في مشهد من فيلمWake Up Dead Manيُسابق المُحقق «بلانك» والقس «چود» عقارب الساعة من أجل الوصول إلى معلومة ذهبية يُمكن أن تُنقذ الأخير من إدانته بجريمة قتل.
المعلومة بحوزة موظفة بيروقراطية تُدعى «لويز»، يكاد القس «چود»، يتوسل لها كي تُنقب عن المعلومة بسُرعة، لكنها تُذهل عن طلبه عندما تعلم أنه قس، يتحول صوتها البيروقراطي الرتيب، إلى رجاء مُتوسل، من ضال وجد أخيرًا قس يُمكن أن يمنحه خلاصه.
تُخبره «لويز» عن أمها التي تعاني ورمًا بالمُخ، جعلها تفقد هويتها، وتُكيل لإبنتها عبارات تكرهها، في لحظة نست لويز مرض أمها وكالت لها عبارات مُماثلة، تخاف لويز أن تموت أمها وتظل الذكرى الأخيرة المُعلقة بينهما، ذكرى شجار قاسً بين أم مريضة و إبنة لم تطيق لمرضها صبرًا. تتوسل له أن يُصلي لأجلها ولو للحظات
يُلح المحقق «بلانك» على القس لإنهاء المُكالمة سريعًا، ولكن يتشبث القس «چود» بالهاتف، يتخلى عن المعلومة التي يُمكن أن تُنقذ حياته، يتجاهل عقارب الساعة التي تُطارده، ويُهديء من روع لويز، يُطمئنها أنه معها، مهما احتاجت من وقت، ويخرج بالهاتف من الحُجرة، مُلتمسًا عُزلة روحية يُصلي فيها على الهاتف معها.
مشهد من فيلم "Wake Up Dead Man -2025"
مشهد من فيلم "Wake Up Dead Man -2025"
تمثل تلك المُكالمة العابرة، الجوهر الشعري لشخصية «چود»، الذي يُطالبه الجميع بالقتال، تُطالبه الكنيسة بقتال أعدائها، ويُطالبه المُحقق «بلانك» بقتال المُشتبه بهم - وهم أعضاء أبرشيته- لأجل براءته، بينما يتذكر «چود» أن اللحظة الوحيدة التي هدت قلبه للإيمان هي لحظة توقفه عن القتال
في حياة سابقة كان «چود» مُلاكمًا، الحلبة ساحة مجازية يُفرغ فيها غضبه من العالم، تتحول كراهيته إلى بطولة، و عُنفه إلى جاذبية تُلهب حماسة المُتفرجين. في لحظة بعينها تحقق الوصال بين المجاز والواقع، عندما قتل «چود» خصمه في الحلبة، وحده «چود» من علم بدخيلة قلبه أن جريمته لم تكن حادثة، لقد كره خصمه بما يكفي، ليُجاوز الانتصار للقتل.
لم يقبل أحد ب«چود» القاتل سوى الرب، لأنه بحُطام روحه، يُمكن أن يصير خادمًا مثاليًا للآخرين، لأنه يُدرك أكثر من غيره أن لحظة واحدة كان يُمكن أن يرى فيها خصمه، كرجل مُستسلم، مُحطم، كانت لتوقف لكمته الأخيرة. كان ليفرد راحة يده ويمد يده لخصمه بدلًا من تكوير قبضته وارتكاب خطيئة كونية.
يُدرك «چود» أنه ولد في حياته الجديدة كقس، ليخدم، لا ليُقاتل مُجددًا، هذه خصوصيته، رآه الرب بعنفه وكراهيته ولم يشيح النظر بعيدًا عنه، لم يقبله الرب رغم ما هو عليه إنما بسبب ما هو عليه، لأنه وحده من يُدرك كيف يُمكن أن تتحول أشد لحظات القتال إلى لحظة خدمة
تتحول اللحظة الثانوية التي يخوض فيها مُكالمة عابرة مع غريب إلى لحظة مركزية تُذكره بالسبب الوحيد الذي جعله يحيا بعد خطيئته، أن يخدم الآخرين من قلب حُطامه، لا أن يُقاتل مُجددًا، ولو من أجل حياته ذاتها.
يجلس المُحقق «بلانك» فارغ الصبر، بينما تُركز الكاميرا على تمثال مُحطم للمسيح
في العقيدة المسيحية لم يُنقذ المسيح حياته، لكنه عبر حُطامه نجح في خدمة ملايين، ممن لم يقبلهم أحد يومًا، ممن لم يراهم أحد يومًا جديرين بالخلاص.
يوقف «چود» لهاث المُطاردة، ويضع حياته ذاتها على المحك، ومن قلب حُطامه يتوقف لأجل سيدة لا يعرفها، عاملة هاتف لا يلاحظها أحد، لكنها تتوسل له أن يُصلي لأجلها.
مشهد من فيلم "Wake Up Dead Man -2025"
مشهد من فيلم "Wake Up Dead Man -2025"
يعرف «چود» أنه يُمكن بإدانته أن يُعدم أو يُسجن للأبد، وفي الحالتين سوف يُنعت بالصفة التي فر منها دومًا، قاتل!،
لكنه يعلم أن لحظة تقديم المُساعدة والخدمة، هي اللحظة التي تجعل وجوده مُبررًا، وتجعل خطيئته السابقة مغفورة، اللحظة التي يوقن فيها بأن الرب موجود، لأن الرب وحده هو من يصطنع له لحظة مثالية تُخبره بالسبب الذي وُجد لأجله بهذا العالم. بعد جريمته.
في مذكراته «البحث عن المعنى»، يحكي فيكتور فرانكل عن لحظة ارتعش فيها وهو يجلس مع آلاف الي$هود في الأوشفيتز، ينتظر موته، لم تُفلح مهارته كطبيب نفسي في تهدئة روعه. كان يُدرك أنه في أي لحظة سوف يُساق إلى المحرقة.
فجأة وجد فرانكل، رجلًا عجوزًا يتحرك بين جموع الخائفين، ويوزع كسرات الخُبز، كان عجوزًا بما يكفي ليوقن بهلاكه، لن يُستبقى حتى كعامل سُخرة، كان الأقرب من الجميع لملاك الموت. لكن لحظة الموت رآها العجوز، لحظة مثالية ليُقدم المُساعدة.
أدرك فرانكل أن كل حدث في حياة هذا العجوز، كل اختيار، كل مسار، قاده إلى تلك اللحظة، كان هذا سبب وجوده في العالم، أن يمتلك سعة القلب كي يُقدم كسرة خبز لهالكين.
لم نعرف إسم هذا العجوز أبدًا، لا نعرف هل نجا أم لا؟، ولكن هذا المشهد ألهم فيكتور فرانكل العزم الكافي للنجاة، وبنجاته اصطنع فرانكل مدرسة «العلاج بالمعنى» التي ألهمت ملايين حتى اليوم.
يقول فرانكل أن العالم لا يدور حول اللذة مثلما قال فرويد، ولا مُركب نقص بداخلنا نتوق لإكماله مثلما قال أدلر، إنما يقول حول معنى، نختاره، و نخدمه. وفي خدمته تتضاءل ذواتنا، لا تضاؤل حقير، إنما تتضاءل لأننا نتجاوزها، نحو فضاء شاسع يصير المعنى الذي نُطارده فيه، أكبر من ذواتنا الصغيرة. مثلما تحول مشهد رجل عجوز منسي إلى إلهام لحياة تجاوزته بعشرات الأعوام وألهمت ملايين لم يعرفهم
تُمثل شخصية «چود» المُلاكم القديم، اللذة الفرويدية في التسامي، أو توجيه العنف بداخلنا لمُتعة لا عواقب لها مثل الرياضة، و تُمثل شخصية المُحقق «لبلانك» فكرة أدلر، وهو شعور بالنقص بداخلنا لا يكتمل إلا لو حللنا اللغز. هوية «لبلانك» هي قدرته على حل الألغاز، بدونها تتفكك كينونته
لذلك في مواجهة بين «چود» و«لبلانك» يُخبره «چود» أنه مُجرد بيدق في لعبة شطرنج يسعى من خلالها لبلانك للفوز بحل قضية جديدة، ولكن «چود» القس، هو رجل يخدم معنى، وغاية وهي أن يُنقذ بحطامه ما يكفي من البشر. حتى لو تعذر إنقاذه هو.
مشهد من فيلم "Wake Up Dead Man -2025"
مشهد من فيلم "Wake Up Dead Man -2025"
تظل قضية «چود» مثالية في عالم أفلامKnives Outلأنه المُشتبه الوحيد، الذي لم يطمع في النجاة، قدر طمعه في إنقاذ من حوله، من أدانوه، ومن طمعوا في قتله، ومن رأوا فيه أسوأ مخاوفهم. كان «چود» مسيحًا بسيطًا لم يصدق «لبلانك» أن أحدًا مثله موجود
في مشهد المواجهة الأولى بين المحقق والمُشتبه، يتأمل «لبلانك» الكنيسة، ويُعجب بعمارتها ورمزيتها، التي تخدم في رأيه قصصًا خيالية عن إله غير موجود، يُعبر لبلانك عن إلحاده، فيُخبره «چود» مبتسمًا:

معك حق. إنها رواية القصص. الطقوس والشعائر، الأزياء، كل شيء. هي ما يجعلها كذبة مقنعة، ولكن أعتقد أن السؤال هو: هل تُقنعنا هذه القصص بكذبة؟ أم أنها تُلامس شيئًا عميقًا في داخلنا، حقيقة لا نستطيع التعبير عنها إلا من خلال رواية القصص؟

لم يؤمن «لبلانك» بالرب أبدًا، لكنه آمن أن كل ما أنقذ «چود» لم تكن مهارته كمُحقق، ولا براعته في حل اللغز، إنما القصة التي آمن بها «چود»، والتي تُطمأنه أنه نال خلاصه قبل وقت طويل من حل اللغز، نال خلاصه لحظة أن أنقذ غرباء لم يعرفهم، أو شارك سيدة لا يعرفها صلوات مؤنسة في لحظة وحشة. وأن هذا كان يكفيه، ولو لم ينجو أبدًا من المشنقة