عندما يحج المونسينيور الكاثوليكي العجوز «بيرت» إلى القدس، يتوه في عاصفة رملية، ليُقابل مصاص دماء مُجنح، ينقذه بمُهاجمته، يمنحه دماءه الخالدة ليتجدد شبابه. لكنه يجعله مثله شره للدم. يعود بيرت في صورته الشابة لجزيرته البعيدة وهو يصطحب المخلوق في صندوق مُغلق.

مشهد من مسلسل "midnight mass"صورة مقترحة ثامبنيل
مشهد من مسلسل "midnight mass"صورة مقترحة ثامبنيل

يُحول «مايك فلاناغان» قصة مصاصين دماء كليشيه مُملة إلى رعب أنطولوجي ملحمي، عندما يُخطيء بيرت في تأويل الأمر برمته، يرى المخلوق ملاكًا من الرب، ويرى في دماؤه الشافية المُجددة للأنسجة مُعجزة البعث المسيحية، ويرى نفسه مُخلص سيعود لجزيرته المنسية كمسيح، مثلما قابل «بولس» ملاك الرب في عاصفة وصارت الحادثة المروعة بوابة تعميده من جديد، لكن يتبقى الثمن المرعب في ميثولوجيا مصاصي الدماء، ثمن الخلود هو إحتياجك الدائم للقتل من أجل الدم، كيف سيؤول «بيرت» هذا الجزء المُرعب ويدمجه في الخبرة الدينية التي إختلقها للتو؟

مشهد من مسلسل "midnight mass"
مشهد من مسلسل "midnight mass"
مشهد من مسلسل "midnight mass"
مشهد من مسلسل "midnight mass"

تدور «مُعضلة الشر» الفلسفية، حول إشكالية الشر الذي يسمح به الرب، لو سمح الرب بشرورنا تجاه بعضنا بدعوى حرية الإرادة التي تسمح لنا بارتكاب الآثام كالقتل، فلماذا يسمح بشرور كونية مثل موت الأطفال بالأمراض، الزلازل، الأعاصير، السرطان، وغيرها من الكوارث؟

جميع أبطال الحكاية مُثقلون بسؤال الشر، بدءًا من رايلي المذنب بقتل مراهقة وهو يقود سيارة مخمورًا، جوي الذي أطلق النار وهو مخمور ذات ليلة ليتسبب في إصابة مراهقة أخرى بشلل أبدي، وصولًا لبيرت المونسينيور الذي درس اللاهوت ليسأل الإله، لماذا أصاب أخته أليس بشلل الأطفال وقتلها دون رحمة؟

«لا يُمكنك أن تتخير من مجد الله ما شئت»

تجعل معضلة الشر للألوهة وجهان، وجه رحيم ووجه مُخيف ذو جبروت، أو كما عبر هانيبال لكتر في دراما بريان فولر:

{يُمكن للرب أن يتقبل صلوات المُبتهلين ثم يُسقط عليهم سقف الكنيسة في اللحظة نفسها.}

يُمكن للرب أن يكون ذا جبروت عقابي مخيف كما عبر العهد القديم، ويُمكن أن يُظهر رحمته بعهد جديد مع البشرية قوامه تضحية المسيح، فالمسيح يحضر معه الوجهان، فهو خلاص مٌرسل للبشرية لكن ليتحقق لابد أن يُضحي بنفسه، يتم إنكاره، إضطهاده وصلبه في النهاية. لو كانت الرسالة هي الرحمة فقالبها وظرفها وختمها هو الألم

الإيمان بإله رحيم وعادل يقتضي معه الوجه الآخر للعملة وهو قبول أن الرب يتصرف من منطلقات خطة كبرى نحن فيها تفصيلة ميكروسكوبية قد يُضحى بها مثلما تسحق نملة باصبعك لصالح وجهة نهائية حكمتها لا تسعها قدرتنا على الفهم، عليك الإيمان دومًا مهما رأيت من شر يسلبك أحباؤك ويزيل مدن ويبيد أطفال أن الخطة الكبرى رحيمة لكنك لا تراها، لا يمكنك أن تتخير من مجد الله ما شئت، فالرحمة والجبروت وجهي العملة. فكل ما يحدث خير تبعًا للوجهة النهائية للخطة حتى لو سحقت المشيئة خلال تنفيذها أبرياء كُثر

عبر «إشكالية الشر» التي يُعاني منها المونسينيور بيرت نفسه، نتيجة موت أخته، يُعيد تأويل تجربة مصاص الدماء الخوارقية بالكامل لتصير تجربة مسيحية يقوم عليها عهد جديد للعهد الجديد ذاته، يصير المسخ ملاك الرب، وتصير دماؤه التي تُجدد الشباب وعد البعث وعالم بلا موت، في عالم من الخالدين الذين تهزم أنسجة جسدهم المرض والكوارث، تزول مُعضلة الشر ذاتها، ولكن سيتبقى طيف منها، فالإله دومًا يطلب ثمنًا لإرسال رحمته، ولو كان الخلود هو رحمته وعهده الجديد، فالثمن هو أن المونسينيور وحوارييه الذين سيختارهم سيضطروا لقتل الناس، وتحويلهم إلى خالدين لكن فقط في الليل لأن الصباح يحرق جلودهم مثل أي مصاص دماء، يمكن تقبل هذا الجزء كما نتقبل جبروت و شر الإله الكوني في خطته الكبرى

في العهد الجديد ضحى المسيح بنفسه لأجل الخليقة، وفي عهد بيرت الجديد سيصير هو المسيح وسيصير المسيح قاتلًا، وسيمنح البشر الخلود مقابل هجران الصباح ليصيروا مخلوقات ليلية وبذلك يكتمل «قداس مُنتصف الليل».

يُقدم فلانجان نقد عنيف لمعضلة الشر، فالإله لو صنعنا على صورته لماذا علينا أن نعتنق كل صور الرحمة والعدل في صورته وحسب؟ فالجبروت صورة من صوره أيضًا ويمكن أن نتقرب منه بتبنيها؟ ولو جاءت لنا فرصة للخلود بالقتل يُمكننا تحويلها من خطيئة لتجربة دينية مُخلصة، نتقرب فيها للرب بمحاكاة جبروته، يقول بيرت:

الله سيطلب منا أمورًا فظيعة، أمورًا فعلها هو، إنظروا ما طلبه من الإبن.

تبعًا لفلانجان في عهده الجديد لن يطلب الرب من المسيح أن يقتل نفسه بالاستسلام لجلاديه، بل يقتل الآخرين لينالوا الخلود الليلي.

لا يكشف جنون بيرت إلا رايلي، المؤرق بذنب قتله لمراهقة بسبب الخمر، يحمل بيرت ذنبه على عاتقيه كمسيح حداثي، رغم إلحاده لا يغفر لنفسه، لا خوفًا من جحيم أخروي إنما لعجزه عن تجاهل مسئوليته الشخصية عما حدث، مهما قُدمت له تبريرات دينية تعفيه أو تمنحه الغفران

يُحول المسخ رايلي لمصاص دماء أبدي، يُخبره المونسينيور أن يقبل هبة الأبدية وأثرها الجانبي وهو القتل، لا ذنب عليه، إدمان الكحول كان ذنبًا يتحمل مسئوليته لكن القتل في العهد الجديد لن يكون ذنبًا، تلك مشيئة الرب وثمن الخلود له ولمن سيهاجمهم

فالعهد الجديد سيجعلنا نُحاكي جبروت الألوهة وصورتها، سيجعلنا نُجرب رحمة الرب بالخلود، وسكرة جبروته بالقتل، ومن سنقتلهم سيصيروا خالدين فيما بعد.

يختار رايلي رغم إلحاده طريق المسيح القديم ويضحي بنفسه بإخبار الحقيقة لحبيبته قبل شروق الشمس التي تسطع لتُحيله إلى رماد، ضحى رايلي بنفسه على الطريقة المسيحية القديمة، مُنسلخًا من عهد جديد قوامه أبدية ليلية. لتصدقه حبيبته وتحذر الجزيرة.

مشهد من مسلسل "midnight mass"
مشهد من مسلسل "midnight mass"

جمالية «قداس مُنتصف الليل» هو تقديره لخطورة التجربة الدينية، كتجربة رحيمة من جانب ومُروعة من جانب، تتسع لكل سمات الترقي والتزكي لأصحابها، لكنها من الباب الخلفي يُمكن أن يُضمن في نسيجها بسهولة كل الموبقات مثل القتل، بتراكيب لغوية وألاعيب لفظية وأمنيات داخلية لشخوص مثل بيرت و خادمة الرب بيغي، يتحول مصاص دماء ومسخ لا تُخطئه العين إلى ملاك، وتتحول لعنة فاوستية يُقايض فيها الخلود بالقتل إلى هبة وبركة إلهية وعهد جديد يبرمه الله مع الخليقة، ببعض المرونة يسطو البشر على النص المقدس نفسه ويُعيدوا تركيبه ليُبرر شر واضح وصارخ في كاريكاتوريته، ليصير عهد جديد للبشرية.

مشهد من مسلسل "midnight mass"
مشهد من مسلسل "midnight mass"

تحضر في الأدبيات الدينية قصة «المسيخ الدجال» كتنويع عن الفكرة ذاتها، شخصية مُخيفة شرها لا تُخطئه العين، لكنه سيمتلك سحرًا يُحيل إستعباده للبشر بالشر إلى تجربة دينية شديدة الرهافة، ستخلق أتباعها، سيروا المسخ مسيحًا وسيسيروا في ركابه، وستتحول تجربة مروعة على المستوى الانطولوجي لتجربة دينية خادعة، خارج كل تفسيرات الشخصية وحمولتها التراثية إلا أنها تحمل على المستوى الفلسفي التحذير ذاته من قدرة التجربة الدينية الذاتية على أن تتسع لتأويل الشر والرعب ليصير طريق تعبدي للرب. وقدرة الذات على خداع نفسها بشكل لامتناهي

يُدرك بيرت في النهاية أنه وحاشيته ليسوا خراف الرب في البرية إنما هم الذئاب، ذئاب مُتحلقة حول مسخ لا ملاك، ويأتي شروق شمس أخير على الجزيرة ليُحيلهم رمادًا، مثل الأمم الأولى.

نُدرك في النهاية أن التجربة الدينية في تخففها من صور القداسة والهيبة لا تعدو أن تكون محبوبًا، صنع بيرت عهد دموي وصفقة مع الشيطان لأنه فقط أحب امرأة ومنعته مرتبته الكهنوتية من الزواج بها، لذلك أراد عالمًا خالدًا يُمكن فيه لحبيبته أن تعود شابة ليعيد معها عمره الذي مضى، بينما رايلي أنقذ الجميع لأنه يُحبهم حتى لو كان ثمن إنقاذهم هو عالم خلوًا منه.

يصعب أن نقدم تفسيرًا مقنعًا للشر الكوني، لكننا نوقن أننا في محاكاة جبروت الرب نُزيد سعة الشر ونصير جزءًا منه بينما في مُحاكاة صور الرحمة، نٌقلل الشر ولو إنش، ولو بضعة دقائق، وهذا يكفي

يُجيد مايك فلاناغان إستخدام الثيمات المُعتادة مثل « المنزل المسكون» في هانتينج هيل هاوس و دكتور سليب، ورفعها إلى آفاق فلسفية وسيكولوجية مُعقدة، وهنا يُحول ثيمة تجارية مثل مصاص دماء إلى مُساءلة أنطولوجية لمعضلة الشر والألوهة وما يُمكن أن تحمله التجربة الدينية أحيانًا من شرور تتسرب لها وتستحوذ عليها.