في طفولته أيقن بيكاسو وأبيه «دون خوسيه» الذي يُعلمه الرسم شيئًا واحدًا، أن الابن أعظم موهبة بكثير وأنه لا يستحق خلافة أبيه وحسب إنما سيخلق عرشًا للفن لن يجلس عليه خليفة بعده.

المُثير أن الفترة التي قارب فيها الأب على الموت بينما تزداد موهبة الابن بزوغًا، اختار بيكاسو أن يرسم أبيه في بورتريهات مُكررة بصورة مُعينة، رجل تنسحب منه الحياة، تبرز عظام وجنتيه، ينظر في أسى إلى أفق يبشره بزواله القريب.

لم يُنقذ بيكاسو والده بالرسم، لم يمنحه إشراقًا يعوض مرضه وذبوله، كأن التأكيد على زوال ظل الأب وذبوله هو تبشير بقدوم الابن، كان موت الأب قربان لظهور بيكاسو المُستقل، الذي لا يعتمد على تعاليم أبيه أو سيرته

يقول بيكاسو عن أبيه:-

{ كل مرة أرسم فيها رجلًا أتخيل دون خوسيه، كل الرجال الذين أرسمهم لديهم سماته بشكل أو بآخر }

يبدو التصريح تكريمًا للأب، لكن يجب أن نتذكر أن كل الرجال في حياة بيكاسو كانوا مُنافسيه أو أعدائه، وكانت صيغة وصالهم هي الإنتصار التام بزوالهم، كما حول بيكاسو أبيه إلى مجاز فني يسحب منه الحياة ليُعلن ميلاده

يمتلك «بيتهوفن» علاقة مُشابهة مع الأب الذي لم يعلمه الموسيقى وحسب إنما حول طفولته إلى جحيم، منذ أن أيقن أن الابن يفوقه موهبة، سيخضع بيتهوفن طوال صباه لوالده، لكن اللحظة التي سيحقق فيها مجده لن يعود فيها إلى بون أبدًا، لن يمنح والده مشهدية أخيرة يرى فيها تحققه في إبنه، سيموت الأب وحيدًا، بينما يُزهر الابن على أطلاله.

بورتريه لدون خوسيه بريشة بيكاسو 1900
بورتريه لدون خوسيه بريشة بيكاسو 1900

يقول فرويد أن البلوغ يحتاج في لحظة بعينها إلى قتل الأب، إما بشكل ميثولوجي أو مجازي، بينما يُلطف يونج الصيغة قائلًا أن كل أب يموت في نظر ابنه في اللحظة التي تُجاوز فيها معارف الابن أبيه، اللحظة التي يوقن فيها الابن أن الأب لم يعد لديه شيئًا جديدًا ليُلقنه إياه. لو لم يموت الأب يظل الابن رهينته الأبدية

يُجسد كافكا هذا المعنى، عندما كتب في صباه خطابًا من 100 صفحة يحاول أن يصف فيه لأبيه كيف أن ظله يثقله بتوقعات لن يوفيها أبدًا؟، يقول له:

أنا ضعيف، واهي، نحيل، أنت الأقوى، الأكثر حضورًا، حتى لو حصر وجودي مُكعب سأظل بداخله بائس تافه، ليس في نظرك وحسب أبي، إنما في نظر بقية العالم، لأنك المقياس الأوحد لكل الأشياء، وأنت لم ترض أبدًا

كانت موهبة كافكا تُعادل موهبة بيكاسو في الرسم وبيتهوفن في الموسيقى لكنه لم يمتلك الشجاعة أبدًا لقتل أبيه ولو بالمجاز، وحتى مُحاكمة أبيه في روايته الشهيرة "المحاكمة"، لم تنتهي لإدانة كاملة يُمكن أن يُزهر معها،

في أدب كافكا، كل أبطاله يتوهوا للأبد في متاهات بيروقراطية تشبه الدفتر الذي سجل فيه بتفاني بيروقراطي ملاحظاته لأبيه، متاهات لعالم سُلطته لا تعلن عن رضاها أبدًا وتمنح لبطلها خلاصه. مثلما لم يمنحه الأب رضاه. لذلك سيموت كافكا وهو موقنًا أنه بائس وتافه، لا ترقى كتاباته إلى شيء وسيوصي ماكس برود بحرقها جميعًا، ولولا إيمان صديقه بموهبته لما ظهر كافكا للعلن أبدًا.

خربشات حبر بدفتر كتابة كافكا عن رجل يبحث عن مخرج ولا يجده
خربشات حبر بدفتر كتابة كافكا عن رجل يبحث عن مخرج ولا يجده

في مسلسل succession توجد لحظة مفصلية يوافق فيها الابن كيندل على التضحية بنفسه لأجل أبيه، يُؤطر الأب المشهد في صورة ميثولوجية عندما يروي له عن أسطورة تخص الانكا يضحي فيها الحاكم بالابن ليتجاوز أوقات الجفاف والعُسرة.

يوافق كيندل أملًا في رضا أبيه ثم يسأله:-

هل كان الأحق بالخلافة في ظروف مُختلفة؟

كان كيندل يُريد اعترافًا أخيرًا بأنه الأحق بعرش أبيه من اخوته، لكن يُخبره الأب ببساطة بالنفي ويبرر ذلك بعبارة واحدة:-أنت لست قاتلًا.

لا تعدو مسيرة كيندل أن تكون حسب وصف أخته شيفون، محاولة للتوفيق بين عبادة أبيه ورغبته في قتله.

لم ينجح أيًا من أبناء «لوغان روي» في قتل الأب بكل صور المجاز والتحقق، لذلك أخبرهم الأب بقسوة أنه يحبهم لكنهم ليسوا حقيقيين، لأنهم لا يجرأوا على خلق أسطورتهم والخروج من ظله، والجرأة تحديدًا تتعلق بالثمن الواجب دفعه وهو قتل الأب. لذلك عندما يموت الأب في الحقيقة لا يتحرر الأبناء إنما تُغلق للأبد النافذة التي كان يُمكن عبرها أن يتجاوزوه

بموت الأب تتأكد سلطته، يصير شبحًا لا يحده الزمان أو المكان أو السن، يصير قوة أسطورية تُطارد الأبناء للأبد، شبح يُمكنه أن يُفلت من محاكمة كافكاوية، ويحيا دون زوال، لأنه مات منتصرًا وكتب السطر الأخير

تحضر تنويعات كثيرة عن موسيقى بيتهوفن في المسلسل لتُؤطر بشكل جمالي مواهب للأبناء كان يُمكن أن يطاولوها لو نجحوا في الفرار من شبح الأب أو قتله، مثلما نجح بيتهوفن في قتل أبيه. ولكن تظل الموسيقى خافتة وحذرة لأن انتصار بيتهوفن كان مدويًا رغم صممه إنما الأبناء لم يجرأوا على لعب نغماتهم الخاصة.

يبدو succession مثل قصة كافكاوية تبحث عن بطولة لن تحدث أبدًا، يمنحنا كافكا في أدبه السخرية والمفارقة والروع، لكنه لا يعبد مخرجًا أو انتصارًا لأبطاله أبدًا، لأنه لم يجد واحدًا في الحقيقة، ولم يتجاوز أبيه نحو حياة بحجم موهبته وفردانيته

مشهد من مسلسل "succession"صورة مقترحة ثامبنيل
مشهد من مسلسل "succession"صورة مقترحة ثامبنيل