يحمل «جريجوري هاوس» ما أسميه مُعضلة «هيمنجواي»، كان «هيمنجواي» أديبًا عبقريًا من نسل عائلة تحمل أمراض وراثية شتى من ارتفاع ضغط الدم إلى النزوع الاكتئابي. وداء ترسب الأصبغة الدموية الوراثي.
الحمض النووي لهيمنجواي يُخبره من البداية أنه سيُعاني طوال حياته من الألم في صورته الاكتئابية، وصورته الجسدية، سيترسب الحديد في دمه مُسببًا آلامًا مروعة في مفاصله وأعضاءه، ينحدر «هيمنجواي» من أسرة لها تاريخ مُخيف مع الانتحار هربًا من الألم. لكن وجد «هيمنجواي» طريقته لمراوغة الألم بالكتابة. ومراوغة أمراضه بعيش حياة رجولية شجاعة، تكاد تطارد الموت بدلًا من الفرار منه
أنقذ الأدب «هيمنجواي» طوال حياته، حتى بلغت آلامه حدًا لا يُحتمل، وأثرت أدوية الاكتئاب والعلاج بالكهرباء على قُدرته على الكتابة، بزوال وصفة النجاة الوحيدة التي امتلكها، قتل هيمنجواي نفسه مثل رجال عائلته السابقين لينجو من العيش في ألم مستمر بدون مخرج للنجاة ولو بالكتابة
يحيا «جريجوري هاوس» بألم لا يُحتمل في جسده، يُروضه دومًا بانغماسه في علم التشخيص، وحل ألغاز المرض مثل شيرلوك هولمز، يُضحي هاوس بالحُب والعلاقات بالآخرين، لإنها تجعله طبيب سييء، كلما كان أكثر لطفًا، كلما زاد وصاله وثقته بالبشر بفعل الحُب، كلما غفلت حاسته الطبية المرهفة عن كشف أكاذيب المرضى التي تؤخر دومًا تشخيصهم بشكل مثالي
آمن هاوس أن عليه دومًا أن يكون وحيد، قاسي، متشائم بذكاء متفحص، لتظل مهارته التشخيصية مُتقدة، المهارة التي تجعل ألمه مُحتملًا، لو فقد «هاوس» تلك الهبة، لو زاد الألم إنش عن قدرته على احتماله، يُدرك أنه سيقتل نفسه مثل هيمنجواي الذي عانى من حوله طوال حياته من تقلباته الاكتئابية والتي خاف دومًا من ترويضها بعلاج كامل يُفقده قدرته على الكتابة.

في واحدة من أجمل حلقات «هاوس»، يأتي له عازف الترومبيت «جون جيلز» الذي سخر حياته كلها لأجل موسيقاه، يُدرك «هاوس» أنه يواجه رجلًا مثله، رجل يحمل مُعضلة «هيمنجواي»، رجل أسير وصفة نجاة واحدة لو فقدها سيموت
تم تشخيص «جيلز» بالتصلب الضموري وانتشر شلل مُخيف تجاه حجابه الحاجز ليسلبه قدرته على نفخ الترومبيت، وقع «جيلز» أمرًا بعدم الإنعاش ليقينه أن الحياة بدون عزفه لا قيمة لها وأن مرضه لا علاج له
يُخاطر «هاوس» برخصته الطبية لإنقاذ «جيلز»، يتجاوز الأمر القانوني بعدم الإنعاش ويُنقذه رغمًا عن إرادته، يسخر كل أساليبه المُتطرفة لعلاجه، توقفه المستشفى لكونه على حافة خسارة مهنته ودخول السجن. لكن هوس «هاوس» لا يتوقف أبدًا
ينجو «جيلز» في النهاية عندما يتوصل «هاوس» لتشخيص أكثر دقة، تشوه شرياني وريدي يضغط على عمود المريض الفقري ويُسبب الشلل، تشخيص يُمكن علاجه. ويُمكن أن يعود معه «جيلز» لوصفة نجاته الوحيدة، نفخ الترومبيت
يبتسم «جيلز» مُمتنًا لهاوس الذي يحمل مُعضلة العيش ذاتها، يُدرك أن هاوس لم يخاطر بكل شيء لإنقاذ مريض لديه، إنما خاطر لإنقاذ نفسه، يدرك هاوس أن جيلز ليس إلا ظلًا لذاته. رجل وحيد بدون زوجة، رهين هوسه بمهارة واحدة تحمل تعريف العيش لديه وعندما فقدها وقع وثيقة قتل نفسه
يدرك جيلز أن نجاته كانت رهينة هوس رجل ينتمي إلى فصيلة «هيمنجواي»، يتمسك هاوس بإنقاذ الآخرين مثلما يتمسك جيلز بأمل أن ينفخ برئتيه ولو لمرة أخيرة على الترومبيت
رأى هاوس في مريضه مصيره المظلم عندما يفقد يومًا عبقريته الطبية، ولا يتبقى سوى الألم. ألم مضني دون وصفة لترويضه. أيقن أنه سيفعل الشيء نفسه، الانتحار، لذلك تمنى يومها لو وجد رجلًا مثله ليقاتل لأجله
يتخلى «هاوس» في لحظة نادرة عن طبيعته اللاذعة المُنفرة للآخرين، ينظر إلى «جيلز» الذي يٌشبهه ويفهمه، يعترف له بعين تكاد تدمع:
أنا أتألم.

لا ينتظر هاوس شفقة إنما فقط تفهم من رجل ينتمي لنفس فصيلته، يُدرك جيلز أن رجال مٌعضلة هيمنجواي، سيموتوا ما إن يزول سببهم الوحيد للعيش، سيخبو وهج أرواحهم عندما يخبو بريق هوسهم، يُخبره متفهمًا:
ألسنا جميعًا كذلك؟
تنتهي الحلقة بكادر يؤطر روحين مُعذبتين، بينما تصدح في الخلفية أغنية عازف الترومبيت الأسطوري «لويس أرمسترونج»،
what a wonderful world
والتي تتحدث عن عالم رائع، بأشجاره الخضراء، ووروده الحمراء، عالم يُمكن وصاله بكل حواس المرء، ولن يسعه حصر صور جماله، لكن لعنة البعض أنهم لا يُمكنهم وصال العالم وتحمل العيش فيه إلا بوصفة واحدة، لو فقدوها هلكوا.



التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.