يحضر «راست كول» طوال الحكاية باعتباره مُلحد عتيد، مٌنتقد شرس للألوهة كحيلة سايكوباتية، عصا وجزرة تصنع قرارات البشر الأخلاقية، إما طمعًا في جائزة أو خوفًا من وعيد.

في نهاية الحكاية وهو يحتضر، تنفتح كوة على عالم آخر، عالم لا يُشبه العالم المادي الذي آمن «كول» طوال حياته أنه لا يوجد ما يُجاوزه، ومن هذا العالم أطلت إبنته المتوفاة وهي تبتسم.

فيما بعد وهو يبكي بين يدي صديقه، لا يُدرك «راست كول» هل ما شاهده وهو يحتضر، حقيقة، أم حلم أم هلاوس؟ هل يوجد إله تجلى له لإنقاذه؟ أم كانت أحلام رجل يواجه نفق العدم المُظلم؟

يؤمن «كارل يونج»أن المرء يُمكن أن يتعرض لتجربة دينية حتى لو لم يكن مؤمنًا، وتقريبًا لا أحد لم يمر في حياته بتجربة دينية، لأن اللاوعي الجمعي يحفظ فكرة الألوهة، وحاجة البشر عند فقدان الحول والقوة للإستسلام لقوة أكبر منهم. و حسب عبارة يونج الشهيرة:
اللاوعي الخاص بكل فرد يسبح على سطح مُحيط عملاق هو اللاوعي الجمعي
بلغ من إيمان يونج بتلك الفكرة، أن نقش على منزله عبارة:
سواء دعوت الله أو لم تدعه ستجده أمامك
طوال الحكاية آمن « راست كول» بتفسير فرويد للأحلام، أنها تنفيس للمكبوت في اللاوعي، تنفيس لمشاكل في الماضي لم تُحل أبدًا، لذلك يُخبر شريكه:
أنا لا أنام، أنا فقط أحلم
في إشارة لكونه شخصية مُمتلكة بالأساس من ماضيها ومن حدث موت ابنته. لذلك مهما حضرت إبنته في الأحلام، يؤول الأمر دومًا كماضي يُطارده ولا فكاك منه.
كانت تلك نُقطة فراق أساسية بين «فرويد» و«يونج»، آمن الأخير أن الأحلام ليست فقط إشارات من الماضي، إنما أحيانًا إرشادات من اللاوعي الجمعي، إرشادات تُحذرنا بشأن المستقبل، اللاوعي الجمعي يُشبه حافظة عملاقة تحفظ كل خبرات البشر منذ فجر التاريخ، لو حلمت بالسقوط، تبعًا لفرويد، تلك مُحاكاة لخوفك من الموت، تبعًا ليونج ذلك تحذير من قديم الأزل، من الجد الأول الذي نام فوق شجرة ليهرب من الوحوش، تحذير ليستيقظ قبل أن يسقط من الشجرة.
لا يدري «راستن كول» هل ما شاهده هو عالم روحاني ينفتح له أم لا؟ هل إبنته حية في دار أخرى وتُطمأنه أم لا؟ لكنه اعتبرها إشارة ليتحرك أخيرًا من مربع الحداد الذي عاش فيه طويلًا، ليخطو خطوة للأمام، يُخيفه الأمل في حياة جديدة، لا تتحمله أوصاله، فيبكي في حضرة صديقه ويُظهر ضعفه لأول مرة. ويقرر أن يبدأ من جديد
يقول يونج، أنه غير مهموم بإثبات الألوهة أو نفيها، ولا يؤول الأمر كمُعضلة عقلية من الأساس، فالدين بالنسبة له هو حقيقة نفسية بقدر ما تُثيره في نفس المرء، لا بقدر إمكان برهنتها رياضيًا أو منطقيًا، لذلك يقول عبارته المُحيرة:
"يتألف الدين من مجموعة من الحقائق النفسية التي لا يستطيع أن يصفها المرء بالصواب أو الخطأ"
تبعًا ليونج صدق ما يكفل نجاتك، فالتجربة الدينية ستعترض طريقك لإنها جزء من اللاوعي الجمعي، و أول صلاة قام بها إنسان مُسلمًا إرادته لإله محفورة في أذهاننا عبر أجيال ممُتدة وصولًا لنا، لذلك متى حوصرت سيظهر الرب في أحلامك، وفي بعض الأحوال، ستكون تلك الرسالة وتصديقها هو الأمل الوحيد لنجاة المرء، لأن الرب لا يظهر إلا عندما تنعدم الحلول الاخرى
يتعامل يونج مع الحقيقة الدينية بقدر ما تُثيره في النفس لا بقدر حقيقتها، يُشبه الأمر العبارة الشهيرة من الإنجيل، عندما سأل الفريسيين «لازاروس» الذي رد المسيح له بصره، هل سيؤمن بالمسيح وهو مُذنب فأجابهم:
لا أعرف هل هو مذنب أم لا، لا أعرف حقيقته، كل ما أعرفه أنني كنت أعمى والآن ابصرت.
يؤمن «يونج» أن التجربة الدينية وإشاراتها كثيرًا ما تحضر لإنقاذنا، ويعترف أن بعض مرضاه لم يُنقذهم إلا تسليم إرادتهم لإرادة أكبر منهم. لا يدري راست هل إبنته حية في دار أخرى؟ هل تنظر له بعين الرحمة؟ لكنه آمن أخيرًا أن تصديقه لذلك الظن هو ملجأه الوحيد ليحيا لليوم التالي. وبذلك تتحول شخصية سينمائية من مدرسة فرويد لمدرسة يونج عبر دراما شديدة الإبداع ونهاية جمالية وقاسية تليق بعمل فلسفي بامتياز



التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.