أن تختبر الحياة عبر فريقك المُفضل

يتتبع فيلم (القصص) حياة أسرة السيد (راغب) وزوجته (فيروز) وأبنائهم الثلاثة (أحمد) و(حسن) و(شرف ) 
أسرة مصرية تنتمي للطبقة المتوسطة، تسرد حكايتها من نكسة 1967 حتى عام 1984، وتتقاطع حياتها اليومية مع الأحداث الكُبرى التي مرت بها مصر في تلك الفترة.
القصص: من يروي تلك الحكايات؟
من اللحظة الأولى تبدو حياة الأسرة في منزلها الضيق أشبه بحياة غرير العسل أو القنادس، حيوانات سُكناها جحور عميقة في الخفاء تؤسس بها علاقة اختباء مُتحفز ومُرتجف تجاه العالم الخارجي الذي يحاول اقتحام الجُحر من اللحظة الأولى بدءًا من الجار الذي تؤرقه أصوات البيانو القادمة من المنزل فيطرق بابهم بعنف، أو المُتنمر الذي ينتظر أبناء الأسرة بحجر مُهدد أسفل الشُرفة، ووصولًا لمُخبرين الدولة الذين يتأملوا الأسرة بتفحص صارم عبر نشرات تلفاز الصالون، وطائرات العدو التي تغزو السماء فوق سطح المنزل وتستهدفهم.
في كل مشاهد النوم، نجد أسرة راغب أشبه بقنادس أو سناجب ترتجف وتتكوم بجوار بعضها، لا يُثير المشهد ضيقًا بالمساحة أو نفورًا، إنما شخوص تختبيء في بعضها بارتجاف قلق من فكرة الإنفصال أو الخروج للعالم ليحمل أحدهم عبء قصته وحده.
القصص: من يروي تلك الحكايات؟
يمتلك رجال أسرة راغب شغفًا جارفًا بمُشاهدة مُباريات الزمالك في التلفاز، ويتسق هذا الشغف مع حالة الإختباء من العالم التي تحياها الأسرة.
تبعًا لعلم النفس، تمنحنا الرياضة أحيانًا ما يُسمى
تجربة بالإنابة
Vicarious Experience
عندما يُقاتل فريقك المٌفضل من أجل الفوز، ويتحمل الهزائم واللايقين، وضغط اللحظات الحاسمة، ثم يُحقق النصر، يحيا المشاهد عبر فريقه تلك الخبرات الشعورية كأنها تخصه. رغم أنه لم يتحرك إنش خارج مقعده ليحيا تلك الخبرات في العالم الخارجي. ولكن فريقه اختبر ذلك بالنيابة عنه.
يختار رجال أسرة راغب الزمالك، لأنه فريق يُشبههم (underdog) يمتلك نفس حظوظهم من الحياة، وهذا يُسهل تجربة العيش بالإنابة، يسهل لرجال الأسرة أن يضعوا وجوههم الخائفة على وجوه لاعبين يشبهونهم، ويختبروا الحياة واحتمالات الانتصار النادرة عبرهم.
ولتقريب فجوة العجز بين الفريق البعيد في مربع التلفاز، والمٌشاهدين العالقين في مقاعدهم، تمتلك الأسرة طقوسًا تفاؤلية /تشاؤمية في ترتيب مقاعد الجلوس والمشاهدة، تمنح تلك الطقوس لأسرة راغب إيمان بقدر من الفاعلية يُعوض عجزهم، وعيشهم بالإنابة، إيمان كاذب أن جلستهم تؤثر في سير المُباراة، وتساعد فريقهم المفضل على الفوز أو تُقربه من الهزيمة 
بينما يُقاتل (الزمالك) حظوظ العالم بالخارج بالنيابة عن تلك الأسرة المُختبئة، يمتلك كل فرد من أفراد الأسرة، قصة بسيطة يؤسس عبرها علاقته بالعالم.
يتعلم (حسن) اللغة الروسية، ويؤسس هوية ساخرة، تناسب قامته الفارعة، باعتباره خبير سوفيتي في زمن عبد الناصر، لكنها هوية تُخفي قلقه من الاستدعاء للحرب، وأمل أن تنجح إجادته تلك اللغة في تسكينه في مكتب لترجمة البرقيات بعيدًا عن الجبهة
يقوم (شرف) بحياكة خطين باللون الأحمر على فانلاته البيضاء، ويتحمل تنمر (لولو) فتى الحي النزق ومشجع الترسانة المتعصب الذي يُمزق فانلاته كل مرة، يعيد (شرف) حياكة ما انقطع، ويذهب بفانلته كي يجد مقعدًا بارزًا في مُدرجات الزمالك، على أمل أن يراه المُدرب ويمنحه فرصة للمشاركة مع الفريق، كي يكون أول فرد من الأسرة ينتمي إلى النادي الذي يقف حاجزًا حاميًا بينهم وبين العالم.
القصص: من يروي تلك الحكايات؟
سوف يتمسك حسن بقصة الخبير السوفييتي حتى وهو يقاتل على الجبهة في أخطر أسلحة الجيش (المظلات)، سيظل يكتب في خطاباته لأسرته، أنه خبير سوفييتي يجلس في مكتب بعيد ويُترجم البرقيات، حتى يأتيهم خبر استشهاده
سوف يتمسك شرف كذلك بقصته باعتباره لاعب مؤثر بالفريق، حتى عندما تنقله إدارة النادي من البساط الأخضر إلى غرفة الملابس، ليُناول اللاعبين فانلاتهم وهم ذاهبين لخوض المباريات، حاملين في أقدامهم، أحلامه نيابة عنه وعن أسرته.
يؤسس المخرج ( أبو بكر شوقي ) عالمًا نواته أسرة في حالة اختباء من فوضى العالم بالخارج، وكل فرد فيها يمتلك قصة، لا يهم كذبها أو صدقها، لا يهم تحققها أو فشلها، ما يهم أن يعيشوا عبر عدساتها، ويركنوا لوعودها، كي تحميهم من اليأس، وتٌعزيهم عن أحلامهم التي لم تتحقق ومخاوفهم التي يمكن أن تبتلعهم.
في تلك الأسرة، يبدو الإبن (أحمد) البطل الأكثر شجاعة في الإقتراب من حافة الجُحر، تحدوه رغبة في استكشاف العالم الخارجي رغم جينات القلق والإختباء التي ورثها من أبويه. يؤسس مثل إخوته قصة يرى عبر عدساتها العالم، لكنها تبدو الأكثر قابلية للتحقق، ربما لأنها الأكثر جرأة على الإبتعاد عن الجُحر واقتحام العالم.
القصص: من يروي تلك الحكايات؟
يمتلك أحمد موهبة موسيقية في العزف على البيانو، لكنه يُريد أن يوظف تلك الموهبة الشخصية في السردية الجمعية لوطنه، لانه يحيا الحقبة الناصرية، عصر موسيقى المارشات العسكرية والأغاني العظيمة. يُمكن للحن جمعي وطني أن يحتاج نغمات عازفًا مثله.

يقرر أحمد كذلك تجربة الكتابة بالمُراسلة لغريب، ولكن بقدر عمق اختبائه في جُحره، يقذف أحمد رسالته إلى عالم أبعد بكثير من وطنه، إلى غريب يسكن في قارة أخرى، لذلك عندما تأتيه رسالة من صديقة بالمراسلة تُدعى إليزابيث، لا يعرف حتى أين تقع بلدها النمسا؟، ويؤطرها إخوته بسُخرية باتهام يليق بحياة الجحور وبالسردية الجمعية لزمنهم، باعتبارها خطر خارجي أو جاسوسة! 

حلزون يزحف خارج صدفته، نحو العالم

تحضر (إليزابيث) من اللحظة الأولى للفيلم باعتبارها، نقيض (أحمد) وأسرته التي تسكن جحورًا مُفترضة هربًا من العالم، نسمع صوتها في لحظات الفيلم الأولى، تتلو حكاية من طفولتها، عندما كانت طفلة تسير تحت المطر، ووجدت حلزونًا على الرصيف، بمُجرد أن إنتبه لوجودها اختبأ في صدفته، لكنه خرج ببطء والتمس الأمان في صٌحبتها.
تصف اليزابيث تلك اللحظة التي خرج فيها مخلوق غريب خائف من صدفته، وكانت هي مُبتدأ رحلته في استكشاف العالم، باعتبارها لحظة شعرية أسست عليها حياتها، وتشعر أنها لو لم تروي تلك الحكاية ستفقدها كأنها لم تحدث. ولذلك عندما تصلها رسالة أحمد، ستبدو لها فرصة شعرية لإستعادة تلك اللحظة من جديد وتوثيقها بالكتابة.
يسهل من تلك اللحظة تقسيم فيلم (القصص) إلى عالمين، أسرة مُختبئة في جُحر من فوضى العالم الخارجي، وحلزون يحمل ملامح أحمد يزحف ببطء خارج الجحر ويتحرر من صدفته ليتعرف على امرأة تُحبه، امرأة تسكن بلد بعيد خارج سرديته الشخصية وسردية وطنه الجمعية! 
القصص: من يروي تلك الحكايات؟
بمجرد أن انتهيت من مٌشاهدة فيلم (القصص) ظل يُلح على رأسي سؤال بعينه:
من يحكي تلك الحكايات؟!
يحمل عنوان الفيلم، رغم تعريفه بالألف واللام، قدر من المجهولية تُكسبه خفة لا تُحتمل، يجعل القصص تسبح في فضاء ساكن، دون وجهة، ودون إرادة تتأله عليها بقصد أو مُنتهى تصل له
يبدأ الفيلم بصوت إليزابيث وهي تكتب فقرة لقائها بالحلزون في رسالة إلى أحمد، ويتبارى على شريط الفيلم صوتها وصوت أحمد في التعليق على الأحداث بسرد سطور من رسائلهما المتبادلة، لكن أحدًا منهم لا يمتلك الحُضور الكافي كي يتقدم ويُعلن امتلاكه ناصية القصص المروية، ويكسوها بنبرته ومنظوره. وبالتالي يسمح لنا أن نُحاكم تلك الحكايات لذلك المنظور الذي يخصه

أن يروي أحمد حكايته على طريقة ويس أندرسن

يسرد فيلم (القصص) أحداثًا تاريخية مصرية، شديدة الملحمية، في رمزيتها وانتصارها وهزيمتها، لكنه يُجردها من ملحميتها، ويهبط بها إلى منظور آل راغب المُرتجف، الذي يُطل على العالم من نافذة مواربة.
هذا التجريد والهبوط لقامة الإنسان العادي، يُسبغ الأحداث بصبغة كاريكاتورية واختزالية لا مفر منها. تجعل سؤال الراوي -في عقول المتفرجين- أكثر إلحاحًا.
 من يروي تلك الأحداث وبأي منظور نراها؟! 
لأن غياب الراوي أو ضعف حضوره، سيجعل السردية تُروى كأنها توثيق وفي تلك الحالة سيخضع فيلم (القصص) لمُحاكمة قاسية لإنه يُشبه إجابات مُبتسرة وكاريكاتورية يُقدمها مُخرج بخفة في لقطات مختزلة عن تاريخ وطن كامل.
يبدو أحمد مُرشحًا مثاليًا لرواية الأحداث، لأنه يمتلك تلك القدرة الحالمة على الخروج من مأزق واقعه وعجزه باختبار لحظة خيالية جامحة، مثل الهروب من بيته الضيق في العمرانية بمراسلة فتاة في بلد أوروبي بارد لا يعرفه. 
أو مثل اللحظة التي فر فيها من محدوديته وشعوره بالعجز وهو يدرس الموسيقى بصعوبة في بلد عريق مثل النمسا. وتخيل صدفة قابل فيها الموسيقار الأسطوري (فلاديمير هورويتز) في دورة مياه إحدى المطاعم. ابتسم له هورويتز وروي قصة رمزية عن القديس بطرس الذي سار على الماء وتحدى قوانين الجاذبية لإنه آمن بذلك، ينهي هورويتز حديثه بمنحه دولار للذكرى باعتبارها عملة حظ ويخبره:
لو آمنت بنفسك سوف تنجو من الأيام المظلمة
ندرك بسهولة أن تلك القصة أقرب من كونها حقيقية لكونها لحظة من أحلام اليقظة يعيشها أحمد كي يهرب بها من بؤس واقعه، وهو ما تؤيده الأحداث التالية التي تؤطر ضعف إيمانه بنفسه وهروبه من تحدي الدراسة بالنمسا، وهو يخفي هزيمته الشخصية، في حداده على موت أخيه.
يُشبه (أحمد) في تقديمه -كشخص فر من مخبأه القديم في منزل أبيه، واستبدله بسُكنى خياله أضعاف مايسكن واقعه- شخصيات المخرج الأمريكي (ويس أندرسون) الذي تؤطر أفلامه، أسر يعاني أبنائها خلل وعُصاب نفسي، ولكن للمفارقة يتمظهروا على الشاشة في كادرات سيمترية مٌبالغة في دقتها.
القصص: من يروي تلك الحكايات؟
يختزل أندرسون أحيانًا شخصياته في كادر بعينه يُعبر عن جوهرها ومُعاناتها، ويقوم بتسكين شخصياته وأحلامها العظيمة في كادرات أقرب إلى بيت الدُمى، كي يؤكد لنا أن ما نراه، هو منظور الراوي الذاتي عن الواقع وليس الواقع ذاته.
يحمل فيلم (القصص) بعضًا من تلك السمات الأندرسنية، حيث تٌقدم الشخصيات في كادرات سيمترية تختزل هويتها العاطبة في عبارة، هناك (مرعي النحس) و(لبيب الأخرس) و الأم التي تحيا كادر مُتكرر يُلخص دورها في المنزل وهو ركلاتها المستمرة للبوتاجاز كي يعمل.
القصص: من يروي تلك الحكايات؟
لا تختزل تلك الكادرات حياة شخوصها وحسب، بل تمتلك سلطة لرسم مصائرهم أحيانًا، حيث صورة كادر سيمترية يظفر بها بعض شخوص الفيلم مع رئيس الجمهورية تصنع حياتهم وترسم مُستقبلهم للأبد، كأنهم لقطة من أفلام أندرسون
يٌشبه الميدان الذي يقع فيه منزل راغب، إحدى غُرف بيت الدمى التي يصنعها أندرسون ببراعة، يتوسطه تمثال بدائي لامرأة تمثل الوطن، حولها لافتات تتغير طوال الوقت بتعاقب الرؤساء والقادة.
القصص: من يروي تلك الحكايات؟
القصص: من يروي تلك الحكايات؟

تصور الكاميرا الميدان بنقيض اتساعه، يبدو لعيوننا أقرب لناصية ضيقة، لا ساحة شاسعة، وهذا يجعله أقرب للمسرح. وعلى خشبته يستضيف المخرج ( أبو بكر شوقي ) أحداثًا تاريخية سطرت حضورها على مساحات أكبر في الواقع. مثل مظاهرات إنتفاضة الخُبز 1977.
بعض مشاهد ( القصص ) تتحول إلى كادر ضيق ومستحيل الحدوث في الواقع، مثلما يصنع أندرسون كادراته أحيانًا، حد أن طائرة اسرائيلية في العُمق المصري، يُمكنها أن تقتحم عراك في حارة مصرية وتفضه بأزيزها المٌخيف. (وهي الرمزية التي عبر بها المخرج عن العنف المروع والمتكرر لاقتحام الأحداث الخارجية الملحمية لحياة أبطاله الخاصة)
القصص: من يروي تلك الحكايات؟
يصف أندرسون عوالمه أنها
self-contained worlds
عوالم قائمة بذاتها، يستدعيها راوي من ذاكرته أو من منظوره النفسي العاطب، ولذلك تحضر وهي مٌصابة بكل أمراض الذاكرة والمنظور. 
تُروى الأحداث في مشاهد القصص، بكل مبالغات الذاكرة والمنظور، ما يجعلها مثالية لكي تكون سردية تُنسب لشخص مثل (أحمد)، لأن تلك الأحداث ليست ما حدث فعلًا إنما self contained world، أو منظور عالمه الداخلي عنها
تستطيع مبالغات المنظور والذاكرة بداخل أحمد أن تفسر كيف أن حارة صغيرة تٌشبه ميدان؟ وأن تجعل الأحداث الملحمية مثل تتابعات عابرة على مسرح ضيق. وتجعل أزيز الطائرات من سردية جمعية يقتحم لحظة شخصية ويفرض حضوره. وتختزل سرديات الإعلام والسياسة والخبراء في صوت وصورة رجل واحد لا يتغير عبر العصور، وتٌختزل شخصية الخصم والمنافس في صورة شخص واحد لا يتغير عبر العصور. 

نجح أبو بكر شوقي في رواية حكاية من منظور شخصي ولكن غاب التأسيس القوي لحضور الراوي الذي يقدم هذا المنظور
لا يريد هذا المقال أن يفرض أسلوب أندرسون على إخراج أبو بكر شوقي، ولا يحق لناقد أن يفعل ذلك، ولكن يستحضر المقال مثلًا على مخرج يفرض أسلوبية على السرد، تجعله جماليًا حتى لو كان مُحملًا بكل عيوب الكاريكاتورية والاختزال والتبسيط. لإن المخرج يروي حكايته من منظور شخص عاطب، يروي حكايته بعيون عطبه.
أسس (أبو بكر شوقي) لبطل يحمل عطبًا واضحًا، وبصمة أسرة تُغلق بابها في وجه الأحداث الجسام، تهاب المشاركة فيها وتختزلها في أبسط صيغة يُمكن عبرها أن تنجو منها، لكنه لم يفرض حضور هذا الرواي بما يكفي، وبالغ في الأسلوبية دون أن يُبرر وجودها بربطها بمن يسردها. 
ولذلك سقط القصص في مُحاكمات مستحقة من البعض باعتباره توثيقًا ساذجًا بالصورة ومزعجًا بشريط الصوت لأحداث أكبر من اختزالها وحكيها بذلك الابتسار واضطر المخرج في كل لقاء إعلامي أن يعلن أن حكايته ذاتية تفر من السياسة ولا تقتحمها، بينما كان يُمكن تجنب ذلك بتوثيق حضور الراوي وربطه بأسلوبية سرده، كما أجاد مخرجين مثل ويس أندرسن وودي آلان تلك اللعبة 

أن تُروى حكاية مصر بعيون إليزابيث

قوبل (القصص) ببعض النقد باعتباره فيلمًا يحكي سردية مصرية، ولكنها موجهة بالأساس لجمهور أجنبي، باعتباره حكاية exotic عن تاريخ وطن تُروى لا من أجل أصالتها بل من أجل أن تثير مسامع الغريب الأجنبي الذي يسمعها 
يعود هذا التشويش مرة أخرى إلى ضعف تأسيس صوت الرواي ومنظوره، ويجعلنا نستكشف ما كان يُمكن أن يؤسس لجمالية متسقة وراسخة لو أُسندت الرواية برمتها إلى اليزابيث.


تقول إليزابيث في رسالتها الأولى إلى أحمد:
نحن مختلفين، ولكن العائلة واحدة في كل مكان!
تحمل تلك العبارة شيئًا من الصحة، يؤطره أبو بكر شوقي بذكاء في مشاهد بعينها، حيث يواجه الشاب أحمد أب نمساوي يٌشبه كل الآباء المصريين في غريزته الحمائية لإبنته، وخوفه عليها من كل غريب يطرق بابه، وتلذذه ببث الخوف في نفوس خُطابها كي يختبر رجولتهم
في يوم زفاف أحمد واليزابيث، يجلس راغب مع والد اليزابيث، يُدخنا التبغ في الشرفة مثل صديقان، ويحضر التفاهم بين أب مصري شرقي و أب نمساوي. باعتبار أن كليهما تجمعهما أبوة تخاف على الأبناء من الآخر الغريب. ويتقبلا باستسلام لذيذ كونهما في النهاية ورغم كل شيء باتا عائلة واحدة.

بينما تبكي الأم فيروز وأم اليزابيث، وهما ينظران إلى أبنائهما في الزفاف، لا يحتاج البكاء في تلك المناسبة إلى مُجاوزة حاجز اللغة لشرحه فالغريزة الأمومية تكفي.
القصص: من يروي تلك الحكايات؟
رغم هذا التشابه الإنساني، يسهل مُلاحظة تفرد إليزابيث عن أحمد وكل الشخصيات المصرية، باعتبارها فتاة تنتمي إلى سرديتها الشخصية عن نفسها وحسب، ولا تخاف من اختبار السرديات الجمعية التي تُفرض عليها.

لا تختبيء إليزابيث من العالم إنما تندفع لاقتحامه واختباره، مثلما سافرت في صباها إلى الاتحاد السوفييتي لاختبار جنة الشيوعية، قبل أن تتخلى عن الإيمان بها. ومثلما سافرت إلى مصر لاستكمال قصة حُبها مع عاشق من الشرق الأوسط، وقررت بشجاعتها هي البقاء والزواج منه.
يُمكن لعيون اليزابيث المغايرة وهي تتطلع لأشخاص عالقين بحكاياتهم الشخصية ومختبئين بها من سردية وطنهم الجمعية والمُثقلة، أن تُخبرنا بالكثير عن تاريخنا الذي عشناه كمُسلمة بينما كان خيارًا مفروضًا علينا أو حصارًا لقصتنا الشخصية وفرادتها.


بعيون اليزابيث يُمكننا رؤية الأب ( راغب ) باعتباره كاريكاتير كتبه أديب مثل كافكا ينتمي لامبراطوريتها النمساوية القديمة، عن رجل استيقظ ذات صباح وقرر ألا يذهب إلى عمله لأنه قال منذ سنوات طويلة كلمة (فساد) في التلفاز ولأنه يعلم أن سلطات بيروقراطية لا وجه ولا إسم لها سوف تٌحصي تلك الزلة، وتحاكمه عليها بدون تهمة. لذلك يُقرر راغب أن يعاقب نفسه - مثل جريجور في قصة كافكا (المسخ)- بسُكنى منزله وسجن نفسه قبل أن يعاقبوه.
يسهل بعيون إليزابيث أن تُروى شخصيات مصرية، رأيناها دومًا بعيون الاعتياد وقمنا بتسكينها بسهولة في سردية جمعية لا تقبل المُساءلة باعتبارها شخصيات على مسرح يوجين يونسكو الاوروبي العبثي. يُمكن أن يتغير مصيرها إلى الأبد بمفارقة تافهة.
القصص: من يروي تلك الحكايات؟
لم يكن أحمد ليسافر النمسا أو يطارد أحلام العزف، لو تهشمت يده في عراك مراهق على يد مُتنمر الحي ( لولو )

لم يكن أحمد ليسطر اسمه على باسبور مُتجه لأوروبا، لو جاء خطاب الاستدعاء له لا لأخيه التوأم، كان يُمكن أن يُسطر الإسم ذاته على شاهد قبر عسكري
في نهاية فيلم القصص، تكتب إليزابيث كتابًا عن أسرة زوجها، وتصف بيته بعبارة تؤطر هذه الخفة العابثة والكافكاوية السوداء التي يسهل رؤيتها بعيون الغريب عنا، تصفه أنه ( بيت المرح )، حيث كل شيء مُمكن وكل شيء مستحيل كذلك، لإن قصتنا الشخصية لا نكتبها نحن، إنما تُقذف مثل حجر في مهب الريح، تطيرها رياح الأحداث الجسام والسردية الجمعية للوطن، ولا ندري على أي بر سوف ترسو؟!

لذلك تتشرب إليزابيث هذا العبث حتى الثُمالة، وتحتفل أخيرًا بنجاح زوجها في عزف لحن يكفل له صورة مع الرئيس، لإنها تدرك أنها في قوانين هذه البلاد المثيرة التي تعيش فيها، تلك الصورة سوف تكفل لزوجها قصته التي سيرويها حتى يموت.
لم يتخذ أبو بكر شوقي هذا الخيار بأن تحكي اليزابيث القصص بشكل كامل، ولم يتخلى عنه كذلك بشكل كامل، ولذلك تشوش المتلقي بين أحداث، كانت لتبدو مثالية لو حكتها إليزابيث أو روتها من منظورها، لكن الأحداث نفسها سوف تبدو تسطيح وتعليب لمتلقي غربي لو رواها أحمد أو شخص من مصر.
يصل هذا التشوش في تحديد الراوي إلى أقصاه، عندما ينسب المخرج قدسية الراوي وعبء الحكائية للأم ( فيروز ) حيث ندرك أن الشخص الذي يختفي معظم اليوم في المطبخ، ويقضي الظهيرة يركل فرن الغاز، هو الحكاء الخفي الذي يجلس في المساء ويكتب ما حدث في أجندات تُخفيها بعناية أسفل فراشها.

حين يولد روائي يحل الدمار على الأسرة

تبرر فيروز إخفاء أجنداتها وقصصها بعبارة شهيرة تُنسب إلى الأديب سول بيلو يقول فيها:
"حين يولد روائي يحل الدمار على الأسرة"
تبدو تلك العبارة شديدة التكلف عندما تخرج من أم مصرية عادية، لأنها عبارة أنيقة أدبيًا، لا تتحدث عبرها الأم عن خوفها من امتهان أبنائها مهنة بلا مستقبل مثل الكتابة، لكنها تُعبر عن جوهر الفكرة التي يمثلها فيلم القصص.
إذا ولد أديب في عائلة أو في وطن سرديته الجمعية مثقلة ولا تسمح للأفراد بسرد حكاياتهم الخاصة، يُمكن أن يحل الخراب على يقينياتنا الجمعية، عندما نقرأ رواية ذلك الأديب ونعلم أن بعض المصريين رقصوا من الفرح لأنهم هربوا من التجنيد في زمن الحرب، وبعضهم كان يرتعد من انتفاضة الخبز ويتمنى البقاء في المنزل، وأن بعض الآباء استخدموا لافتات تاييد الزعيم التي نشروها في الشُرفات، كقماش مُعتم كي يغطوا به النوافذ ويتقوا شرور الغارات التي جلبها على رؤوسهم تهور نفس الزعيم.
هذا هو معنى فيلم القصص، هذه القصص هي ما يختفي إذا وجدت قصة واحدة للوطن، وسردية جمعية عملاقة تبتلع حكايات وذاتية الأفراد. وهو ما نراه في النهاية، عندما يُحقق الزمالك انتصاره الأهم في اللحظة التي يُقرر فيها آل راغب توثيق أنفسهم باعتبارهم العقبة في طريق انتصاره، والاختفاء من أمام الشاشة بقصصهم وأحلامهم وحماسهم، والرضا بفوز فريقهم حتى لو كان ثمنه غيابهم هم.
القصص: من يروي تلك الحكايات؟
امتلك أبو بكر شوقي مددًا من قصته الذاتية وذكريات تعارف أبيه المصري على أمه النمساوية، وامتلك جرأة أسلوبية في سرد الأحداث بحس ساخر يقترب من الكوميديا السوداء. وتورط في تصوير كاريكاتورية سردياتنا المُمجدة عندما تروى من منظور أشخاص قضوا حيواتهم هربًا من أثمان تلك السرديات التي يدفعوها من أعمارهم. 
لكنه قال كل شيء، ولم ينسب تلك الأسلوبية لراوي راسخ. يُمكن أن يمنح ما يقوله عيوب منظوره وفرادته. وهذا ما جعل فيلمه سردية تسبح في فضاء ولا تقودها مركبة، وجعلها ملعبًا مفتوحًا لكل اتهامات التبسيط والسذاجة والكاريكاتورية والاختزال وضعف التوثيق.
صنع أبو بكر شوقي كل الأثر الذي يخلقه ولادة كاتب في عائلة، سواء عائلة شخصية أو عائلة وطن، لكنه لم يُظهر هذا الكاتب بما يكفي. ولذلك يبقى عنوان الفيلم شاهدًا على ذلك القصور. فهي قصص، بغياب ألف لام التعريف، بعض مشاهدها قد تبدو مثالية لو ظهر روايها، وبعض مشاهدها يبدو كارثيًا لو نُسبت لراوي آخر. بعض كادراتها تبدو ديكوراتها فقيرة وغير واقعية لو نُسبت للواقع، لكنها كذلك قد تبدو مثالية لو نُسبت لفكرة أنها مُستدعاة من مبالغات الخيال أو ضباب الذكرى.