في الأسطورة الإغريقية، يُخبر العراف الأعمى «تيريسياس»، الحورية «ليروبي» أن طفلها نرسيس، سوف يعيش عُمرًا مديدًا، عليه فقط ألا يتعرف على نفسه أبدًا، ألا ينظر إلى انعكاس وجهه على صفحة ماء أو كسرة زجاج.
يكبر نرسيس، ومثل كل تراجيديا إغريقية، يقع في الخطيئة الوحيدة التي حُذر منها، ينظر إلى انعكاسه على صفحة ماء، بعد لحظات تأسره الصورة، ويقع نرسيس في حُب ذاته المُنعكسة أمامه، حتى يتحول الإنعكاس إلى ذات مُنفصلة، تُغويه من أجل عناق، يفتح نرسيس ذراعيه و يهوي بقلبه في الماء من أجل الوصال، عندها غرق نرسيس إلى الأبد.
تحمل «نرجس» إسم الأسطورة، رغم أنها لا تٌشبه نرسيس في شيء. ليست جميلة، و لا تُثير ذاتها أي افتتان لديها. هي أقرب لكراهية ذاتها. لا تشبه نرجس بطل أسطورتها في شيء إلا في استسلامها المُر لغواية الإنعكاس!
لعنة نرسيس أن ذاته لم تمتلك أي فرادة تُميزها عن ظلها أو أي انعكاس لها. لم يمتلك نرسيس تعريفًا واحدًا لذاته يُمكن أن يراه في إنعكاسه فيُدرك أنه لا ينظر إلى مخلوق آخر، فقط ينظر لنفسه.
امتلك نرسيس جمالًا وصفه أوفيد بأنه أجمل ملامح نُحتت لبشر، لكنه لم يمتلك فرادة تجعله يُميز هذا الجمال إذا رآه على صفحة ماء. ولذلك هلك.
ولدت نرجس بلا أي فرادة تُميزها عن أخواتها، أخت طيبة و أخت مُتعلمة، تقف بينهما نرجس عاجزة عن امتلاك أصالة واحدة تٌطل بها على العالم، لذلك كان لابد أن تجد ذاتها في إنعكاس أو ظل. كان عليها أن تُقدم طفلًا للعالم، يحمل لها مرآة كي تتعرف ذاتها في انعكاسها.
إذا لم يمنحك القدر مرآة كي ترى فيها انعكاسك و فرادتك، عندها يصير الكون برُمته مرايا لعجزك.
تختار نرجس شريكًا هو انعكاس رجولي لمأساتها الخاصة، تتحرك نرجس بين الجميع بخزي أنثوي مُعلن، و هو رحم عاقر، بينما يجر «عوني» ساق مبتورة، خزي مُعلن لرجل خاسر قبل بدء أي مُطاردة. رجل هو الأخير في كل سباق.
في الأسطورة، تُحب الحورية «ليروبي» طفلها نرسيس حُبًا يكاد يُخفيه عن العالم، كي لا يتعرف على نفسه. ويهلك، و في الحكاية، لا يجمع عوني و نرجس شيء قدر يقينهما أن الأم لم تُحبهما أبدًا بما يكفي.
يولد الجرح الأمومي عندما تحبسنا أمهاتنا إلى الأبد في نظرة، لا نمتلك منها فرارًا، ولا يُمكننا مجاوزتها أبدًا.يشعر عوني بالسجن في نظرات أمه المُشفقة له، كأنه مازال ابن الثانية عشر، الذي فقد ساقه في مُغامرة حمقاء، ظل معها طفلًا أخرق إلى الأبد يحتاج إشراف وعناية من أخيه. وتشعر نرجس بالسجن الأبدي في نظرة أمها المُحتقرة لها، منذ طلاقها، باعتبارها فقدت تعريفها لنفسها كزوجة لأحدهم وعادت مثل ظل بلا ذات. ورقة نبتة بلا جذور.
في لحظات العناق بين «عوني» و «نرجس»، لا يتعانقا مثل عاشقان، أو أنداد، لا توجد شهوة وصال أو رغبة. إنما عناق هرمي، ينطوي أحدهما فيه تحت جناح الآخر، عناق مُرتجل، يُقدم فيه أحدهما للآخر، ما حُرم منه..... الحضن الأمومي
مشهد من مسلسل "نرجس-2026"
مشهد من مسلسل "نرجس-2026"
تبدأ قصة نرسيس بمُساومة قدرية، بين أمه و عراف، وتطبع المُساومة حياة نرجس حتى تصير مبدأ عيش.

تختار شريكًا هو انعكاسًا لها. تُقدم له حُبًا هو انعكاس للحُب المشروط الذي منحته اياها أمها، الحب مثل فخ ذنب عليك أن تسقط فيه، و تكون مدينًا للأبد. لنظرات السجان الذي يساومك على تحريرك من الفخ الذي صنعه لك.

تصطنع نرجس عجزًا جديدًا لعوني، تسجنه بداخله، و تُساومه على تحريره منه، رغم أنها سجانه.
في لقطة تُساوم نرجس رضيعها على تعويض مُستقبلي لأنها حرمته من أمه الحقيقية، وفي لقطة تُساوم الرب ذاته من أجل إنقاذ طفلها، مقابل مال تدفعه للأم الحقيقية
في لقطة المناجاة بالمسجد، يظهر إنعكاس نرجس واضحًا على الزجاج، انعكاس موحش كأن الرب تركها لوحدتها، وانسحب من المحادثة، ولم يقبل المساومة
مشهد من مسلسل "نرجس-2026"
مشهد من مسلسل "نرجس-2026"
تبدو نرجس في كل أحوالها كأنها تُناجي ذاتها، ولا تتحرك إنش أبعد من عُقدتها الشخصية، لكنها تعجز عن رؤية انعكاس تلك الذات. تصير هنا نرجس مثل نرسيس، مخلوق يعجز عن تمييز ذاته، لذلك يصير الكون برُمته امتدادًا و انعكاسًا لعجزه.
عندما ينجو طفلها تحمله نرجس و تطوف به على الجميع، أمها، طليقها، وجوه الشوارع التي لا تعرفها، تحمل نرجس فرحة من وجد فرادة يُمكنه بها تمييز ذاته عن كل انعكاس، هي أم فلان، تحمل طفلًا يمنحها المعنى، يحل لغز وجودها السابق كقطعة زائدة عن حاجة العالم. هي وُجدت لأجلها، يمنحها المعنى و تمنحه الحماية.
تلك المساومة بين نرجس وطفلها، هي ما يُكسب شخصيتها تعقيد درامي ثري في تناقضاته.يُجمل فؤاد حداد تناقض العالم في بيت رقيق يقول:

‏الجحيم يساوى قسوة بني آدم ‏والجنة فرط الحنان
تحمل نرجس التناقض ذاته، قسوتها في نزع طفلها من العالم، ثم حمايته، حد القتل لأجله تكاد تكون حيوانية. نراها في صراخها المُزيف عند ادعاءها آلام القيء و عند الولادة. صراخ يبدو على زيفه حقيقيًا، مثل لبؤة وحيدة في قطيع، تُعلن أمومتها، رغم أنها لا ترعى شبلًا. أمومة عدائية تُخيف من يقترب منها باتهام أو حتى مُساءلة.
مشهد من مسلسل "نرجس-2026"
مشهد من مسلسل "نرجس-2026"
ما يُعادل قسوة نرجس هو حنانها المُفرط، قسوة تُنتج فيض حنان، يكاد يُكفر في غزارته عن كل الخطايا التي ارتكبتها.
تصير نرجس مثل الماء، التي يُمكنها أن تروي العطش ويُمكنها أن تصرعك بفيضها لو وقفت أمام تيارها. مثلما كانت صفحة الماء صافية كي يرى فيها نرسيس انعكاسه، و شرهة كي تبتلعه بالغرق.
تتبدل ملامح نرجس ( ريهام عبد الغفور ) في أداء بديع مثلما تتبدل صفحة الماء، براءة هادئة تفيض بالحنان، ثم قسوة مُهلكة تُطل مثل موج يُدافع عن تيار. وجه يصفو بعد عاصفة، و يعصف بعد سكون. يُمكن أن ترى في انعكاسه ملائكة، و ترى الشياطين كذلك.
في نهاية أسطورة نرسيس، وفي موضع غرقه تنبت زهرة النرجس. كي تحمل في لونها ورائحتها تناقض تراجيدي. حنان ولد من قسوة، و جمال ولد من مأساة.
نُدرك أن نرسيس لن ينجو، لأنه لم يمتلك فرادة تخصه، نُدرك أن نرجس كذلك لن تنجو لأنها لم تمتلك فرادة تخصها، أو حتى طفلًا حقيقيًا ينتمي لها. لكننا نُدرك أن بعضًا من حنان، كان يُمكن أن يمنع المأساة.
تبدو زهرة النرجس حنان مُتأخر، مُعتذر عن كل من هلكوا دون أن يمنحهم مُحب تعريفًا واحدًا يمدوا به جذورهم في العالم، و يزهدوا معه مُطاردة أصالتهم في كل انعكاس