خلال مُشاهدة حلقات «قلبي ومُفتاحه» تذكرت سطرًا جميلًا من مُذكرات سوزان سونتاج الخلابة «كما يُسخر الوعي الجسد»، تقول:-
«هل يُمكنني أن أُحب أحدهم وأظل مُحتفظة بتفكيري؟ الحُب يطير، ويُلقي بذوره، ويُطفو. أما التفكير تحليق مٌنفرد يُخفق بأجنحته، وحدها القصص يُمكنها أن تشرح لنا كيف يحدث ذلك»
تحمل تلك العبارة سحر ومأزق الحكاية كاملة.
يؤسس «تامر مُحسن» لعالم رومانسي فوق واقعي، نُطل عليه من علً في تتر البداية، حيث يظهر البشر كنقاط رقمية تتحرك على خريطة تحديد المواقع، في مسارات مٌتشعبة ومُعقدة، لكن تكسو تلك اللوحة الباردة والآلية باليت ألوان رومانسية زهرية اللون، تُذيب برودة المجاز الآلي.
يتحول البشر من نقاط ساكنة على شاشة باردة إلى قلوب حمراء تتحرك في متاهة سحرية، رغم تعقيدها وتشعبها إلا إن الموسيقى الحُنون تُطمأنك أن اللقاء بين تلك القلوب حتميًا.
هذه حكاية واقعية تمامًا في أماكنها وأبطالها، لكنها مكسوة برداء رومانسي، يُحلق بها فوق واقعها، يحمل وعد الحكاية قبل بدايتها نبوءة أن كل بطل فيها سيقابل قصته مع الحُب، ليخرج من طور عاديته ويتحول إلى قلب مُتحرك على خريطة مُعقدة في طريقه لوجهته ونصفه الآخر.
القلب يُحرك الشخصيات والعاطفة خريطة الوصول، وهو ما يخلق صراعًا حتميًا، لأن خريطة القلب تُخالف خرائط الواقع.
يُعبر قلق سونتاج المُتساءل، عن رعب أن يُفقدنا الحُب باقتحامه، قدرتنا على التحكم في قصتنا التي تبنيناها عن أنفسنا لأزمنة طويلة، وهي نبوءة تتحقق في الحكاية، لا يحتفظ الشخوص بقدرتهم على التفكير السليم والآمن بدخول الحُب، وهي قاعدة لا تستثني أحدًا.
معظم شخوص الحكاية في مُنتصف العُمر وخريفه، جاوزوا نزق المُراهقة وحماقتها لكنهم لم يجدوا الحُب بعد، لذلك يضعوا أمانيهم بإيجاده إما على مشجب حكاية قديمة لم تنتهي، أو على مذبح حكاية جديدة قد تأتي لجبر ما مضى، يُمثل ذلك الحنين المُشفق والشوق المقلق الزاد الوحيد لكل الأبطال لاحتمال وحدتهم في اللحظة الراهنة.
يستدعي «تامر مُحسن» تيمة «المُحلل» التي يُمكننا جميعًا أن نُكمل سطورها من الأفلام القديمة حيث يخرج أبطال بحثًا عن وصال لا يدوم أكثر من ليلة واحدة، لكنهم يجدوا فيه ما لم يجدوه في علاقاتهم القديمة.
يتحول خروج امرأة إلى الطريق بحثًا عن رفقة ليلة واحدة تستعيد بها توازن حياتها، إلى أثر فراشة يُجبر شخوص الحكاية على الخروج من شرنقتهم وسُكنى الحنين أو التمني، بحثًا عن سؤال الحُب ومستحقاته في لحظته الراهنة.
يمتلك رجل عجوز الشجاعة لطلب وصال حبيبته التي تنتمي لحكاية الصبا، التي عاشها وحيدًا وبذل فيها حُبًا يكفي لشخصين، ويتوسل في ذلك حيلة تنتمي إلى ماضي الصبا بدلًا من المواجهة الناضجة، لأن قصته مازالت تنتمي في قوانينها وعالمها إلى صباه. ومازال الصبي بداخله يخاف بهشاشة من الرفض.
بينما يُسقط بطلا الحكاية أمنياتهم بإيجاد الحُب المُستقبلي الذي تأخر كثيرًا على لحظة يومية، تتحول بعدسة رومانسية إلى لقاء يؤسس ويؤسطر لقصة حُب، لم تأخذ وقتًا لتكتب سطورها، يبدو اللقاء مثل حلم عابر، والفراق حتميًا. لكن الحلم لن يزول باليقظة إنما سيوقظ كل غرائز أبطاله لمُطاردة الحُب
تزخر الحكاية باللامنطق في قرارات أبطالها، فتاة عصرية تُحب الرقص وتقدس استقلاليتها، تُحب شابًا لا يٌشبهها ولا يمتلك قيمها ونظرتها للعالم، لكنها أسيرة قصة قديمة، حُب مراهق وقديم ولد بينهما، ولا تمتلك شجاعة الانسلاخ منه بعد. نحو يقين أن الشاب لم يعد يملك شيئًا من براءة الصبي الذي كانه.
كل شخوص الحكاية يُحرك قراراتهم إما الحنين لاستدعاء قصة من الماضي، أو حلم من المُستقبل، ليسكن اللحظة الراهنة.
لا تنبع الرومانسية في «قلبي ومفتاحه» من مُحيط اللبيني الشعبي، أو من شيء خارجي يفرض حضوره على الأبطال، إنما تنبع من إلحاح بداخل الأبطال أنفسهم.
حنين لأمل قادم أو ماضي نريد استعادته، وكل أداة لمُقاربة هذا الحنين ستكون ساذجة، لأنها لا تتعاطى مع واقع لحظة الحاضر، ولكنها سذاجة مُحببة. تثير التعاطف أكثر من الامتعاض. لأن بداخلنا جميعًا طيفًا من تلك السذاجة
مثلما استيقظت سيدة في خريف العُمر على عاشق يُرسل لها رسائل حُب، لتدرك أن حبًا ملحميًا كان ينتظرها منذ عقود، وتفتحت وردته الآن، حكاية كاذبة وبطلها كاذب، لكن أملها مُنعش. هذا الأمل باختلاف تجلياته هو ما يُحرك الأبطال فيظهروا في واقع له قوانينه ومنطقه، كممثلين حبكة ساذجة، تُحركها الأمنيات والحنين أكثر من المنطق
يُعنون «تامر مُحسن» كل حلقة بإسم فيلم يحمل ذلك الطابع، أبطال رومانسيين في واقع قاسي، لنعلم أن حكايته فرع من شجرة الحكايات تلك.
التفكير كتحليق مُنفرد بتعبير سونتاج، يصعب لو انتهجناه أن نتعامل بجدية مع حبكة تحمل من العوار والثغرات وانعدام المنطق أضعاف ماتحمل من التماسك،
لكن صانع الحكاية يُراهن بكل أدواته على التوحد مع تلك السذاجة الكامنة بداخلنا، أو الحنين الذي لا يزول أبدًا، لأن يتحرك الواقع وفق قوانين الأفلام، لأن نجد الحبيب في لقاء ملحمي، ويحدث الحُب من النظرة الأولى، لأن تجد القصص القديمة الذابلة أوانًا للتفتح ولو في الخريف.
ينجح تامر مُحسن في تحقيق نصف عبارة سونتاج، يُلقي شخوصه على خريطة افتراضية، تتشعب مساراتها وتتعقد وتقود أبطالها دومًا لتقاطعات لا ترحم. يتخلى الأبطال عن عاديتهم، يطفون، يُحلقون، يشعروا بالحرية خارج قصتهم العادية
لكن يُخفق تامر محسن في النصف الآخر وهو تضمين ذلك الجوهر الشعري في قصة مُتماسكة،
في خلق قصة تربط واقع الأبطال الخارجي واكراهاته، بعوالمهم الداخلية وإلحاحاتها. ليصير العمل بالكامل ظلًا رومانسيًا للواقع، يُبالغ في التأكيد على جاذبيته وفي خضم ذلك يؤكد استحالته
نحن نحيا بالكامل في عوالم الأبطال الداخلية، ولفتاتهم الرقيقة التي تنفلت منهم للخارج لتُعبر عن أشواقهم ومأزقهم، أكثر ما نحيا في الواقع الذي يستضيفهم،
واقعية الكادرات وشخصية الشرير «أسعد» التي تضرب بجذورها في هذا الواقع، تتخللها مشاهد حُلمية تنتمي لرومانسية مُحلقة فوق الواقع، رومانسية يُمكن أن يتحول معها لقاء عابر في مكتب شرطة إلى لحظة مُستراح لمتحابان.
ينجح التتر في كسوة لوحة افتراضية واقعية بلون رومانسي، لكن تعجز الحكاية عن تضفير الواقع (الذي يتطلب منطق أكثر تماسكًا) بالرومانسي بانسجام كامل، يتضاد العالمان تضاد مُخرج يُدرك جيدًا شخوصه ويدافع في كل تفصيلة عن نبل وسذاجة العاطفة والأشواق بداخلهم، يطير، ويلقي بذوره، ويطفو بحُرية كما تُبشر سونتاج، لكن قصته تُحلق منفردة دون منطق متماسك يُضفر الحلم والمُتمنى بالحادث.
قلب الحكاية ومُفتاحها، مُمتلك من عاطفة جميلة، تتحرك بحرية في التفاصيل والشخصيات لكنها حُرة من قصتها، مثل طائرة ورقية يربطها خيط صغير بالواقع، لكنه لا يكفي لقيادتها.
فقط تشاهدها وتستمر بالمتابعة لأنك تُحب شكل طائرة ورقية حالمة وطامحة بمُناطحة الرياح، والتحليق. وهو جوهر ما يتمناه شخوص الحكاية جميعهم، الوصول لوجهتهم البعيدة، على متن طائرة ورقية تذروها رياح واقع عاصف.




Comments
Sign in to join the conversation. Sign In
No comments yet. Be the first to write one.