طرحت علاقة الطبيبة النفسية «ميلفي» بمريضها زعيم مافيا نيوجيرسي « توني سوبرانو » في مُسلسل سوبرانوس عدد جميل من المُعضلات الأخلاقية ، كان أجملها و أكثرها قسوة لما تعرضت الطبيبة «ميلفي» لإغتصاب وحشي و لم تستطع إثبات التُهمة على مُغتصبها ، و بات عليها مُعايشة فكرة إن الفتى الذي إغتصبها يحيا طليق بنفس مدينتها ، يسير جوارها في الشوارع ، حر و يستمتع بحياته .
لم تستطع سُلطات القانون المُتحضر أن تقتص لها ، و لم يستطع طليقها المُتحضر و أبو إبنها أن ينتقم لها ، تُدرك ميلفي إنها لو أخبرت مريضها توني سيسحق بسُلطته الفتى في لحظة ، عدالة ناجزة وحشية لكنها تعلم أن ثمنها الأخلاقي هو خسارة سُلطتها الأخلاقية كطبيبة نفسية و كإنسان ، و إنتصار شريعة الغاب و منطق القوة الذي يحكم عالم توني .
تذكر أن المشهد الأول في فيلم « الأب الروحي » يدور حول المُقاربة ذاتها ، الأب المكلوم بوناسيرا يطلب من دون كورليوني العدالة لإبنته التي تم إنتهاكها و لم يمنحه القانون عدالة و قصاص ، في حضرة الأب الروحي يُعلن بوناسيرا أن الحلم الأمريكي و الدستور و العدالة المتحضرة خذلته و يتم تعميده بالعودة للعائلة كما تعود النعجة الضالة للكنيسة ، إختار كوبولا ترسيم سُلطة آل كورليون بجاذبية شريعة الغاب أمام قانون مُتخاذل ، بعائلة هي أهم من المجتمع و عدالتها فعالة عنه و أكثر سرعة ، تذكر كذلك أن المافيا الحقيقية عاونت الحُلفاء بمنطق براجماتي على إنزال قواتها في صقلية خلال الحرب العالمية الثانية . عدالة وحشية ناجزة في عالم فقدت فيه قوانين التحضر قدرتها على كبح جماح ألمانيا
في المشهد يُجسد توني كل المعاني البدائية التي تفتقدها ميلفي ، الذكر القوي الحامي المُشفق الغير مُكبل بأخلاقياته وتحضره ، الوحش الذي يتوسل لها غضبها أن تُطلقه من عقاله ، لا تقول ميلفي جملة واحدة ، يدور كل هذا الصراع بداخلها حتى يُفلت في صورة نشيج و بكاء دون سابق إنذار .
بوجه مليء بالندوب و جسد تم إغتصابه و روح مُحطمة ، تجلس ميلفي مؤسسة سُلطتها الأخلاقية كطبيبة شافية لا ضحية ، يحاول توني مُعانقتها لتهدئتها فتخبره بصرامة أن يعود لمكانه ، تعلم جيدًا أن روحها أقرب للإستسلام و أن دفعة أخيرة و ستخبره بكل شيء لذا تتمسك بالمسافة بين كرسي المريض و المٌعالج ، بسلطتها الوحيدة كطبيبة مُقدمة للشفاء ، هي ليست الضحية هنا مهما أخبرت ندوب وجهها عن كونها حٌطام ، يُخبرها توني أنه يمكنه الإنصراف و تُخبره أننا يجب أن نُكمل
تعلم ميلفي أنها لو لم تُكمل جلستها ستظل حبيسة في دور الضحية للأبد و لن تُشفى أبدًا ، بثمن باهظ تنحاز ميلفي لعدالة عالمها ، للأخلاق التي تُميزنا عن الحيوان حتى لو كانت العدالة التي أنتجتها منظومتنا الأخلاقية عدالة عرجاء ضعيفة بيروقراطية مُثقلة بإجراءات كفتحات التصريف ، يُفلت عبرها مجرمين أضعاف من يتم إمساكهم ، لكنها بديل أكثر إنسانية من غابة لا نجاة فيها لأحد.
يمنحها توني إغراء أخير و يسألها هل ترغب في قول شيء ؟
تصمت طويلًا
و تقول : لا
مركزية و جمالية المشهد أنه تأسيس نقيض لمشهد البداية في الأب الروحي ، تقبل ميلفي أن تلعق جراحها بنفسها و أن تحيا للأبد بجرح إغتصاب يُمكن أن يشفى بالزمن بدلًا من القفز على جواد الغضب نحو ظفر شخصي خاتمته هزيمة أخلاقية و سقوط لا شفاء منه.




Comments
Sign in to join the conversation. Sign In
No comments yet. Be the first to write one.