في ملعب البيسبول، يعرض «رومان» على طفل مليون دولار مٌقابل ضربة مضرب واحدة موفقة، يكتب الشيك ثم يستعرضه أمامه، ينظر له الطفل بمزيج من الافتتان والخوف، لا يتحمل الطفل الضغط النفسي الذي حول لعبة طفولية مرحة لتذكرة المليون دولار، يفشل، بينما يُمزق «رومان» الشيك أمامه بسادية مُتلذذة.
بالنسبة للطفل لن يعود العالم أبدًا كما كان، الفردوس كان على بعد خطوة واحدة، لذلك تصير العودة للعالم العادي بعدها جحيمًا لا يُحتمل. سيظل يلوم نفسه للأبد، وعلى الأرجح لن يُمسك بالمضرب مرة أخرى إلا لتحطيم المرايا التي تصور نظرته المهزومة لذاته
يُقدم «رومان» العالم للطفل كلعبة قاسية، يُمكنها تحطيمه في ثوان، مجاز مُستعار من طفولته، عندما كان أخيه الأكبر يضعه في قفص الكلاب، يأكل من وعاءها ويحيا في مساحتها، مُنتظرًا ليعرف هل سينجو أم لا؟، لعبة ستجعل رومان يبول في سريره لأعوام، قبل أن يُرسله والده لمدرسة عسكرية ليخرج من طور طفولته للرجولة.
يُخبره الأخ الأكبر «كونور» أنه لا يتذكر القصة بشكل صحيح، أبيه هو من إخترع اللعبة، وكان يضعه في قفص الكلاب مع إخوته ليرى من منهم سينجو، يُخبره أخيه بتفصيلة مُرعبة أكثر، أن رومان لم يكن يكره اللعبة، كان يستمتع بها، وكان أبيه يكره إستمتاعه بالإذلال لذلك سيصفه بالكلب الأضعف، هذا هو سبب إرساله للمدرسة العسكرية بالأساس. وليس شيئًا آخر.
تبدو رواية «كونور» الأكثر صدقًا لأنه في مشهد آخر سنرى الأب العجوز وهو يحتجز أفراد شركته وأسرته بحثًا عن خائن سرب معلومة، وقتها سيُجبر بعضهم في لعبة مُقززة على التصرف كخنازير، سيلقي لهم النقانق، ليرى أيهم سيُطيع وأيهم سيرفض ويكون الخائن؟.
سُمي «رومان» على إسم روميليوس، القائد العظيم مؤسس الإمبراطورية الرومانية، إسم يوحي بثقل التوقعات التي وضعها الأب عليه، يأتي رومان الثالث بعد إخوته الذكور، مما يوحي بأنه أمل أخير للأب في ولادة إمبراطور بعد ما أنجب نسل ضعيف لم يرتقي لتوقعاته.
يؤمن رومان بتلك الفكرة، يعكس القسوة التي عامله بها الأب على إخوته، مثلما بحيلة دفاعية جعل أخيه «كيندل» صانع اللعبة القاسية في طفولته وليس الأب

رغم أن رومان الأكثر صراحة في تعبيره عن كونه ينتمي لعائلة مُحطمة نفسية، مُفعمة بالنرجسية والكراهية، إلا أنه الأكثر تطويرًا لحيل نفسية مُراوغة تُعفيه من مواجهة حقيقة أبيه.
طور رومان من الإذلال الذي وصم طفولته طريقة للوصال والتعبير عن الحُب، عندما لا يجاوز الطفل شعور بعينه، يسكن فيه، ويحوله لهوية، لذلك أحب لعبة القفص رغم روعها، مادامت طريقة لجعل الأب راضيًا، لن يُغادر «رومان» هذا القفص أبدًا، بل سيكون الحُب في عالمه هو دعوة الجميع لهذا القفص.
عندما يرغب في مُمارسة الحُب سيطلب من حبيبته أن تبدو كجثة، لتصير مُمارسة الحُب معها خطيئة وتابوه، مثلما كانت الذكرى الوحيدة التي شعر فيها بوصال أبيه، ذكرى موصومة بالإذلال من جلاد لحيوان.
سيمتلك ذخيرة من النكات الأوديبية حول مُضاجعة الأم والإخوة، سيتحقق بالنشوة الجنسية فقط عبر باب مُغلق وامرأة تُشبه أمه توبخه وتصفه تحديدًا بالكلب. تنويعات عن سياقات مٌخزية ومُخجلة، لكن الخزي هو العاطفة التي استبدلها رومان بالحُب، معها فقط يشعر بشيء.
يُقابل رومان السادية التي صنعها الأب له بماسوشية مُتقبلة ومُستسلمة، لذلك لن يُجيد وصال الحب إلا في صور التابوه أو باعتباره خطيئة مُختلسة، لأنه لا يرى ذاته من الأساس كموضوع جدير بالحُب، إنما ككلب ضعيف، لا يُجيد منح الحُب واستقباله إلا بتلك الطريقة
لا يدور الجنس في طبيعته إلا حول الإتمام الجسدي للوصال المعنوي، ورومان لا يُجيد الوصال لأنه لا يرى ذاته تُساوي الآخر، هي دومًا في مرتبة أدنى، على الآخر أن يُهيمن عليه ليشعر رومان بأمان القفص الذي لم يغادره من طفولته أبدًا. الحيلة النفسية الوحيدة التي يُمكنه عبرها وصال صورة أبيه، وحُبه عبرها. لأن رومان لا يقوى على حُب أبيه بمنافسته وبكرهه مثل كيندل. أو باعتناق هوية مُتحدية مثل شيفون التي تختار كل السياقات التي تستفز الأب لتثبت له نديتها.
كل صور الهيمنة التي حاول رومان اصطناعها ليكون فيها الطرف الأعلى كانت مُثيرة للشفقة بقدر ما بدت مُتحدية، مثل الوقوف أمام نافذة ليرى نيويورك، ثم الإستمناء في مواجهتها، أو وضع طفل صغير في تحدي يُحطمه، بتحويل لعبة مرحة لمنافسة على مليون دولار
عندما يُصاب الأب بالسكتة الدماغية، يُلح رومان على «غريغ» ليجلب له سُترة تحوي رائحة أبيه، طريقة تُشبه طريقة الكلاب في وصال أسيادها عند غيابهم
عندما يتحد رومان أخيرًا مع إخوته في مواجهة أبيه، لا يجد صيغة لإعلان تحديه إلا تعبيره عن الحُب، الحُب الذي لابد أن يُجبر أبيه على قبولهم، يسخر أبيه من اللفظة ذاتها التي لا يُمكن لشخص استخدامها في مُبتدأ معركة.
عندما يلطم الأب رومان، يفزع إخوته لنجدته بينما لا يُبدي أي تعبير مُتمرد، يُجيد الإنفصال نفسيًا عن الحدث كأنه لا يخصه، لإن الإذلال لم يعد معركة عليه مواجهتها، إنما هوية كاملة عليه استبقائها رغم قسوتها، لإن عبرها يبحث عن الحب والقبول، لذلك يُدرك رومان أن ثمن انسلاخه منها هو مواجهة العالم بلا كينونة.
عندما يموت الأب أو الجلاد الذي لا يُدرك رومان هويته وكينونته إلا في محرابه، يفقد رومان المعنى، الصنم أو الألوهة التي يتوجه له بالإستسلام والخضوع. لذلك ينهار على منصة العزاء وهو لا يُصدق أن الإله يُمكن أن يحتويه تابوت خشبي هزيل، الآلهة لا تنام مُستكينة في التوابيت. الآلهة لا تموت

يبحث عن الحُب في حُضن أخيه العنيف الذي يُمزق جروحه ويُحطم ضلوعه، يحاول الأخ أن يلعب دور الأب، ويحاول رومان الخضوع لقوة جديدة، لكن يدرك رومان أن إخوته مثله، كانوا معه في قفص الكلاب يحاولوا النجاة، لذلك في استسلامه الأخير يترك نفسه لجموع غاضبة في الشوارع لتدهسه، عسى أن يشعر بشيء.
سُمي رومان على إسم بطل قديم صنع إمبراطورية من عدم، وفي المشهد الأخير يجلس رومان مُبتسمًا بلا إكتراث لشيء، على أنقاض امبراطورية لم تعد موجودة وإله لم يعد حاضرًا، وقفص بات مفتوحًا أخيرًا دون جلادين أو حراس، لكنه لا يُجيد بعد الخروج منه.




Comments
Sign in to join the conversation. Sign In
No comments yet. Be the first to write one.