يحكي «سيف» لصديقه عن مرة كان فيها مُفلسًا في برد «جليم» القارس، ومُحطمًا من قصة حُب فاشلة، عندها ألقى العُملة الوحيدة في جيبه في «بئر مسعود» وتمنى أُمنية.

بينما يواصل «سيف» سرده ينتقل «خيري بشارة» بالكاميرا للسماء، ليؤطر عصفور طليق يطير بحُرية. ثم يعود بخفة إلى بطله «سيف»

يُخبرنا «بشارة» بذلك الفاصل الجمالي عن جوهر «بطله» عُصفور طليق، يُمكنه أن يُقايض جوعه وإفلاسه وقرشه الأخير بأمنية خيالية. يجد «سيف» حُريته في أحلامه التي يُمكن أن يكون فيها أي شيء.

يُخبر صديقه أن أمنيته تحولت من قرش ممسوح في بئر مُقفرة إلى فتاة خمرية تُشبه الحوريات قابلها في متجر مُثلجات متواضع، ومن يومها سكنت أحلامه، وظل يبحث عنها في الشوارع والأغاني.

في لقطة مُتقدمة من الفيلم سيجد «سيف» الفتاة، سيجدها فتاة عادية، لا تتذكر حضورها بأحلامه، ولا تعرفه، ستقذفه بالآيس كريم ظنًا منها بجنونه، يُخبرنا «بشارة» أن الفتاة التي شغلت أحلام سيف عادية، ليست حورية، ولا جنية، لكن ذلك لا يهم، ما يهم هو الخيال الذي أسبغه «سيف» عليها وكيف كان هذا الخيال زاده ليواصل البحث عن أحلامه الأخرى.

يُسبغ «سيف» خياله على جراج خشبي في المعادي فيتحول إلى غرفة نيويوركية، يُسبغ خياله على دراجة بُخارية يقوم عبرها بتوصيل شرائط الكاسيت بسترة شتوية فيتحول إلى «جيمس دين» بينما تتمايل الفتيات هيامًا بوسامته.

عندما نرى «بدرية» نجد فتاة جميلة، ترتدي ثيابًا وتضع مساحيق زينة تمنحها أناقة زائفة، اطلالة مُقلدة بعناية بماركات رخيصة وليست أصلية، تعمل بدرية في «ماستر» محل تسعيناتي شهير بين القاهرة والاسكندرية، عالق مثلها بين عالمين، حقيقتها المتواضعة وتجملها الزائف.

في مشهد تقبل تودد رجل ثري يُثمن تجملها وأناقتها، وفي المشهد التالي تنهر أمها التي تعمل في دورة المياه لأن حضورها المتواضع كعاملة نظافة في قلب المحل الأنيق يُفسد تجملها الزائف.

يدس «خيري بشارة» بعناية مقصودة أو غير مقصودة، فاصلًا جماليًا بين المشهدين، لوحة كيتش في دورة المياه لقرد يتظاهر بأنه انسان، يرتدي ثياب البشر ويقرأ الجريدة في دورة المياه.

مشهد من فيلم "آيس كريم في جليم-1992"
مشهد من فيلم "آيس كريم في جليم-1992"

تتماس اللوحة مع الحالة الداخلية لبدرية، كينونة تتجمل ولا يُزيدها تجملها إلا زيف وقلق من أن تتبدى حقيقتها التي تكرهها. فيراها العالم كحيوان أدنى مٌثقل برغباته ومخاوفه، حيوان يتظاهر بكونه انسان.

يحيا «سيف» و«بدرية» قصة حُب جامحة امتدت لسنوات، يبدوان مُتشابهان، يذوبا في رقصة رومانسية ويختلسا مُكالمة تليفونية يقضياها في تبادل الأغاني.

خلف سيف يوجد مُلصق لألفيس بريسلي، يتمثله باعتباره قادم للعاصمة بكلمات جديدة ستغير مشهد الغناء للأبد مثلما فعل ألفيس، بينما خلف بدرية مُلصق لمادونا، أيقونة الأنوثة الطاغية التي تؤجج رغباتها وتُشبعها ولا تتكلف عبء اخفاءها. تتمثلها كأمنية لفتاة تقمع رغباتها منذ طفولتها ولا تٌشبعها إلا خلسة

يخوض كليهما الحياة كانعكاس لمُلصق على حائط، رغبة في استدعاؤه للواقع، لكن يتبدى ببُطء الخيط الهش الفاصل بينهما. سيف طائر حالم يُضفي أحلامه على الواقع، أما بدرية ترى ذاتها في صورة حيوانية أقل رومانسية، فأر خائف يختبيء من واقع يُهدده عبر فاترينة أو مُلصق زائف. عبر التظاهر بنقيض ما هو عليه.

عندما تستعيد طفولتها، تُخبر «سيف» عن فتاة في الخامسة عشرة تتحرك مثل فأر مُرتعد في البرد لتجد وظيفة تسد جوعها. يُضمد «سيف» أوجاعها بكلمة حُب، يُرمم كلماتها التي تفسد حالة الحلم، ويستعيدها من جديد لعالمه. بينما هي تستمر في مُساءلة هذا العالم وحالته الحالمة.

عندما تجد أمها الأقراص التي تفضج مُضاجعاتها الغرامية، تُسائل ابنتها فتخبرها «بدرية» أن حبيبها يُلبي بعضًا من رغباتها المقموعة بينما هي تأمل فيما هو أكثر.

الحلم يُمكنه أن يهزم الواقع، لكن التظاهر يخضع دومًا لإرادة الواقع والقوالب التي يفرضها عليه. لذلك كان سيف الأصلح ليكون بطل النهاية السعيدة للحكاية وكان لابد أن تكون بدرية ضحيتها.

كل إمكانيات الفيلم مُسخرة ككادر جمالي ينتظر سيف كأمير قادم من عوالم الخيال لاحتلاله وتثويره ليقودنا جميعًا خارج واقع استهلاكي نحو غناء فرداني ثوري يُمجد الأنا الحالمة التي تغزو بموهبتها كل سجن.

كلما شاهدت «آيس كريم في جليم» أقترب من «بدرية» وأتعاطف معها أكثر كشخصية أكثر جمالية وتركيب وتراجيديا من سيف.

مشهد من فيلم "آيس كريم في جليم-1992"
مشهد من فيلم "آيس كريم في جليم-1992"

في بوحها لحبيبها ترى نفسها منذ طفولتها فأر خائف يحاول انتزاع الفُتات من العالم لينجو، وفي بوحها لنفسها لا تغني كلمات حبيبها التي يعلن فيها عن فرادته وقدومه للعالم بما سيغيره للأبد بل تؤكد عاديتها، وتنزع عنها هالة الحلم والملائكية:

انا عمري ما كنت ملاك بيطيرانا بنت عادية لا عايزة اميرولا حد يلومني ان سبت حبيبيمانا اصلي فقيرة وهو فقير

بينما عندما يتودد لها زبونها الثري، يُخبرها أن أهم ما لاحظه فيها هو عيناها، عيون شهوانية، وقحة، تُعلن عن رغباتها، مهما أبدت كلماتها حذرًا وتحفظًا.

تبدو «بدرية» مثل كينونة مُرتعدة تُجيد الاندماج في أي حالة تمنحها بعضًا من أمان وُتلبي بعضًا من رغباتها التي أنكرها عليها العالم دومًا، يُمكن أن تُشارك «سيف» أحلامه لسنوات لترى ذاتها جميلة بعينيه، يؤمن لها سيف المساحة النيويوركية لتتصرف فيها مثل مادونا الجامحة التي أحبتها دومًا والتي لا يُمكن أن تتمثلها في حي الضاهر الشعبي الذي يحتضن أسرتها ونشأتها

مشهد من فيلم "آيس كريم في جليم-1992"مقترحة كصورة للثامبنيل
مشهد من فيلم "آيس كريم في جليم-1992"مقترحة كصورة للثامبنيل

يُمكن أن تتظاهر بدرية بالاهتمام بحديث زبونها الثري عن أسفاره ورؤيته الارستقراطية للعالم، بينما تأسره بعينان وقحتان تطالبان بنصيبها من العالم، والذي يُمكن أن يدفع الزبون فاتورته بلا قلق.

يصعب أن نُعبر عن «بدرية» بعصفور رقيق يبغى الحرية، أو حالة ملائكية لم تصمد طويلًا، ويصعب أن نراها مجرد فأر خائف يلتمس النجاة، أو امرأة جامحة تتوق لاشباع رغباتها. وهو الوصف الذي سيصدره عليها سيف بحُكم قاسي في نهاية الحكاية ليُخبرها أنها "عاهرة" وحسب.

تُمثل «بدرية» كينونة مُثقلة بالخوف، خوف مُلتصق بحقيقتها، خوف أن تُرى على تلك الحقيقة فتُلفظ للأبد خارج كل حكاية تحصنت بها.

خلف عيونها الوقحة تارة وتمظهراتها الأنيقة تبكي «بدرية» مرتين، مرة عندما سخرت أمها من علاقتها بسيف وانطلقت للغناء في الشرفة، لتُعري بقسوة كل حالات التظاهر التي اصطنعتها ابنتها لنفسها لتشعر بالأمان.

ومرة أخيرة عندما تم لفظها بقسوة من كل الحكايات التي انتمت لها لتجد حبيبها القديم يحقق وصال بين أحلامه وواقعه أخيرًا بينما هي قفزت قبل نهاية رحلته من عربة أحلامه فلم تنال نصيبًا منها.

مشهد من فيلم "آيس كريم في جليم-1992"
مشهد من فيلم "آيس كريم في جليم-1992"

لفظت كل الحكايات بدرية خارجها حتى بطلتها ذاتها لم تُحبها، تقول "سيمون" أنها أرادت دومًا تمثيل دور "آية" الفتاة البريئة التي آمنت بسيف وفازت بحُبه في النهاية، لم تُرد أن تكون بدرية، الدور الذي كان قاسيًا عليها في اداؤه

بينما منح «خيري بشارة» الحُرية الكاملة لعمرو دياب ليتمثل حالة بطله كعصفور حر أحلامه بسعة السماء، وسذاجته مُحببة لأنها تليق بحالم، تقول سيمون أن «بشارة» كان قاسيًا على تمثيلها لبدرية.

قبل تصوير مشهد بكائها، همس لها بشارة بقسوة:

«بابا مات خلاص مش هتشوفيه تاني»

تتذكر سيمون وفاة أبيها ولا يُمهلها بشارة فيقول:

أكشن

لتظهر بدرية وهي تبكي حُزنًاو خوفًا في نفس المشهد الذي تُخبر فيه بدرية أمها أن أبيها لم يكن موجودًا يومًا لأجلها، وأنها تحيا في هذا العالم دون أبوة تمنحها الأمان أو أمومة تمنحها الحنان.

يتحد الحزنان معًا، حزن سيمون وبدرية ليظهر مشهد أيقوني يجعل قلبي دومًا مٌشفق على بدرية التي قسا عليها الجميع ولفظتها كل الحكايات خارجها. لتتوحد حالة بدرية مع المكان الذي ظهرت فيه لأول مرة باعتبارها مُستراح بين مدينتين وحالتين متناقضتين تغلفهما الشعرية، بين واقع يُعريها وأحلام لا تكفيها. وخوف أبدي لم يُفارقها يومًا