في مُحاورة «المأدبة» قال أفلاطون أن البشر ولدوا مُزدوجي الجنس، يمتلكوا أربعة أذرع، و أربعة أرجل، مخلوقات مُكتفية بذاتها، مما أصابها بالكبر، ولذلك جاء إنتقام زيوس كبير الآلهة، بأن شطر بسيفه كل بشري إلى نصفين. رجل و امرأة.ومن وقتها يهيم البشر في الأرض لأجل مُهمة واحدة، أن يجد كل نصف، نصفه الآخر. وما تمام الحُب وكماله، إلا أن يجد المرء توأم الروح الذي يُكمله.
من رحم أسطورة أفلاطون ولدت قصص الحُب الخالدة في كل الثقافات، مثل روميو و جولييت، قيس وليلى. قصص وجد فيها كل نصف، نصفه الآخر، توأم الروح.
ولكن للمفارقة، أجمل القصص رومانسية، هي قصص تراجيدية، لم يُتوج فيها الحُب بنهاية سعيدة، لأن الزواج في العصور القديمة، لم يكن يتعلق بإيجاد نصف الروح الآخر. إنما باقتران عائلات من مستوى اجتماعي واقتصادي واحد ، لتوثيق أواصر اجتماعية وطبقية أهم بكثير من رومانسية أفلاطون.
يصعب أن تتزوج عبلة، عنترة لأنها سيدة وهو عبد حتى لو كان نصفها الآخر، ويستحيل أن يتزوج روميو وجولييت بسبب العداء الأزلي بين عائلتيهما، لذلك يقول المسرحي الفرنسي «دي بلزاك»:الزواج مؤسسة ضرورية كي يعمل أي مُجتمع بفاعلية، لكنها مؤسسة تُعادي قوانين الطبيعة أحيانًا.
يمكنك أن تجد نصفك الآخر، ولكنه في طبقة أخرى، أو عائلة أخرى، يستحيل معها أن يكتمل الوصال. ويظل بذلك عقاب زيوس قائمًا.
لا يستدعي مُسلسلSomething Very Bad Is Going to Happenأسطورة توأم الروح في زمن قديم، إنما يموضعها في عصرنا الحداثي. حيث يمتلك البشر حُرية و فردانية أكبر من الأزمنة التي خلت. يُمكنهم معها مطاردة نصفهم الآخر، حتى لو كان من عرق أو طبقة أو بلد أخرى
تدرس البطلة «رايتشل» علم النفس السلوكي، لكنها لا تدري لماذا يُحرك سلوك البشر في زمننا الحديث أساطير مثل توأم الروح؟
لا تعود أسطورة أفلاطون في المسلسل باعتبارها إلحاح رومانسي على مُطاردة نصفنا الآخر، إنما لعنة موروثة، عابرة للأجيال والأزمنة، اتفاق قديم لم يُعقد مع زيوس إنما مع ملاك الموت. بموجبه لو لم يتزوج المرء نصفه الآخر. يُعاقب بأن ينزف يوم زفافه حتى الموت.
كأن الأسطورة تستدعي لحظة عقاب زيوس في ذروتها، كأن سيفه عاد لغمده فور قطعنا لنصفين. لكن كل نصف ينزف دمه حُزنًا على فوات نصفه الآخر حتى الهلاك.
تتعرض «كاثرين» لمأزق يختلف في تراجيديته عن روميو و جولييت، اللذان آمنا أنهما خلقا لبعضهما، لكن زمنهما لم يؤمن به،
مأزق «كاثرين» أنها لو لم توقن بقلبها خلال أيام بأن شريكها الذي ستتزوجه خلال أيام هو نصفها الآخر. ستنزف وفق اللعنة دمها على ثوب زفافها حتى الموت.

لا تستكشف الحكاية هنا تسلط لعنة قديمة على زمن حداثي. إنما تستكشف رغبة البشر الداخلية في التمسك بأسطورة توأم الروح. و قلقهم الداخلي أيضًا من كونه سؤال يصعب الإجابة عنه بيقين.
حسب مسح حديث عام 2021، لاتزال فكرة «توأم الروح» مُنتشرة بكثافة عابرة للثقافات. في زمن يُمكن لملايين البشر فيه التحرر من سجن الطبقة أو حتى الأرض التي ولدوا عليها،
يُمكنك فيه التواصل مع 7 مليار إنسان بضغطة زر. زمن يُسلح أصحابه بوسائط عبقرية لإيجاد أي إنسان في أي مكان. بينما أجدادنا ولدوا و ماتوا أحيانًا في حدود قريتهم.لماذا نحتاج إذن أسطورة مثل توأم الروح؟
يقول فيلسوف اللاهوت الأمريكي برادلي أونيشي أن أسطورة «توأم الروح» حية لأنها عزاء مُستقبلي أن كل وحدتنا وعُزلتنا ليست إلا عذاب مؤقت، لا يد لنا فيه.
تُعزينا الأسطورة عن اخفاقاتنا بأننا فقط لم نجد نصفنا الآخر، ولذلك كل تجاربنا قبله، فشلها محتوم، و مسئولية الفشل مُعلقة على مشجب الأسطورة لا على عواتقنا
يزداد تشبثنا الآن بالأسطورة القديمة لأننا في زمن تواصل سائل، لا نختار فيه بين شباب قرية لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين، إنما ملايين الأشخاص بملايين الفرص والمُمكنات. كثرة مُدوخة، اذا اخترنا فيها إنسان، نُعاني معه من قلق الفوات لعشرات مكانه.
تحضر تلك الفكرة في تُحفة يواكيم تريرThe Worst Person in the Worldفيلم بطلته من جيل الميلينيالز، لا تُعاني إلا من رعب الاختيار أمام تلك الكثرة المُدوخة من الممكنات، لذلك تتحول البطلة من جولييت شكسبير المُضحية، إلى جولييت قاسية، تدخل كل حكاية ويبني حولها روميو عش السعادة، لكنها لا تلبث أن تغادر عش الحكاية إلى أخرى، مُخلفة الحطام وراءها، وبذلك تستحق لقب أسوأ شخص في العالم.
تُخفي اللعنة القديمة فيSomething Very Bad Is Going to Happenقلق حداثي مُرعب، لا تتشظى فيه كينونتنا بسيف زيوس إلى نصفين، إنما إلى عدد لانهائي من القطع. نُصاب معها بما يسمىشلل الاختيار choice paralysis
عجز تام أمام فيض الاختيارات والمُمكنات يجعلنا نرتاع من الإجابة عن سؤال مثل:هل المُحب جوارك هو توأم روحك حقًا؟ينتابنا عجز كامل عن تحويل مشاعر الحب وفورته إلى مؤسسة مثل الزواج، تتطلب ديمومة ويقين بأننا وجدنا الاختيار الصحيح من مليار بديل مُتاح.لا أحد في أزمنتنا الحديثة يمتلك يقينًا واحدًا في اختيارات الحياة، لا نملك يقين إلا بالموت.
لا يظهر الموت -الذي عقد الصفقة وبدأ اللعنة- أبدًا في المسلسل، نراه بعين مُراقب شره، يُراقب الجميع ولا يُرينا وجهه، يتلذذ الموت بكونه اليقين الوحيد المتبقي في زمن الإنسان الحديث، لذلك هو الجهة الوحيدة التي مازلنا نعقد معها صفقاتنا، من زمن أسطورة أورفيوس الذي عقد مع الموت صفقة كي يُعيد حبيبته للحياة، حتى زمن «رايتشل» التي عقدت مع الموت صفقة كي تظفر بنجاة.
يظهر التضاد بين الأزمنة القديمة و زمننا الحديث، في علاقة البطريرك الأب بوريس بزوجته الماتريارك فيكتوريا، وهو زواج قديم يظهر عواره في نفسية الأبناء، لكنه مُمتد و حي ليقين بطليه أنهما أعضاء في مؤسسة لا رفاهية فيها لفرادة أحدهما دون الآخر، تعاني الأم النرجسية ويعاني الأب الانسحاق، لكن وحدها مؤسسة الزواج من تجعل ذلك الترابط المرضي بينهما مُقدسًابينما تتشظى اختيارات أبناء العائلة في الزمن الحديث بفعل رعبهم من دخول المؤسسة ذاتها لأنها قد تصير سجن مُمتد لعقود، مثل السجن الذي عاشوا في كنفه طفولتهم

لا يصمد حُب رايتشل و شريكها نيكي أمام لعنة قديمة، لا لكونه حبًا ضعيفًا، إنما لأنه حٌب حداثي مثقل بضغوط زمنه، حب لابد أن يكون مثاليًا. تُرسم له اللوحات، و ينتهي معه المونوبولي أو كل الاحتمالات حولنا، بأننا قد نجد الأفضل في مكان آخر
تنتهي بطلة يواكيم ترير، في فيلمها بأن تصير وحيدة ، خارج كل الكادرات، شاهدة فقط على الحكايات وليست جزءًا منها، مثلما انتهت أسطورة أورفيوس ببقاء ألحانه خالدة، وشاهدة على قصص حب لم يعد جزءًا منها. وتنتهي الحكاية هنا بأن يصبح أبطالها شهود على زمنهم لا من قصصه الجميلة.

ينتميSomething Very Bad Is Going to Happenإلى دراما رعب حديثة، لا يدور موضوعها حول الوحوش و الأشباح إنما حول مؤسساتنا مثل الزواج و أدوارنا القديمة مثل الأبوة والأمومة، أدوار موروثة من قديم الأزل، لكنها باتت تُمارس في أزمنة حداثية تُثقلها بضغوط تجعلها مهام كابوسية مثل دور الأمومة فيhereditaryللمخرج آري أسترو مؤسسة الزواج في ديستوبياlobsterللمخرج يورجوس لانثيموس.
يتحرك الإنسان الحديث مثل غريب في أطلال مؤسسات صمدت لآلاف السنين، مثل الزواج والأمومة. مؤسسات نمارس عبرها أدوارًا تُمرر لنا مع جيناتنا، لكنها نكسوها بتوقعات زمننا، فتصير حكاية مُرعبة. لا مكان لاختبار مخاوفها وتفريغها بالكامل إلا في حكاية رعب




التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.