في عام 1991 قدم «وحيد حامد» فيلم «اللعب مع الكُبار» وبطله حسن بهلول الذي يصف نفسه في كلمات بسيطة:

«أنا حسن بهنسى بهلول.. أنا المسكين فى هذا الزمان.. أنا المحاط بالأوهام.. أنا الذى إذا جاع نام.. أنا المخدوع بالكلام»
ينفي «حسن» عن نفسه أي انحياز أيدولوجي، أو بصيرة سياسية، هو مسكين يُداوي جوعه بالنوم، و لكن في نومه تكمن خطورته، لأن مع النوم تأتي الأحلام و فيها يرى حسن الصعلوك نفسه فارسًا.
يصنع حسن شراكة فريدة مع الضابط مُعتصم الألفي، صفقة يمنح فيها العدالة العمياء بعضًا من حدة السمع، من خلال صديقه الموظف في سنترال رمسيس، والذي تمنحه وظيفته البسيطة سلطة مؤلهة، مثل أذن كبرى، تتنصت على شرور العالم.
لقطة من فيلم "اللعب مع الكبار-1991"
لقطة من فيلم "اللعب مع الكبار-1991"
يمتلك «عين سحرية» الكثير من مقومات اللعب مع الكُبار، حيث تُعقد الصفقة نفسها بين الشاب «عادل» و الرجل الغامض «زكي»، وكما توحي أسمائهم، تتحالف العدالة العمياء بخفة مع حيلة ذكية تجعلها ترى الشرور عبر عين سحرية، لا تحتاج لإذن من القانون، ولا تُعلن عن نفسها، عين سحرية قوتها في خفاءها.
في «اللعب مع الكُبار» لا يطمح حسن بهلول إلى المال إنما إلى السُلطة، سلطة معنوية لصعلوك لم يمتلك خيارًا يومًا، في أن يتسيد مصيره، و يحرس معنى أكبر من فردانيته، لذلك كان هوس حسن حاضرًا بآثار الحضارات القديمة، التي تبقت رغم زوال الأفراد و الأنظمة، مثل أهرام لا تحرس الملوك، إنما معاني مثل الخلود و الذاكرة، أراد حسن أن يكون عينًا فرعونية لكنها تحرس وطنًا لا مقبرة.
لا نعرف الكثير عن دوافع «زكي» في «عين سحرية»، هو رجل يحيا في الظل، يُحدد سير المُحاكمات لكنه لا يتصدر للدفاع في واحدة، يظهر مثل شبح لا يربطه ثقل بالعالم، لا يمتلك حتى منزلًا، إنما يقطن في فُندق رخيص يُطل به على قلب المدينة، و يقضي أمسياته في مسمط شعبي لا يجلس أحد فيه سواه. حضوره ليلي كأنه كيان أثيري، يزول مع نور الصباح
لقطة من مسلسل "عين سحرية-2026"
لقطة من مسلسل "عين سحرية-2026"
يُعبر «زكي» دومًا عن أفكار مُجردة، مثل المحاماة كلعبة يُجيدها لكنه لا يمتهنها بشكل مٌباشر، مثل الأبوة كمفهوم لم يتسنى له أن يختبره أبدًا مع إبنته
أي مُحادثة أو وصال انساني خارج نطاق الألعاب القانونية، يبدو فيه مُرتبكًا مثل طفل، لذلك تتبدى هشاشته على أريكة العلاج النفسي لأنها مُحادثة انكشاف لا قواعد قانونية لها، كذلك تتبدى في كل محاولة منه للتودد للآخرين دون سند من حيلة أو إكراه يمتلكه في جُعبته تجاه مُحدثه.
يظهر ذلك في لقاءه الأهم مع «عادل» وهو يعرض عليه اللعبة بأكملها، أن يُساعده بكاميراته في اللعب مع الكبار و كشف فسادهم، يعرض زكي صفقته عبر خطاب مُفكك هزلي، عن كريستوفر كولومبوس الذي أهلك آلاف من السكان الأصليين، عبر هدية، وهي أغطية شتوية مُفخخة بفيروس الجُدري. يبدو المجاز في عقل زكي واضحًا، لكنه يرتبك أمام سُخرية عادل و استهجانه لسخافة ما يسمعه.
لقطة من مسلسل "عين سحرية-2026"
لقطة من مسلسل "عين سحرية-2026"
يحيا «عادل» باعتباره صعلوك مثل حسن بهلول، تخلو سجيته من أي ثقل أيدولوجي أو انتماء سياسي، يخلو حتى من نزعة التمرد الساخرة لدى حسن بهلول، يعتنق الظلال بفضل خطيئة أصلية وهي وفاة أبيه في السجن جراء جريمة سرقة مُخزية لا نعرف تفاصيلها. خطيئة أصلية تحرمه من التقدم لوظيفة تُناسب قدراته أو زيجة يظفر عبرها بحبيبته.
لقطة من مسلسل "عين سحرية-2026"
لقطة من مسلسل "عين سحرية-2026"
يقول عالم السياسة «هانز مورجينثاو»:يُمكن للإنسان أن يكون عالمًا بالحظ أو بالاختيار، لكنه حيوان سياسي بالفطرة.

يخلو «عين سحرية» من أي مُشاغبة سياسية، مثلما خلت سُفن كولومبوس في رسوها الأول من أي لمحة مٌشاغبة أو عداء، ولكن يظهر الفساد في الحكاية كامن في ثنايا الهواء والطعام مثلما كمن الجُدري في أغطية بريئة مُغلفة في هدية تقي من برد الشتاء.
في عالم عين سحرية، الأطعمة فاسدة تُغلف في دعاية براقة و أطنان من البُهارات، و الهواء مُلوث بأصباغ ثقيلة لا نراها لكنها تسكن الصدور و الأكباد، و الطرق مُفخخة بسيارات تحصد أرواح عشرات الأطفال وهم في طريقهم إلى عمل لا يُناسب أعمارهم.
لا يمتلك عادل أي رغبة في الخروج من الظل، بعيونه السحرية، لمُصارعة حيتان كبار، و لكن المرء حيوان سياسي بالضرورة لأن السياسة تسكن طعامه و الهواء الذي يتنفسه، و حتى المسكن الذي يحميه من العراء.
يرى عادل أخيه وهو يُعاني الكليبتومينيا، أو داء السرقة، الذي تعود جذوره لرغبة مرضية لدى مُراهق في أن يكون نبوءة مُحققة عن جينات أبيه، مادام يحمل خطيئته، لا بأس من أن يكون سارقًا مثله، بينما يُحاول عادل طوال حياته أن يفر من خطيئة أبيه، لكنه للمُفارقة يسلك الطريق نفسه، و لكن ما يحميه هو المعنى الذي سخر منه في البداية، وسام فارس العدالة الذي يؤطره «زكي» بعباراته و تعاليمه
يمنح الشاب عادل صديقه عم زكي، طيفًا من الأبوة، معنى غير مُجرد، يُمكن أن يلمسه في جلسة و مؤانسة، ولا يبحث عنه في عيادة نفسية، و يحرس عم زكي لأجل عادل، معنى مُجرد، وهو الفروسية التي تُميزه عن خطيئة أبيه السابقة، حتى لو سرق «عادل» أو خاض الظلال المُحرمة، هو محمي بفكرة عم زكي المُجردة و هي العدالة
يمتلك «عين سحرية» عناصر مٌشابهة كثيرة مع حقبة التسعينيات لوحيد حامد، و عالم ما قبل 2011، حيث يُحاصر شر مُنظم بكيانات كُبرى، فرد مسكين و يُجبره بقسوة على الخروج من الهامش إلى المتن. يمتلك الفرد في جُعبته حيلة، لكننا نعلم أنه سوف يُسحق بقسوة. لأنه و حيلته خفتهما لا تُحتمل
ربما لا يعود هذا المعنى من حقبة سابقة إلى لحظتنا الراهنة، ربما لم يغادر أبدًا، لأنه معنى حاضر على الدوام لا تؤطره حقبة زمنية بعينها ولا يُمكن أن يتغير إلا لو تغير المتن ذاته. معنى مهزوم لكنه يُجسد بطل إنساني نعرفه و نتماهى معه، نتماهى مع الإنسحاق ومع نُبل المٌشاغبة، و مع قسوة النهاية كذلك التي نعرف أنها ستحدث.
لا يبرز عين سحرية باعتباره عمل مُكتمل العناصر، ولا يخلو من عيوب واضحة، ويُمكن بسهولة أن تُفسد الحلقات القادمة كل جمال بناه صناع العمل في ثلثه الأول. لكن يبرز «عين سحرية» تحديدًا بفضل خفته، خفة تُزيده ثقلًا بين أعمال يقودها أبطال شعبيين بأجساد مُنتفخة يُجسدوا ميلودراما زاعقة، مهزومة في انتصارها و خافتة مهما علا صياح أبطالها،
أعمال تنتمي إلى طبقات فقيرة وشعبية لكن تلك الطبقات غير حاضرة أو مُستدعاة بالأساس في تلك الاعمال، هي ديكور خلفي دائم لمُعضلة بطل ميلودرامي، مثل الكينج أو كلاي، تنويعات لا تنتهي وممتدة منذ سنوات، عن بطل من قش يحرس ذكورة مجروحة من الجميع حتى الهواء نفسه. لا يعبر في صعوده الملحمي و لا في امتلاكه لقلوب الجميع عن شيء إلا عن خوائه.
«عين سحرية» يعتنق موتيفة بصرية واضحة و هي الليل البارد، الذي يحرس مدينة تسحق سُكانها، مدينة لم تعد آمنة، يشتهي أصحابها عيونًا إلكترونية توثق شرور قد تحدث في أي ركن لا تحميه حراسة. لذلك يُعاني «عادل» في كل شيء إلا في رواج مهنته، لا يكاد يجد زمنًا كافيًا للراحة، الجميع يطلب عيون تحرس ليل مٌخيف في مدينة قاسية. الجميع فيها مُشاهد و موضوع للمٌشاهدة كذلك. و العدالة رغم أنها عمياء إلا أن كل من يسير بتلك المدينة يحمل بين ثناياه خوف المُدان، و إن كان بريئًا