ذات يوم، أراد الموسيقار «جون كيدج» أن تُجرب أذنه المُرهفة، الصمت العظيم، صمت يخلو فيه الوجود حوله من الأصوات كافة. يصير معه الهواء عدمًا لا يتذبذب فيه شيء. برسالة أو بموجة …. أو بحياة.
ذهب «كيدج» إلى غُرفة عديمة الصدى في حرم جامعة هارفارد، صُممت كي تكون بلا صوت. وبُنيت بمواد تمتص كل الذبذبات المُنعكسة.
في اللحظة التي كاد فيها أن يستشعر خرس العالم، ويُلامس بقلبه الصمت المُقدس. غزت أذنيه، ذبذبة حادة وأخرى مُنخفضة. اتحدتا معًا في سيمفونية أفسدت العدم حوله، انتظر «كيدج» زوالهما، لكن بالتدريج تصاعدت السيمفونية كأنها بُركان لا يهدأ، عندها خرج نافذ الصبر لفشل التجربة.
أخبر مُهندس التجربة بما حدث، عندها أخبره الرجل بأن النغمتين لن تزولا أبدًا، وكلما زاد توقه للصمت بالداخل، زادت حدة الذبذبات، لأن النغمة الحادة ببساطة هي صوت جهازه العصبي، والنغمة المُنخفضة، هو صوت الدماء التي تجري في عروقه.
انتاب «كيدج» حُزن وجودي، عندما أيقن أن البشر لن يختبروا الصمت الخالص أبدًا، لن يُلامسوا برهافة سمعهم، الصمت العظيم. لأن الحاجز بينهم وبينه، هو بشريتهم ذاتها.
Frances Ha: أقل أبدية من غبار النجوم، وأكثر صخبًا من الصمت المقدس
كي يختبر «كيدج» كمال الصمت المُقدس، لابد أن يتوقف خفقان قلبه، ويتوقف جهازه العصبي عن استشعار مثيرات العالم حوله. أو ببساطة عن استشعار الحياة نفسها.
في رسالته الأخيرة، كتب فان جوخ إلى أخيه ثيو، عن أُمنيته أن يرسم الكون في أصدق صورة مُمكنة، أن يرسم الأشياء ببراءة خلقها الأول، كأنها صُنعت لأول مرة من مادتها الأولى أو بتعبيره:

أريد أن أعيد الأشياء إلى عفويتها كما لو أن العالم قد خرج تواً من بيضته الكونية الأولى.أريد أن أسافر في النجوم وهذا البائس جسدي يعيقني!
أراد فان جوخ أن يرسم لوحة مثالية، من غُبار النجوم ذاته، المادة التي صنعت الكون في صورته الأولى، لكن بشريته هي ما يعوقه عن بلوغ النجوم وجمع غُبارها في لوحة ألوانه.
Frances Ha: أقل أبدية من غبار النجوم، وأكثر صخبًا من الصمت المقدس
لذلك يُقرر فان جوخ عوضًا عن رسم الربيع بألوان كاذبة، أن يذهب بجسده إلى الربيع، ويقتل نفسه بعد تلك الرسالة.
لا يغوينا شيء مثل مُطاولة الكمال، لا يشتهي الفاني شيء قدر بلوغ المُطلق، مُنتهى الأشياء، لكن تقف بشريتنا دومًا بيننا وبين الاستماع للصمت المُقدس، أو مُلامسة النجوم
قديمًا تخيل الفلاسفة، أن الإنسان مخلوق عاقل يقف برهافة في مركز العالم، بينما خارج النظريات الفلسفية، وفي قلب الحكايات الحقيقية، يقف البشر دومًا على الحواف، عند مُنتهى الأشياء، يتحركوا بعيدًا عن المركز حتى يصلوا إلى مُنتهى ما تحتمله محدوديتهم.
لا يرسموا حدودًا للعالم حولهم، إنما حدودهم تُرسم عنوة رغمًا عنهم، حدودهم هي عجزهم عن بلوغ مُنتهى كل الأشياء. هي اللحظة التي يكون فيها ثمن خطوة واحدة للأمام هو الإنسلاخ من بشريتهم ذاتها.
لا يُصالحنا شيء على محدوديتنا ويعيدنا إلى المركز مثل الحُب.
عندما سأل «كيدج» عن سبب بناء غُرفة عديمة الصدى في هارفارد، أخبره المُهندس أنها بُنيت خلال الحرب العالمية الثانية لدراسة الإنهاك الذي أصاب طياري القاذفات نتيجة وحدتهم لساعات مع ضوضاء المحركات الجنونية.
تٌمثل الطائرة تحدي جارف لمحدودية البشر، الطيار مثل إله يُطل على العالم من علً، يمتلك إرادة القتل بضغطة زر، لكن البقاء لساعات وحيدًا وسط ضوضاء عرشه يُثير الجنون. لابد أن يُرد إلى غرفة صامتة، زنزانة يستعيد فيها بشريته، يسمع دقات قلبه، و ألم جهازه العصبي، ويتوق مُجددًا إلى صُحبة إنسان آخر على الأرض، بدلًا من صُحبة القذائف.
لم تكن الغُرفة مُعدة لمطاولة طموح البشر في الاستماع للصمت العظيم، إنما لردهم من جديد من السماء إلى بشريتهم على الأرض، من قتل امريء بزر من علً، لوصال أحدهم بحنان، بعدما نجح الطيار أخيرًا في الاستماع لدقات قلبه الهلوعة من لعب دور الإله
قبل أن يُقدم فان جوخ حياته كي يذهب إلى الربيع، قدم أذنه فداءًا للحُب، يروي مؤرخون أنه قطع أذنه وقدمها عربون حُب إلى غانية في حانة، بينما آخرون يؤكدوا أنه قطعها بعد مشادة جنونية مع صديقه المُقرب «بول جوجان» عندما ظن أن صداقتهما وصلت لمُنتهاها. وأن بول سيُغادره.هل كان فان جوخ ليذهب بكليته للربيع، لو تقبل مُحب بعضًا منه؟
في فيلمFRANCES HAتبدو فرانسيس شخصية عالقة، لا تمتلك طموحًا كافيًا لمغادرة مركز عالمها وهو صداقتها مع رفيقة سكنها صوفي، لا تسعى فرانسيس إلى مُطاولة أي كمال، أو مُداعبة أي حافة، بجوع أو طموح، تتبدى وسط أصدقائها مثل حالة بشرية غير مُكتملة، إمكانية لم تُختبر أبدًا، لذلك تقول:

أشعر بالحرج الشديد، كأنني لست شخصًا حقيقيًا بعد
لقطة من فيلم Frances Ha-2012
لقطة من فيلم Frances Ha-2012
تبدو فرانسيس عالقة في محدودية لا تُريد مُجاوزتها، نجم مُنطفيء بهت بريقه قبل أن تبدأ حكايته، تظل كذلك حتى يسألها أحدهم عن الحُب، عندها تلمع عينيها وتقول:

أريد فقط تلك اللحظة، عندما تُحب أحدهم، ويعلم بذلك، ويُحبك، وأنت تعلم بذلك، لكن كليكما في حفلة صاخبة، كل منكما يُحادث شخصًا آخر، يبتلعكما الزحام، حتى تأتي لحظة بعينها، وينظر كليكما إلى الآخر خلسة وسط الزحام، ليست نظرة تملك أو اشتهاء، نظرة متواضعة حنون تُدرك معها أن هذا هو الشخص الذي ستظفر به من العالم

تصف فرانسيس تلك اللحظة بالطرافة الشعرية، لكنها طرافة مُغلفة بالحُزن، لأن تلك اللحظة ستنتهي، و العالم برُمته سينتهي يومًا، لن يبلغ أحدكما كمالًا ما، لكن سيتبقى فقط، هي ذكرى هذا العالم السري بينكما، الذي لن يلحظه أحد في حفل الوجود الصاخب، سواكما.عالم حدوده تلك النظرات المُختلسة التي تُطمئن كليكما أنه على محدوديته وعواره، لديه شخص في العالم يراه مركزًا، يطوف حوله. ويطلب وصاله.
لقطة من فيلم Frances Ha-2012
لقطة من فيلم Frances Ha-2012
لا تحتاج فرانسيس، لحظة يكف فيها الحفل عن الصخب، لا تحتاج بلوغ الصمت المُقدس العظيم الخالي من الأصوات كافة مثل «كيدج»، لا تحتاج كذلك أن تقبض بيدها على غُبار النجوم مثل «جوخ» كي ترسم مشهدًا مثاليًا لا يزول. تحتاج فقط إلى اختبار تلك اللحظة. التي لو حدثت، سترحل عن العالم راضية كمن اختبر منتهى كل شيء، وكماله.
الحفل صاخب، والمشهد عابر، وحتى الفيلم الذي يُجسد حكاية فرانسيس ألوانه بالأبيض والأسود، لن يستطيع فان جوخ أن يرسم لفرانسيس نهاية نابضة بالألوان.
يعترف الحُب بمحدودية البشر عن بلوغ الكمالات، ويرتضي لهم فقط بذلك العالم السري الفاني الذي يولد بين روحين، يصير أحدهما مركز الآخر، مثل مرساة يزهدان معها غواية الإبحار وبلوغ حدود الاشياء، و اختبار كمال ثمنه بشريتنا ذاتها.
لا تصل فرانسيس إلى قمة بعينها في حكايتها، لكننا نتواضع أخيرًا ونتوقف عن النظر إليها باعتبارها إخفاق إنساني، أو حُطام شخص لم يختبر مُمكناته
ننظر إليها مثل مخلوق فاني لكنه يمتلك حكمة فريدة، حكمة انتظار الشخص المُناسب كي نصنع معه عالمًا ينجو من حفلة صاخبة، ومن اشتهاء الصمت العظيم، عالم مادته فانية، ليست خالدة مثل غُبار النجوم. لكنه عالم يكفي أصحابه. و اختباره ولو مرة واحدة، هو أقرب ما يُمكننا أن نٌشبهه - في حياتنا الفانية - بالابدية