في فيلمArrivalتُحقق عالمة اللغويات «لويز بانكس» وصالًا فريدًا مع مخلوقات غير أرضية، لا يتحدثوا لغُة تخضع لنظام، لغة تبدو معها المعاني حُرة من أي بنية تُقيدها،
كل ترتيب يخضع للزمن، البداية والنهاية أقواس تٌخضع ما بداخلها لإيقاع مُنظم، إذا انفلتت المعاني من الأقواس، يصير الماضي والمُستقبل لحظة واحدة، وهو ما تختبره لويز في النهاية عندما ترى حُبها لإبنتها وفقدها لها، مُتجاوران، لا يفصلهما خدعة الزمن أو أحلام المُستقبل.
مشهد من فيلم "Arrival-2016"
مشهد من فيلم "Arrival-2016"
في فيلمshutter islandلا نقع تحت رحمة وصال فريد مع مخلوقات أخرى، إنما نقع أسرى عقل رجل مُعذب بفقد أسرته، لا ندري هل نحيا مؤامرة حقيقية يتعرض لها، أم نحيا هلاوس تحدث في رأسه وحسب. لا يحدد ماضي الفقد هنا، رُهاب البطل «تيدي» في لحظته الحاضرة وحسب، إنما سيرسم مُستقبله، باعتباره رجل عاطب، لحظة قبوله الوحش الكامن في نفسه، و أنه ربما هو من قتل أحباؤه، هي لحظة تحرره منه.
مشهد من فيلم "Shutter Island-2010"
مشهد من فيلم "Shutter Island-2010"
ما يجمع «تيدي» و «لويز» في الحكايتين، ليس إلا الموسيقى، تحديدًا مقطوعة ماكس ريخترnature of daylight
كتب ماكس ريختر مقطوعته عام 2004، باعتبارهاPalindrome musicموسيقى تبدو متطابقة ومتناظرة، لو سمعتها من الأمام للخلف، أو من الخلف للأمام، كأنها متاهة أو فخ جمالي قوامه الحنين على صوت الكمان الحزين. مُطهر و أعراف بين جنة وجحيم، كلما ظننت أنك عبرته تجد نفسك تعود إلى نُقطة البداية مُجددًا.
لم يكن صعبًا أن يُعير ماكس ريختر هذا الفخ الجمالي، إلى حكاية لويز أو تيدي، لإن قطعته تستطيع بخفة إخضاع الزمن عبر محوه بالكُلية، لإنها قطعة لا تعد بوصول، إنما بحركة مُستمرة يبدو فيها الوجهة و المُنتهى في نُقطة واحدة، مثلما تراءى لروح لويز ميلاد ورحيل ابنتها في آن، و مثلما أدرك تيدي أن الوحش الذي يراه في الجميع، ربما لا يُغادره أبدًا، لإن صرخته تنبع من داخله، ربما هو الوحش، وهذا انكشاف لن تجبره رحلة أو رحيل، لا أحد يفر من نفسه
يعترف ريختر أن موسيقاه في جوهرها هي عُنف جمالي، يقول:حاولت أن أصنع إشراقة موسيقية باستخدام أكثر الأدوات ظُلمة.
كتب ريختر تُحفته في أعقاب جنون حرب العراق، باعتبارها موسيقى اعتراضية، على حرب تكتسح الجميع دون منطق، مثل فخ مُروع، لا أحد يعرف بدايته، ولا أحد يُمكن أن يتنبأ بنهايته، رحلة كل ركابها عالقين، الذين ذهبوا للقتال، والذين استقبلوا الغازي.
كل مرة أسمع فيها المقطوعة، يتملكني شعور عنيف بالكلوستروفوبيا، رُهاب الأماكن المُغلقة، الكمان يُغلق بنغماته كل طريق للخروج، كل تل تصعده بروحك على سلالم النغمات، يُعيدك إلى القاع الذي بدأت منه، فيما يخالف كل قواعد الفيزياء، كأنك سيزيف، وكل ما حولك عقاب الآلهة على خطيئة لا تتذكرها.
ولكن مع مرور الزمن - أو بالأحرى اختفاؤه - يتملكني شعور بالسلام، ليس أُلفة للمتاهة بقدر ما هو قبول للحياة كترحال بلا خريطة، لأنه لو لم تكن كل نُقطة تبلغها وصول، فهي ليست كذلك مُنتهى يُمكن أن تستسلم عنده.
في عام 2018، تحولت مقطوعة ريختر إلى كليب موسيقي، تسير فيه الممثلة اليزابيث موس، على غير هدي، بملامح مُحايدة، ثم قلقة، ثم هلوعة، تستسلم أخيرًا للبكاء ثم تُكمل سيرها بعد تطهرها الكامل من كل ما بداخلها
يصف كثيرون تجربة الاكتئاب بأنها مثل هذا السير، لا ينتهي بوصول أو شفاء كامل، إنما قبول لما تحمله، و سلام ينبع من ادراك هاديء أنك يُمكنك أخيرًا السير بتلك الحمولة، دون أن تكره نفسك، أو تقتلها، أو تؤذي بها أحدًا
يُعلق المُستخدم@ryanbrowning5586على الفيديو بأن تلك المقطوعة أنقذت حياته بعدما خسر زوجته وإبنتها، بتجربة طلاق مُروعة، يقول:

في إحدى الليالي، شعرتُ وكأنني لا أملك شيئاً. جلستُ لساعات أبكي، وكنتُ أستمع لهذه الأغنية مراراً وتكراراً. لسببٍ ما، بدأتُ أشعر بالحزن يتلاشى، وشعرتُ براحةٍ تغمرني. تجاوزتُ أصعب ليلة في حياتي.



عندما شاهدت فيلم «هامنت» مؤخرًا، لم أتمالك نفسي من البُكاء عندما شاهدت أم تتقبل فقد إبنها أخيرًا على نغمات ريختر.
مشهد من فيلم "Hamnet-2025"
مشهد من فيلم "Hamnet-2025"
يرى كثيرون أن مقطوعة ريختر قد تم استهلاكها بنزق مُفرط، لاستغلال جودتها المؤكدة في استدرار الدموع في الأفلام السينمائية، ولكن للمفارقة يجد الفخ الجمالي الذي صنعه ريختر طريقه لاستنطاق ما لا تنطق به الحبكة، في كل مرة، دون أن يبدو اللحن نشازًا على جمالية العمل الذي يوظفها.
تؤطر نغمات ريختر، مأزق الأم العالقة في مأزق رفضها للفقد، و مأزق إبنها العالق في عوالم الظل دون أن يُدرك طريق العودة، حتى يبني الفن جسرًا للوصال بينهما في لحظة خارج الزمن، تمنحهما التسليم الكافي لقبول الفقد كجزء من نسيج العالم.
يُعلق المُستخدم@erazohar6731على مقطوعة ريختر، بأنها كانت ما منحه السلام كي يترك والده يرحل، يقول:

فقدتُ والدي قبل أربعة أشهر. توفي بمرض السرطان، وكنتُ ممسكًا بيده حتى آخر أنفاسه، قبل أن ينتقل إلى مكان أفضل، كما آمل.

علام تدور إذن مقطوعةOn The Nature Of Daylight ؟

هل هي عن قسوة الحرب؟ أم عن روع الفقد؟ أم عن رعب الوحش الكامن بداخلنا؟ أم عن اكتئاب يُفسد كل بوصلة، ويمحو نقاط المنتهى والوصول؟
لا أرى أن ريختر صنع فخه الجمالي لأجل إجابة بعينها، هو فقط حرر لحنه من بنية الزمن، ومن كل تراتبية تعد بخلاص، لم يعد مُمكنًا لكل من يسمع تلك المقطوعة أن ينتظر لحظة مثالية يُفصح فيها اللحن عن سره، أو كورس يُمكن أن نعود له مُطمئنين. هنا لم يعد هناك مفر من اختبار اللحظات كلها، النغمات كلها
عندما سُلبنا حريتنا الجمالية في اختيار ذروة بعينها أو خفة بعينها، بات علينا اختبار كل شيء، الجميل و المروع، دون أي وعود بزمن يُخفف من وطأة ما شعرنا به ، أو حتى يجعله بعيدًا في مستقبل لا نكاد نبلغه.
هذا ما يعنيه المُطهر ، مكان بين الجنة والجحيم، نشعر فيه بلفح النيران، وبنسائم الفردوس و الخلاص، كل شيء في آن. لكننا محرومين من نعمة سُكنى أي حال منهم.
هذا ما تعنيه كل لحظة في حياتنا الراهنة، نختبر فيها كل شيء دون أي وعود بخلاص، يكمن التناقض الجمالي هنا أننا بتحرير أنفسنا من الزمن، نشعر بثقل كل شيء. مثلما نشعر بالجنة والجحيم في المُطهر، مثلما شعرت لويز بميلاد طفلتها وفقدها في آن، مثلما شعر تيدي بالوحوش في عيون من حوله و في قلبه، مثلما لامست أغنيس طفلها في هامنت في ذات لحظة تسليمها بفقده
في كل حكاية من تلك الأفلام، لحظة ساحرة، كادر بديع يكسر فيه البطل حاجز الإيهام، ينظر إلى المُتلقي مٌباشرة، وفي عينيه قبس من أبدية
كل القصص تُحاول اختزال الأبدية في يوم، وبعض الألحان تُحاول اختزال الأبدية في لحن، مُنتهاه هو مُبتداه. يثقل علينا اختبار الأبدية في لحظات، ولكن هذا ما يعد به الفن دومًا. قبس من الفردوس، قبس من الجحيم، لإنسان عالق في أعرافه