يقول نيتشة، أن قوة المرء تٌقاس ب (قدر الحقيقة التي يُمكنه تحمُلها)

كلما كانت الحقيقة قاسية ومُرعبة، وكلما تحملها الإنسان دون اللجوء لوهم مُخفف أو عزاء كاذب، كلما وصل لاعماق قوته. ربما في ذلك إنعكاس لفلسفة نيتشة نفسها التي أعلن فيها أن البشر والحداثة قتلوا الإله، ونُثرت دماؤه على أيدينا، لا يٌبشر نيتشة بعالم سعيد أو متفاءل بعد موت الإله، بقاء الإنسان وحيدًا بدون آلهة يعني أن تكون القوة وحدها معيار تحقيق أي شيء، لذلك مجد نيتشة القوة لا حبًا لها إنما باعتبارها القيمة الوحيدة الباقية بموت الإله والمرجعية. و سخر حياته كلها لمُطاردة كل أطياف الوهم التي يحاول بها البشر إستبقاء طيف الإله في منظوماتهم مهما بدت علمانية أو حداثية.

أجمل شخصية درامية عبرت عن تلك المُعضلة هي «راست كول»، لا يؤمن راست بالآلهة، يقول أننا كان يُمكن أن نكون حيوانات غافلة وسعيدة، لولا خطأ في برمجتنا التطورية خلق الوعي بالذات. لذلك صنع البشر الإله والأديان و القوميات وكل الأنظمة التي يُمكن أن تمنح لحياتنا القصيرة وخطأنا التطوري معنى. بينما نحن لا نتميز بشيء عن الحيوانات، تُكرر الحيوانات حكاية واحدة من الميلاد والموت، ونحن نُكرر نفس الحكاية، الميلاد و محاولات الفرار من العبثية في معنى ثم الموت.

يقول نيتشة أننا نحيا عودًا أبديًا، أو أن كل إنسان لابد أن يسأل نفسه، لو تكررت حياته ألف مرة هل سيرغب في عيشها؟ لو كانت حياة جيدة سيحيا الجمال ألف مرة ولو كانت حياة سيئة سيحيا الجحيم مضاعفًا للألف. يُدرك راست بعد أن فقد طفلته أنه ينتمي للنوع الثاني، سيحيا جحيمه ألف مرة.

يقول راست أنه يحيا هذا التكرار بمزيج من الألم والملل، لا يملك الشجاعة لقتل نفسه، لذلك يحاول أن يبقى كشاهد ملول على مسرحية يعلم نهايتها كل مرة.

يملك راست رغم عدميته، ذلك النُبل الذي عبر عنه نيتشة في عبارة القوة، أنه رجل يعلم الحقيقة المؤسفة لجوهر العالم، لكنه يتحملها، ويحيا وفقها، ويرفض باستماتة كل المحاولات الطفولية لخلق المعنى بالأديان ومحاولة إستعادة إله غير موجود.

لا يتجلى نُبل راست في إعتناقه لحقيقة لا أمل فيها وحسب إنما لكونه يهتم رغم ذلك، يحاول إصطياد المجرمين ضمن مؤسسة شرطية كسولة و مجتمعات دينية منغلقة تخاف سمعتها أضعاف ما تخاف وجود ضحية ومغتصب بين أفراد رعيتها.

يؤكد راست رغم إهتمامه ونزاهته الحاضرة في أفعاله، الغائبة في قشرة العدمية اللامبالية التي تكسو كل عباراته، أنه ليس رجلًا فاضلًا أو أخلاقيًا، بل رجلًا سيئًا، والعالم يحتاج الرجال السيئين ليقبضوا على الرجال السيئين الآخرين، في إستحضار فني لقيمة القوة لدى نيتشة، في غياب الألوهة والمرجعية، الأمر برمته حلبة فيها قوي وأقوى، لذلك يُعرف راست نفسه بنيتشوية أنه رجل سييء يوظف قوته وشره للإمساك برجال أكثر سوءًا منه.

يحمل راست كذلك المعنى الذي إلتقطه كثير من المفكرين في فكر نيتشة، المعنى الخفي وراء شعريته وغضبه وخيبة أمله، الذي يُعبر عنه بيجوفيتش أن العدمية ليست إحتفاء بغياب المعنى والألوهة، إنما إحتجاج على غيابها. بداخل راست حنين لإبنته، ومُساءلة بلا صوت للشر الذي إختطفها منه وعجل بموتها.

قوة شخصية راست هي الحقيقة التي يؤمن بها ويحملها على عاتقه مثل صليب ثقيل، لا معنى لهذا العالم، وكلنا فقط آلات أعطبها فرط الوعي بالذات، والعالم لا ينتهي إنما مُستعاد في دورات من غياب المعنى ومحاولات خلقه ورغم كل ما سبق، سيُحاول راست في كل دورة من دورات حياته إمتلاك القوة الكافية لإيقاف السيئين. ربما لثقل الحقيقة الفلسفية وتناقضها مع المسلك النبيل الذي إختاره راست رغم ذلك للعيش، يحتفظ في غرفته بصليب مسيحي رغم أنه لا يؤمن، ربما للتشابه الجمالي بينه وبين المسيح، رجل يحمل حقيقة قاسية على عاتقه، ويوقن أنه سوف يُضحي بنفسه لأجل دورة عبثية من العيش، لكنه يختار أن يكون نبيلًا رغم ذلك. وهو ما تقوله شخصية ميج :«يُمكنك أن تقول عن راست أي شيء، غريب، معتوه، مُخيف، كئيب، لكنه يمتلك نزاهة، لم يمتلكها رجلًا سواه»

مشهد من مسلسل "True Detective"
مشهد من مسلسل "True Detective"

تُخبر كثير من الأدبيات عن مشهد تراجيدي في ميدان تورينو، فيه نيتشة رأى حوذي يُدمي حصانه بالسياط، بكى نيتشة وهو يحتضن الحيوان ثم فقد عقله. في نهاية حكاية راست، وهو يُصارع الموت بعدما حل قضيته التي شغلته لسنوات وأنقذ ضحايا جدد من مُغتصب سادي ذو سلطة، يحدث المٌستحيل في عالمه،رؤيا صوفية يرى فيها إبنته، على ضفة أخرى حية وسعيدة. لا نٌدرك في النهاية هل تلك الرؤيا كفيلة لجعل راست يؤمن أم لا؟ لكنها تبعًا لفلسفة نيتشة كفيلة بجعل العود الأبدي أقل وطأة، ربما لو عاش جحيمه ألف مرة، سيحيا ألف مرة لمحة من جمال، فيها ربما، لهذا العالم معنى، وربما رغم كل ما سبق، وكل ما آمن به، هو ليس رجل سييء، إنما رجل مسكين يتوق لصوت إله غائب مُحتجب.

صورة تصلح ثامبنيل
صورة تصلح ثامبنيل