عندما يصف «راست كول» نفسه يقول بأريحية:-
أنا رجل سوء، لكن العالم يحتاج الرجال السيئين مثلي لاصطياد الأكثر سوءًا.
يعلم «راست» عيوبه جيدًا، يرى نفسه بشفافية أثيرية يكاد يتلاشى معها، يُدرك راست أنه روح مُدانة في أي سردية أخلاقية، تُغلفه خيبة أمله تجاه العالم، وعجزه عن الإيمان بالحب والرب بعد فقد ابنته، شجاعة ناقصة في رؤية الوجود خلوًا من أي رحمة، ينقصها فقط عجزه عن المغادرة وتردده في قتل نفسه
يُدرك أنه عالق في حالة وجودية لا راحة معها ولا خلاص منها، لإنه لو قتل نفسه سيعود في عود أبدي نيتشوي ليحيا جحيمه مرة أخرى
يجعله ذلك يمتلك غضبًا عارمًا مُضفور مع هوس لا يُخفى بتتبع كل ما هو عطن في البشر حوله، كل الأوهام التي يختبأوا خلفها، ويُمارسوا عبرها شرور لا تبلى
المُثير أن «راست» يقوم برهافة بتوجيه تلك التركيبة القاسية للذات نحو اصطياد المُجرمين، تشاؤمه الفلسفي الغاضب يجعله يتوقع الأسوأ من الطبيعة البشرية ويواجهه بلا خوف، وهوسه يجعله يُسجل التفاصيل بلا رحمة في دفتر عتيق مثل دفاتر الحساب في السرديات الدينية
لذلك عندما يُقابل مُجرم عتيد يُخبره الرجل أنه لا يرى مُحقق خير أو طيب إنما رجل يمتلك عينان ميتتان، حارقتان مثل حمض فاسد، يبتسم راست لأنه يدرك أن مساوئه كفرد هي ما تجعله مُحقق مثالي لاصطياد مجرمين أكثر سوءًا.
وأن موات روحه يقذف الروع في قلوب مُجرمين يجدوا أنفسهم في حضرة شيطان يحاصرهم لا سُلطة أخلاقية تٌسائلهم. شيطان يحمل شارة الشرطة والنظام

يُمكن تفسير حالة راست بشكل فرويدي، باعتباره يُمثل حالة فريدة من
التسامي sublimation
اكتشف فرويد تلك الحيلة النفسية، خلال قراءته رواية «رحلة هازر» لهاينريش هاينة، والتي تدور حول «يوهان ديفنباخ»، طفل سادي كان يقطع ذيول الكلاب في طفولته، كل البوادر تؤكد أنه سيصير قاتلًا، لكن ينجح دينفباخ في التسامي على تلك الميول وتوجيهها برهافة ليصير جراح ناجح يُنقذ الأرواح.
يعتبر فرويد التسامي، الحيلة النفسية الأكثر نبلًا، من حيل مثل الإنكار أو الإسقاط، في الأولى نُنكر عيوبنا من الأساس وفي الثانية نُسقطها على الآخرين، أما في التسامي نٌسلم بوجود عيوبنا، نقابلها وجهًا لوجه، ونُروضها بكوابح لصالحنا، لتصير شرورنا جزءًا من قصة نبيلة.
في قصة «راست كول»، تصفه إحدى الشخصيات أنه رجل مُعذب لا يمتلك ميزة واحدة تجعله جديرًا بالحُب، سوى النبل والنزاهة، أو بوصفها، هو أكثر من قابلتهم نزاهة رغم عيوبه
نُبل شخص لا يُعلق عيوبه على مشجب غيره، ونزاهة مُرهفة ترى شرور العالم بأكملها وتعاف أن تُضيف لركام الشرور شرًا جديدًا من صنع صاحبها.
في مُعظم مشاهد «راست» نجده يُعلق الصليب المسيحي خلف ظهره، رغم أنه لا يؤمن، يقول بغموض أنه رمز لا أكثر، يرمز الصليب في حكاية راست لرجل يحمل مُعاناته على عاتقه، ويفتدي نفسه لا بمُميزاته، إنما بعيوبه.

يُبصر «راست» نور إلهي في نهاية حكايته يغمره بالأمل، ويصير الرحمة الأولى في حكايته، لم يكن راست مؤمنًا بما يكفي، ولم يُبشر بالأمل، لكنه امتلك بابًا واحدًا لولوج الفردوس، ليكون مُستحقًا للرحمة والغفران، وهو كف أذاه عن العالم وتوجيهه لكبح أذى أكثر روعًا. وهذا للمفارقة جعله واحدًا من أكثر شخوص الدراما نُبلًا، جعله هذا رجلًا طيبًا في النهاية، رغم أنه لن يصدق ذلك أبدًا




التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.