلًا خائفًا وهو يسأله بصوت مهزوز لا يخرج من زعيم أبدًا، لماذا يتذكر فقط ما يؤذيه، هل هذا يعني أنه لم يُحبه؟، يدرك «توني» أنه بكراهية العم، يصير مكروهًا ومنبوذًا بالكلية من كل من صنعوه، من كل من جعلوه ما هو عليه.
يقول المُمثل «دومينيك شيانيز» الذي أدى شخصية العم أن هذا المشهد هو الأجمل و الأصعب على الإطلاق بينه وبين «جيمس غاندولفيني»، الرجل القاسي الذي تحول طفلًا وهو يسأله:
i mean don't you love me
لم يتمالك «دومينيك» نفسه إلا وهو يبكي أمام أداء «غاندولفيني»، ليجد «توني» إجابته حاضرة، يبكي عمه ثم يتماسك سريعًا، يطمئن «توني» رغم كل شيء أن عمه أحبه حقًا.
ما يجعل شخصية «توني سوبرانو» الأجمل في الدراما التلفزيونية، ليس قسوتها أو هالة الزعامة، إنما تلك الإنفلاتات الشعرية من كينونة رجل لابد أن يبدو قاسيًا، لكيلا يستشعر أعداؤه ضعفه، كيف يتحول في لحظات درامية لطفل لازال يبحث عن الحُب؟ لمريض يطلب المساعدة؟ لمُذنب يتوسل الغفران؟




التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.