يسهل لأي ناقد أن يُلاحظ عيوب بالجملة في التكنيك وفنيات أفلام «عاطف الطيب» مع ميل للخطابية المٌباشرة، يجعله أقل جمالية من رموز الواقعية الجديدة مثل بشارة وخان وداود عبد السيد
لا يستتر «عاطف الطيب» من تلك الحقيقة أو يُراوغها، في إحدى حواراته يؤكد أنه لو خُير دومًا بين التكنيك الجمالي والرسالة، سيختار أن تُهيمن رسالته على أدواته. أو بتعبيره :-
«مهم المخرج يبقاله رؤية واضحة للمجتمع ورؤية واضحة لنفسه هو عايز ايه من دنيته؟ وبعد كدا حتى لو هو سينمائي عادي بتكنيك ضعيف، الشخصيات هتكون صادقة وهتعيش.»
يقول «نور الشريف»:
في أفلام عاطف الطيب، البطل دومًا على الحافة، سوف ينفجر لا محالة

تبدو سينما عاطف الطيب بأكملها وسيلة لا غاية، رسالة تكتسي برداء المجاز أو حيلة جمالية لتوثيق الصُراخ لكيلا يخفت أبدًا عندما ينشرخ الحلق
في لحظة بعينها دومًا في كل أفلامه، يقفز البطل خارج إكراهات الحبكة ومتاهة المجاز، ليقف فردًا في مواجهة العام والكلي والعمومي، والشاشة الفارغة، كأن السينما لم تكن سوى حيلة لأجل تلك اللحظة.
يُقدس «عاطف الطيب» فكرة
cameo
أو أن يظهر المخرج الشهير باعتباره كومبارس في الخلفية، يقرأ الجريدة أو يتحرك وسط الجموع، كأنه الكل واللا أحد. بينما بطله يحتل المتن. يرى «الطيب» أن تلك هي المُعادلة الأصح. يُسخر سينماه بأكملها وشُهرته ليمنح البطولة لسواق الاتوبيس وعسكري التجنيد وسائق الأجرة والعاهرة.
السينما بأكملها حيلة كي يبتعد الشهير والمُتحقق للهامش بينما يتصدر المُهمش المتن، ثم ينفجر بالطريقة التي لن يغفرها الواقع أبدًا، لكن يُمكن أن تتقبلها السينما كتجلي جمالي لحبكة بلا حل، البطل دومًا في أفلام «الطيب» ضحية الحبكة وانفجاره لا يُقدم حل. بقدر ما يخلد الصيحة في مواجهة عدم مُمتد.
يخرج «حسن» من الحافلة ليصرخ في وجه اللصوص
«يا ولاد الكلب»
بينما يفتح «سبع الليل» النيران على الجميع

تؤسس عوالم «الطيب» بأكملها في عالم ما بعد القانون، فالمُحاكمة لا تُجدي أبدًا، يُعلن «مصطفى خلف» في ضد الحكومة أن الجميع مُدان، بينما يهرب «منتصر» بقوة السلاح من قلب قاعة المُحاكمة، وحتى لو أنهت المحكمة مُرافعتها بالبراءة، تصير بلا جدوى مثل بطلة «ملف في الآداب» التي تعلم أن ادانتها أبدية. ووصمها لن يزول.
لذلك يحضر الرصاص بقسوة كوسيلة حتمية لتحقيق العدالة أو اخراسها، تموت الشخوص رميًا بالرصاص في «الزمار» و«الهروب» و«كشف المستور» عندما تُخالف شروط عالمها وتمتلك تعريفها الخاص بالعدالة. بينما ينتهي «كتيبة الاعدام» بفرقة مُنتقمين حداثية تُحقق القصاص بالرصاص ويتصدرها رجل قانون ينسلخ من مهنته ليحقق عدالته.
يشهد أساتذته أن خلف كل هذا الغضب والعنف، كان «الطيب» يمتلك نصيبًا لا يبلى من اسمه، طالب هاديء مُنطوي لا يتخيل أحد أقرانه أنه قد يُقدم تلك الأعمال أبدًا، لكن أسفل الهدوء يوجد تعاطف جارف مع سكان الهامش، يسهل أن يتحول ببطء إلى مزيج من الخجل والغضب، يروي «الطيب» للمصور سعيد الشيمي شعوره الجارف بالخجل بعد شراؤه سيارة، عندما يمر بها جوار الحافلات المُكدسة.
جوار صرامته في العمل يُشتهر عنه اثقال المُنتجين في أعماله بعاملين كبار سن وفقراء يتلقوا أجور كاملة قبل الممثلين أحيانًا، لأنهم لا يجدوا عملًا أبدًا في الوسط.
تكمن شعرية «عاطف الطيب» في شعور جارف بالنُبل والتعاطف مع الأقل حظًا، سخر لأجله الشاشة والسينما لتكون متن لسكان الهامش. لتكون حيلة جمالية يتفلت عبرها في لحظة بعينها ليُطلق المهزوم صرخته ويحمل سلاحه للحظات قبل أن تنفتح عليه أبواب الجحيم كافة.
يصعب أن يحمل فرد واحد عبء جموع غفيرة لم ينصفها عصر أبدًا، في أقل من 14 عام، قدم «الطيب» 21 فيلمًا للسينما المصرية ليكون الأغزر انتاجًا في كل مُخرجي الواقعية الجديدة نسبة لسنوات عُمره. كان «عاطف الطيب» يُسابق الزمن كأنه يرى مشهدية موته، ليموت أربعينيًا بقلب عليل قبل كل زملاءه.
قبل موته في عملية جراحية ستكون الجملة الأخيرة التي يهمس بها لمن حوله، أنه يسمع موسيقى جميلة، خلابة، لم يسمع مثلها أبدًا
لم يسمع أحد ممن حوله تلك الموسيقى، ولم يخرج عاطف من غرفة العمليات حيًا.
كثيرًا ما أعيد مُشاهدة أفلام عاطف الطيب في أحوال بعينها، عندما يكون الواقع مُثقلًا، لا يسمح بانفلات صرخة واحدة، وعندما يُثقل القلب بالحنين لجمال خارج هذا العالم، لموسيقى أكثر رقة لكنها لا تنتمي لعالمنا.
كل شخوص عاطف الطيب يتأرجحوا على الحافة، يُحركهم الغضب للهاوية، وتتعلق قلوبهم رغم جاذبية السقوط مثل ثمار الأغصان بحنين جارف لجمال وحياة في مكان آخر. وتبقى ثورتهم شاهد أخير على انسانية تتوق للاكتمال في عالم يُقزمها بقسوة
ويبقى «النبل الإنساني» عاطفة جامعة ومعبرة عن سينما عاطف الطيب، لأن غضبه نبيل، وحُزنه نبيل، وحنينه نبيل، وموته أكثر نبلًا من بلادة أن تقدم سينما جمالية لا توثق صرخة واحدة
يقول عاطف أنه لم يشده يومًا للاخراج إلا الأحزان اليومية لرفاقه البشر، ولم ينبهر بشيء في هذا العالم إلا السينما وزوجته كجزر للحُب في بحر جارف من القسوة، أتذكر أن أجمل مشاهده الرومانسية كانت في "حب فوق هضبة الهرم" لشابان مُتحابان يؤديا الرقصة نفسها، يفرضا ارادتهما على العالم ويبتسمان في عربة الترحيلات، لتوثيق حب لن يفهمه العالم والسُلطة أبدًا




Comments
Sign in to join the conversation. Sign In
No comments yet. Be the first to write one.