يؤسس (داود عبد السيد) بداية القصة بموت الوالدين، لا يجعل ذلك حدثًا حزينًا ، لكنه يجعله ميلاد جديد للبطل يحيى ، الذي كانت حياته كلها مؤممة ومُستلبة لصالح سُلطة الأسرة ، التي حددت له كينونته كطبيب ،يقول له أخيه وهو يهم بتركه في الفيلا وحيدًا
- الفيلا بقت كبيرة آوي عليك -العالم هنا بقى صُغير عليا
بزوال السلطة الأبوية يصير العالم براحًا كاملًا بمُمكناته أمام يحيى ليختبر حدود كينونته وما يُمكن أن يكونه، لذا تصير حدود الفيلا القديمة صغيرة جدًا أمام نداء المغامرة ليجد يحيى نفسه
. تلك المغامرة بأكملها حول الحدود والحُرية ، عاهة يحيى الأساسية هي التهتهة ، هو يُجيد الكلام مع نفسه بدونها ، لكن بمجرد حضور الآخرين و ما يمثلوه من سُلطة تحكم على أفعاله و تؤطره يفقد السيطرة على كلامه ، تأتي التهتهة لتُعبر عن ذات تتفكك في حضرة الآخر ، أيًا كان هذا الآخر.
هذه العاهة المُرتبطة دومًا والمُنبأة دومًا عن حضور الآخرين ترسم شخصية يحيى كشخص لا يجب عليه أن يجد تعريف لكينونته وحسب ، تعريف جديد لم ترسمه أي سلطة له أو تُجبره عليه ، لكن عليه أن يمنح تلك الكينونة صوتًا ، عليه أن يُدافع عنها أمام السُلطة التي يُمثلها الآخرين ، سُلطة الأب ، المجتمع ، الأعراف ، كينونة مُرتجفة لكن عليها أن تُكمل سرديتها أمام نماذج سلطوية يغتصبوا حتى جملته بالسخرية منها ومٌصادرتها قبل أن يُكملها .
التعريفات السلطوية هي التعريفات التي إستقر عليها المُجتمع لتمنحه أمانًا في فهم نفسه والعالم بتقسيم كل شيء لفئات وأحكام، فالمهنة المرموقة في مصر و أكبر سُلطة معرفية هي الطبيب ، لذا إختارت الأسرة ليحيى أن يكون طبيب رُغمًا عنه ، الزوجة هي من ترتبط بزوجها بعقد قران رسمي ، حتى لو كانت زوجة ثانية أو جارية جنس أو مُحظية سرية لرجل فاضل في العلن و مُتحرر من قيوده في السر ، ترى البطلة « نورا » نفسها عاهرة رغم أنها حسب تعريفات السُلطة المُجتمعية هي زوجة لا أكثر ، يرى البطل الثالث « قابيل » نفسه حارس ملهى ليلي ، مهنة تعريفها الأساسي هو بث الرعب في قلوب الآخرين بالنظرة، يساعده على ذلك بنيته القوية و إسمه ، إسم أول قاتل في تاريخ الخليقة ، لكنه رغم إدمانه الخمر و تخبطه في الحياة ، لايجمع شتات كينونته إلا قاعدة واحدة ، ألا يُفلت عقال غضبه كما فعل في الماضي ويضرب امريء قط ، قاعدة تُخالف كل تعريفات مهنته قاعدة تجعله قابيل بالإسم وهابيل بالعيش.
يُجيد داود عبد السيد تقديم كل شخوصه كشخوص مُتحدية للتعريف و عصية على التدجين في فئة تصنيف تطمأن لها السُلطة ( أي سلطة سواء معرفية أو بوليسية أو مجتمعية ) ، لا يجد يحيى صعوبة في مُصادقة عاهرة و حارس ليلي ، شخصيات هامشية يسهل أن يقابلها شخص هارب في مغامرة ليلية من أضواء النهار و المعتاد و التعاريف، ورغم أنها شخصيات مقولبة لكنها غير وفية أبدًا لقوالبها ، بل يكتنفها غموض ساحر عصي على التعريف
يؤسس داود عبد السيد لعنصر الغموض كسحر سينمائي موجود في كل ثنايا حكايته ، عنصر مُتحدي لكل قوالب السُلطة و التعريف ورمزية الغموض تتأتى في أشياء مثل رسالة تأتي في زجاجة من البحر ( رمز الحرية الذي نادى يحيى ليختار كينونة أولية له كصياد بمجرد حضوره الإسكندرية ) تلك الرسالة بلغة لا يفهمها أحد ، يؤسس داود لعالم الإنسان فيه سر ساحر عصي على التعريف ، مُرهق للسلطة لإن السلطة تطمأن بالتعريف و حبس كل امريء في قالب

تخدع نورا يحيى ليراها كعاهرة ، تجرحه أكثر ليُمطرها بأحكامه الأخلاقية ، كانت تؤمن أنها عاهرة مهما قدم لها المجتمع تعريف أخلاقي مثل زوجة ثانية لكنها تحتاج أن يخبرها أحدهم أنها كذلك، و كان يحيى يؤمن أنه يُحبها و أن سحرها الغامض فيه خلاص قلبه من الآخرين كعنصر مُخيف بسلطته ( كانت الوحيدة التي لا يتهته في حضورها كلما إقترب منها بحب) لكن عليه مُجاوزة سلطة التعريف ، سلطة التعريف التي قولبته بها أسرته وكان ضحيتها ، كان هذا إختبار نورا ليحيى أو لإيمان المرء بالحُب نفسه ، هل يمكن أن يُحبها يحيى حتى لو ظن أنها عاهرة ، لو جاوز هذا الحاجز ، فهو يُلقي نفسه خارج كل مدارات التعاريف السلطوية و الأخلاقية ، نحو الحب كسر غامض لكن تؤسس عليه القصة كاملة ، مثلما يؤسس يحيى رحلته و سهرته كل ليلة على نداء موسيقى من نافذة سحرية لا يرى أبدًا العازف خلفها
يُلقي داود عبد السيد بالغموض في تحدي سينمائي يُدافع عن الإنسان كجزيرة ساحرة يعجز مستكشفيها بسلطويتهم على ترويضها فيحبسوها في تعاريف ويعاقبوا من يخالف تلك التعاريف، في الحبكة الثانوية يواجه « قابيل » إختبار وجودي في ورم برأسه و الضرر الجانبي الوحيد لإستئصاله أن يفقد ذاكرته ، يفقد كينونته ، قابيل هو المُعادل العكسي ليحيى ، يحيى وجد ذاته بفقد ذاكرته القديمة و بموت القيومين على حياته الأولى و هي الأسرة خاصته ، أما قابيل بفقدان حياته القديمة سيفقد وعده القديم لنفسه أن يظل مٌسالمًا ، سيجرب القتل من جديد ، سيطلق العنان لنسخة يخافها من نفسه، هذا الوعد النبيل هو ما يجمع شتات نفسه ، لكن يُقدم داود عبد السيد الحل في صورة الحب مرة أخرى ، عندما يسرد قابيل كل تفاصيل حياته ، كل من مر بهم في رحلته ، أسراره و ظلاله و نوره لحبيبته ، لتحفظها له و تسطرها عليه فيما بعد لو أفقدته العملية ذاكرته
بالحُب يجد يحيى نفسه عندما يُحب امرأة كما هي ، بدون أن يغير فيها شيء ، يٌحبها رغم ما هي عليه أو لما هي عليه ، المٌثير أن ذلك هو سفر خروج يحيى من عجزه الأبدي ، يحيى لم يتقبله أحد كما هو، لم يتركه أحد يُظهر كينونته أو حتى يُكمل جملته ، لذا لم تكن له كينونة أبدًا يمكن أن يراها في عيون تٌحبه وتقبله ، لكن بقبوله حبيبته يؤمن يحيى أن العوار في العالم وليس فيه، فلو فعلها ، فالأمر ممكن ، يُمكن أن يتقبله العالم كما هو دون أن يحتاج لقولبة نفسه و تعاريفه لصالح العالم ،

تظهر رمزية تلك الكينونة الجديدة المؤسسة على الحب في رفض يحيى بيع منزله لمالك ثري ، يُمثل المنزل جزء من الغموض الشعري الذي يدافع عنه داود عبد السيد في كل شخوصه و أعماله ، يمثل ذكريات يعجز حتى يحيى عن إنهاء سرد كلمتها للمالك الثري الذي لا يفهمه ، يظهر ذلك باعتباره فعل التمرد الأول لكينونة مُتماسكة قوامها الحب ولا تهاب الآخر الذي لا يقبلها ولا تهاب التعاريف لإنها مقبولة في سردية مُحب فالحب هنا قبول يجعل التعاريف والسلطويات بلا قيمة ، يجعل حتى ذاكرة المرء و تعاريفه القديمة ليست قيود مادام هو محفوظ بعناية في سجية مُحب يمكن عبره أن يهتدي لنفسه لو فقد كل شيء مثل قابيل وبيسة.
«الغواية دايما كذابة غامضة مش مضمونة بس لذيذة ، الاختيار هو طريقة حياة و مكان حياة لان باختياري فقدت الزمن الجميل و الحياة البريئة، لازم اعيش مغامرة الغواية ودي مكانها مش هنا»
تقول كارلا تلك الجملة لحبيبتها المثلية ، لتؤسس بها منطق شخوص الحكاية كاملة ، كشخصيات هاربة نحو الغموض بحثًا عن أصالة لم تجدها في التعريفات التي منحها لها المجتمع، و عليهم دفع ثمن ذلك ، في مشهد يصرخ يحيى في البحر الهائج أنه لبى نداؤه و غامر و منحه البحر ، لكنه الآن جائع والبحر يبخل عليه بالزاد و يمنحه العاصفة ، تلك فوضى و ظلم أين القانون ؟ لازال يحيى لا يُدرك أن المغامرة الإنسانية قرينة الغموض والفوضى ، لا يُمكن تأسيس قاعدة فيها إلا على الحُب كعاطفة يُمكنها وحدها مُجاوزة رعب الشرط الإنساني و القواعد التي تخلقها سلطات مٌفترضة لجعل عيش هذا الشرط أكثر أمانًا لها و أكثر صعوبة على الغير مٌنتمين.
يرسم داود شخصياته ككينونات شعرية هاربة بأصالتها من شُرطة التعاريف والقوالب ، كينونات مؤسسة على غموض مُقلق ، يذكرني السرد هنا بملحمة الحرافيش لمحفوظ حيث مجتمع بدائي مؤسس على سلطة القوة و الأعراف يحوي في طياته باب غامض تُرسل عبره الترانيم التي لا يفهمها أحد ،عبر هذا الباب سيسمع كل فتوة رسالة غامضة و يٌسبغ عليها المعنى ويغير دفة القصة كاملة ، الغموض المؤسس عليه العالم يدفع البشر إما للتمسك باستبداد التعاريف أو خوض مغامرة إنسانية في خلق المعنى لحيواتنا ، و أن نتحمل مسئولية هذا المعنى ، و تلك المغامرة مزعجة لكل سلطة التعاريف لإنها تردنا للنقطة صفر ، نحن أمام غموض العالم لا نملك إلا يد من نحب و رحلة ضبابية علينا خوضها
في الفيلم مجاز الحياة هو
رسالة بلغة لا يفهمها أحد تأتي من البحر لصياد مٌنهك
موسيقى عذبة تتسرب من نافذة سيدة مجهولة
عناصر حبكة غامضة تكفي ليُلبي رجل و امرأة ندائها وينسلخا من كل التعريفات السهلة لقصة حب مُستحيلة ، تحافظ على سحر ما يعنيه أن يكون الإنسان ، سحر غير مقولب
يؤسس داود عبد السيد المشهد الأخير بطرد المالك الثري ليحيى و نورا بدعوى الزنا ، بدعوى أخلاقية ، مجتمع سلطته تطرد بعنف كل شخوص داود عبد السيد ، لإنها شخوص ليست قلقة وحسب إنما مُقلقة ، لا تناسب أي قالب ، ولا تخضع لأي تعريف
يهرب داود عبد السيد بشخوصه كالعادة لكادر أكثر سعة ، كادر لشخصين ، لم يعرف يحيى أبدًا ما تعنيه رسالة البحر ، لم يعرف يحيى أبدًا وجهته التالية ، هل سيظل صياد ؟ ، هل سينقذ بيته ؟ ، أمامنا بطل لا يعرف سوى
أنه تحرر من كل تعريف وضعه له الآخرون
أن الحُب يُمكن أن ينقذ المرء من سلطة التعاريف
أن كل شيء غواية غامضة لابد أن يلبي المرء ندائها ليجد نفسه على أرضية أكثر صدقًا ولا أحد أو تعريف أو سلطة ستنوب عنه في ذلك
يقسم الفيلم بشعرية العالم لأشخاص مُطيعين للتعريف و لما قولبتهم عليه السُلطة ، ينالوا الأمان و القبول و يخسروا كل نداءات الأصالة المُغلفة بالغموض ، و آخرون ربما لا يُمكنهم تتمة جملة واحدة دون قلق ، لا يناسبوا أي قالب ، ولن ينالوا في كل مشهد إلا اللعنات ، لكنهم هاربين من ضيق التعاريف و العجز ، لبراح ، غامض لكنه مُشبع بوعود الحرية



التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.