في الأساطير اليونانية، ينجح «كرونوس» في إنقاذ عائلته وإخوته بفعل مُرعب وهو اخصاء أبيه، ليصير بعدها مؤسسًا للعصر الذهبي لمملكته، لكن يظل شبح ما فعله حاضرًا في قاع روحه، لذلك عندما يُنجب، يُقرر كرونوس إلتهام أبناؤه حرفيًا، واحدًا بعد الآخر، خوفًا من أن يحيا أحدهم ويصلب عوده بما يكفي ليقوم باخصاؤه وإزاحته عن العرش.
ينتهي جحيم كرونوس عندما تُلقمه زوجته «ريا» حجرًا ليلتهمه بدلًا من أحدث أبناؤه، يكبر الابن بعيدًا ثم يعود لقتل أبيه وإنقاذ إخوته من جوفه، سيصير هذا الإبن فيما بعد «زيوس» كبير الآلهة.
لا يُخفي «لوغان روي» طوال المُسلسل أنه كرونوس، وأن شهيته مفتوحة طوال الوقت لإلتهام أبناؤه،
في جلسة نفسية تجمعه مع أبناؤه، يطلبوا اعتذارًا واعترافًا بخطاياه، يطلبوا تعبيرًا عن الحُب فيُخبرهم:
لماذا لا تفهمون جميعًا أن هذا جُزء من اللعبة؟
قام كرونوس بإخصاء أبيه ليُزيح طغيانه، وهو فعل مُزلزل عبر عنه فرويد في «الطوطم والتابو» بكونه الفعل الذي صنع الحضارة وتقييداتها، اجتمع الأبناء في كل قبيلة لقتل الأب الذي يحجز عنهم كل نساء القبيلة، وبعد قتله تنتاب الأبناء غشية الذنب، فيعبدوا الأب الذي قتلوه.
يقول فرويد:
“You wanted to kill your father in order to be your father yourself. Now you are your father, but a dead father.”
قتل كرونوس أبيه وحل محله، واستعد بقتل أبناؤه قبل أن يكبروا بما يكفي لقتله، حتى جاء زيوس وفعلها، يُدرك روي تلك الدورة الفرويدية وينتظر أن يظهر زيوس من بين أبناؤه ليقتله. لذلك أن يقف أبناؤه بين يديه ليطلبوا الرحمة والحُب، هو فعل لا يدل على الضعف وحسب إنما عدم فهم كامل للعبة التي يصطنعها الأب. لم يمنح لوغان لأبناؤه المال والقوة ليُعفيهم من الصراع إنما ليُعدهم له.
يقول يونج أن الأب يموت موتًا رمزيًا عندما يُمرر كل معارفه لأبناؤه، عندما يعرف الإبن كل شيء ولا يحتاج لمشورة جديدة من الأب. لذلك يصطنع لوغان روي جحيمًا دائريًا سيزيفيًا لأبناؤه، كلما اقترب ابن من كمال استعداده للخلافة يُحطمه الأب، ليعود الإبن لرسم الدائرة من جديد، لأن الأبناء لا يُمثلوا إلا الموت الرمزي القريب. لا يرى روي في أبناؤه إلا شواهد قبره مُتحركة حوله، عليه تحطيمها ليعيش. أو تُحطمه هي.
يعلم لوغان أن أبناؤه ليسوا قتلة بما يكفي، لا أحد يمتلك شخصية زيوس ليُحطمه، وهذا يجعل الحكاية بأكملها لوحة واحدة ثابتة ومُملة لكرونوس وهو يلتهم أبناؤه.
يخبر كيندل كل امرأة يُحبها أن أبيه يُحبه لكنه فقط يُحبه بالطريقة الخاطئة، بينما كل امرأة تُخبره بطريقة أو بأخرى:
هو فقط يُحبك مُنكسرًا
لأن لا شيء يُنعش لوغان روي مثل شاهد قبر عليه صورته وإسمه لكنه مُحطم، يشبه الأمر نشوة البعث لأحدهم من الموت، في صراعه مع أبناؤه، يذبل الأبناء ويتحطموا، بينما يُزهر كرونوس، لأنه يحيا بهذا الصراع، فهو خُلق على صورته.
عندما يطلب الأب من الإبن الذي يُحبه أكثر من الجميع التضحية بنفسه لأجله، يستدعي أسطورة الإنكا القديمة عن تقديم الحاكم لإبنه كأضحية للشمس في أوقات الجفاف والعُسرة.
يستسلم الإبن لمصيره كمسيح، بينما لسان قلبه يكاد يهتف:
إلهي لماذا تركتني؟
يقول عالم الآثار «خوان شوبينجور» أن أهم شرط في أضحية الشمس أن الطفل المُختار يكون الأكمل، الأفضل، والأقرب للحاكم. ينتعش «كيندل» ويرى في تضحية الأب به فعل حُب، يسأله:
هل كنت سأنجح يومًا في خلافتك؟
يُخبره الأب أنه ليس قاتلًا بما يكفي، يرفض الأب أن يمنح إبنه الإمتياز لأنه استسلم، يُريد الأب تضحية إغريقية، تضحية بالقتال، وليست تضحية مسيحية، بالإستسلام. لذلك يبتسم لوغان بسمة رضا وحيدة خلال المُسلسل بأكمله لكيندل، عندما يراه يتمرد عليه ويفضح الأب علنًا أمام شاشات التلفاز. فرغم كل شيء، قرر الإبن أن يقاتل.
تقول الأخت شيفون لكيندل:
أنت تجد صعوبة في التوفيق بين رغبتك في عبادة أبيك وفي قتله.
يحكم هذا التناقض الفرويدي الأبناء جميعًا في علاقتهم بالأب. الأبناء مُصممين لمعركة لم يختاروها، و الانتصار فيها يكون بقتل الكيان الوحيد الذي طلبوا قبوله. لا أحد يُريد أن يكون زيوس، وكرونوس لن يمنح قبوله إلا لقاتله.
في النهاية يقول كيندل:
أنا مثل عجلة مُسننة لا تُناسب إلا آلة واحدة، لو لم أخلف أبي سأموت.
ينتهي الأبناء لمقلوب زيوس، يتحطم كيندل، ويُعاني رومان من عجز وخصاء عن وصال أي امرأة لأن الإذلال هو المادة الوحيدة التي يفهمها عن الحُب، بينما الإبنة تعزف عن مخاطرة الحب وتختار رجلًا تُجيد إذلاله، خوفًا من أن يخونها يومًا.
يمثل الإخوة الثلاثة عجز المرء عن أن يكون قاتلًا، وعجزه عن أن يكون طيبًا، يسكنوا جميعًا مُطهر أو أعراف بين الجنة المُمثلة في الخروج من عباءة الأب والجحيم المُمثل في قبول قتل الأب وخلافته. هذا مصير الأبناء منذ الحلقة الأولى وحتى الأخيرة وفيما بينهما محاولات للطيران مثل إيكاروس نحو الشمس بأجنحة من الشمع كل مرة تذوب قبل الوصال.
لا تدور تلك الأساطير الإغريقية إلا في عائلة رأسمالية حديثة في الولايات المُتحدة، التي أتاها الأب وهو طفل خائف مع أخيه في سفينة مُهربة بصعوبة من رادرات البحرية النا$زية، مثلما جاء فيتو كورليوني طفلًا خائفًا بعد مقتل أبيه في صقلية.
تبدو أمريكا دومًا البيئة المثالية لاستضافة دراما إغريقية تارة وشكسبيرية تارة، لأنها الكيان الوحيد الذي سينظر بإعجاب لا إدانة لكرونوس أو زيوس، لكل من يفهم لعبة القتل والإبادة لإنجاز شيء عظيم، لأنها كيان تأسس بتلك التضحية. فأمريكا صنعها هاربون في قوارب من قارة عجوز، ثم قتلة ابتلعوا كل قبيلة مثلت حياتها واستمراريتها تهديدًا لوجودهم.
يختار لوغان روي مقبرته كبناء فوق الأرض لا أسفلها، لأنه لن يموت، فهو يٌشبه الآباء المؤسسين، إرادة صلبة وخلاقة ودموية وقاتلة، لكنها تترك حضورها منقوشة على وجوه الجبال، لا مُدانة ومُحتقرة في باطنها.
في أسطورة زيوس، تُنقذ الأم إبنها وتمنح الأب حجرًا ليبتلعه، وفي أسطورة لوغان، يختار دومًا نساء قويات، لكنه يُحطمهن جميعًا قبل أن يبلغن تلك الخطوة، تقول الأم ببرود مرير لإبنتها:
وجب علينا تربية الكلاب، بعض البشر لم يكن مُقدرًا لهم أن يكونوا آباء أبدًا.
تٌخبر الأم الإبنة أن الحكاية بأكملها تراجيديا لن يمنعها شيء من الإكتمال حتى موت الأب، لأن كرونوس كان يجب أن يكون ذكيًا من الأساس ليرفض إنجاب أبناء يعكس عليهم خطيئته ورؤيته للعالم، كقتال في الوحل حول سكين. لذلك يحيا الأبناء بعد موت الأب في عدمية وخوف ورغبة في الإنكار والإدانة والوصال، مشاعر تُشبه تصوير نيتشة للبشر بعد موت الإله الذي منح لعالمهم المعنى والجحيم.
في الحلقة الأخيرة ينهار رومان وهو يُخبر أخته أن لا شيء يهم، لا نحن ولا العالم ولا الصراع بأكمله، بينما يٌشاهد كيندل الغروب بحُزن مُتابعًا غروب كينونته ليحيا للأبد كقطعة زائدة عن حاجة العالم، تحطمت الآلة المناسبة لها، وأخيرًا تتحسس شيفون بطنها وهي تستعد لإنجاب إبن جديد يرث الإمبراطورية، وتتأمل زوجها مُتسائلة:
هل يملك الشجاعة ليكون كرونوس ؟ وهل تحمل في أحشائها زيوس؟ وهل اللعبة يُمكن أن تنتهي يومًا




Comments
Sign in to join the conversation. Sign In
No comments yet. Be the first to write one.