شاهدت بالأمس فيلم «موعد على العشاء»، ومثل كل مرة، تنتابني قشعريرة حزينة، عندما تعترف نوال لعزت أنها مازالت أسيرته، ومازالت تخافه، إنها بتعبيرها«ولا حاجة»
ثم تختتم مُرثيتها لذاتها ولحكايتها أمام وليمة سامة، بلحظة تمرد أخيرة، تعرف أنها قُربانها، لكنها تعرف أنها ستُحررها كذلك ولو في حياة أخرى:

لا أنا ولا أنت نستحق نعيش يا عزت.
مشهد من فيلم "موعد على العشاء-1981"
مشهد من فيلم "موعد على العشاء-1981"
تمنيت كثيرًا نهاية أخرى لنوال، أو سطر آخر لمُرثيتها، لا يضعها في مرتبة واحدة مع جلادها.
تفتنني فكرة أن الأفلام لن تتغير أبدًا، مازال الحريف يركض في شوارع مدينته التي لا ترحم حتى الآن، مازالت نوال و عزت جالسين حتى الآن أمام الطعام السام الذي لم يفقد حتى شيئًا من سخونته.
مازالت ثيلما و لويز في تحفة ريدلي سكوت التي تحمل الإسم ذاته، ينظران لبعضهما بنشوة أخيرة، تتعانق أياديهما ويقفزان بالسيارة فوق الجراند كانيون، وينتهي الفيلم بينما السيارة تُعانق السماء في تمرد أخير، لن نرى التحطُم أبدًا. ستظل ثيلما ولويز إلى الأبد، وفي عيون كل متفرج تالً، عالقتان في السماء مثل ملائكة تُطاول السماء، أو شياطين مطرودين من الفردوس.
مشهد من فيلم "Thelma & Louise-1991"
مشهد من فيلم "Thelma & Louise-1991"
يُخبرنا نيتشة عن فكرة العود الأبدي، تخيل أن حكايتك وحياتك مُستعادة بتكرار لانهائي، كما هي دون تغيير، لا يُمكنك تعديل شيء، ولا الحضور لحياتك الجديدة بذاكرة حياتك السابقة، عليك فقط أن تعيش ما عشته، مرة أخرى
تبدو لي كل الأفلام، مُنتجات نيتشوية، حكايات نُشاهدها في عود أبدي، لا يُمكن تغييرها، ولا التدخل فيها.
يُخيل لي أنني امتهنت النقد تحديدًا، كي أراوغ تلك الفكرة، بالحديث عن كل المُمكنات الأخرى التي كان يُمكن للحكاية أن تسلكها، رغم أن ما عُرض على الشاشة هو أبدي، وما نتمنى تغييره في الحكاية، لا سُكنى له، إلا لو صنعنا فيلمًا جديدًا تمامًا
لا تتغير الأفلام أبدًا، لكن ربما سحرها لا يبلى أو يزول بالتكرار، لأننا نحن من نتغير.
عندما شاهدت الحريف لأول مرة، كنت صبيًا فتنتني فكرة أن بطل من زمن آخر، يجري في ذات الشوارع التي أسير فيها يوميًا في وسط المدينة. بطلي يطوي مدينة خيالية في حكاية سينمائية، و أنا أطوي الشوارع ذاتها، وربما أجد حكايتي وضالتي عند مُنعطف هناك
مشهد من فيلم "الحريف-1983"
مشهد من فيلم "الحريف-1983"
عندما شاهدت الحريف بعد خريف يناير، في مدينة كل أبنيتها تفوح برائحة طلاء حديث، ومُبعثر، يطمس صورة الرسوم الأولى وشعاراتها، وكل التاريخ الذي كُتب بجرأة عفوية، لم تفكر يومًا أنها قد تزول ويعلوها طلاء جديد،

بدت المدينة في الفيلم أكثر وحشية مما هي عليه، قادرة على ابتلاع كل شيء، وبدا ركض فارس بطيء ، سيزيفي، كما يليق بفارس مهزوم، جروحه تنزف أسرع من ركض قدميه
عندما شاهدت الحريف بعد وفاة أمي، رأيت رجل يتقزم حضوره مثل طفل، تعلوه لافتات المدينة العملاقة، طفل يُخبر فتاة من مخلوقات الليل بعفوية مكسورة:أمي ماتت.
يُخبر كل من يقابله، كي يستبقي اللحظة حية، كأنه لو تقبل موت أمه، سيكون عليه تقبل أنها لن تعود أبدًا، كأن تلاوة الخبر مرارًا، يجعله رهين حاضره، أما الصمت يعني أنه وصل أخيرًا لضفة مستقبل يخلو من أمه للأبد.
لم يستوقفني هذا المشهد أبدًا، إلا عندما ماتت أمي، ووجدت نفسي أبكي بين يدي غريب يومًا في حافلة و أخبره بالخبر ذاته.
لا تتغير الأفلام أبدًا، لكنها تستقي خلودها من فناءنا الشخصي، من كل نُسخة تموت فينا كي تفسح الطريق لأخرى كي تحيا وترى ذات الحكاية بعيون جديدة.
لا أعلم كيف سيبدو الحريف و أنا في الأربعين ( إن وصلت بمُعجزة لهذا السن ) لكنني أوقن أنني سأرى فيلمًا جديدًا، وربما سأرى حكاية نوال في «موعد على العشاء» بمُصالحة أكبر مع قدرها وما اختارته، وربما سأصدق أن قفزة ثيلما ولويز أكثر جمالًا وصدقًا رغم الهلاك المحتوم من الإستسلام لسُلطة لا ترى فيهن غير، نسوة لا يليق بهن سوى الصمت
أعلم أنني تغيرت حقًا عندما تُصادفني لحظات بعينهاعندما أقابل مُحب أو صديق لم أره منذ زمن، يُظهر لي نسختي القديمة التي حفظتها في قلبه، ويُقارنها بما صرت عليه، أو عندما أجد شعرة بيضاء في شعري الأسود، مثل قمر يتمرد على الليل
وأخيرًا عندما أرى فيلمًا شاهدته ألف مرة، ويتجلى لي سحرًا لم أراه من قبل. كان السحر موجودًا منذ البداية، كامنًا كما هو في الألف مشاهدة السابقة، لكنني كنت أنا المحجوب عنه بنسخة أقل حكمة مما صرت إليه
قلت لصديق يومًا أن الأفلام مُعجزات تحدث مرة واحدة، ولكن مُعجزتها الأعظم أن جمالها لا يُقدم نفسه أبدًا مرة واحدة، إنما تكشف الأفلام مكنونها وأسرارها، بقدر ما تتسع بصيرة الناظر لها.
يُنهي سكورسيزي فيلمهRaging Bullباقتباس من إنجيل يوحنا، يقول فيه الرجل الذي عاد إليه بصره بمُعجزة المسيح، عندما حوصر بالأسئلة عن حقيقته وخطاياه:

لَسْتُ أَعْلَمُ. إِنَّمَا أَعْلَمُ شَيْئًا وَاحِدًا: أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ

لا يُراهن سكورسيزي على تلك الآية فقط كي يُفسر مرثية بطله «جاك لاموتا»، إنما يُراهن على تلك اللحظة المُقدسة، عندما نُقابل مُعجزة، ربما تبدو في صورة رجل عابر، أو فيلم، أو حكاية أو شيء رأيناه مرارًا حتى اعتادت أبصارنا مألوفيته، ولكن في لحظة بعينها، نٌبصر في مرآة المعجزة أننا نحن من تغيرنا، ، لا نعلم إلام تغيرنا، نقول فقط مثل هذا الرجل:

لَسْتُ أَعْلَمُ. إِنَّمَا أَعْلَمُ شَيْئًا وَاحِدًا: أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ