في نهاية فيلم «كابوريا»، يصعد حسن هدهد على أكتاف أصدقائه المُهتزة، ليصل بصعوبة إلى نافذة المحبوبة، يُخبرها أنه عاد من حربه مُنتصرًا، لكن بلا نقود أو جائزة، يعود حسن مُفلسًأ كما بدأ الحكاية، ليُنهيها بالطريقة ذاتها، بعد مُغامرة خسر فيها كل شيء وكسب نفسه، ولا يحتاج لمداواة جروحه سوى قُبلة مُختلسة، يُقرر معها خيري بشارة أن يُنهي فيلمه.


أتذكر هذا المشهد كلما أردت الوصول بخفة إلى جوهر سينما بشارة، واقعية ذكية، لكنها لا تقع في قلب سرده إنما تطوف بالحكاية حول رومانسية خفية، تمثل المركز الحقيقي للسرد، رومانسية يرى بها بشارة العالم ويُصر عليها.
لا ندري ما سيحدث لحسن هُدهد، بعدما فاز بقبلته مثل روميو شكسبير على أعتاب شُرفة جولييت، لا ندري ما سيحدث لبطله سيف في آيس كريم في جليم بعدما أفسد تنكره وألقى عنه عُكازات العجز مُعلنًا بحيوية صوته كجيل جديد بينما تأتي حبيبته برومانسية لتمنحه قبلتها وقبولها لصحبة رحلته

يبدو الواقع في سينما بشارة مٌتأثرًا للمفارقة بالتفاؤل السينمائي الساذج، والرومانسية التي تٌجمل الأشياء ولا تفضحها، لذلك يختار أن يُنهي حكايات واقعية بكادرات رومانسية.
ولكن ببعض الاقتراب، نجد ما يتمظهر كسذاجة بسيطة هي أقرب لإيمان حقيقي ومُعقد، إيمان بالحُب كفكرة قادرة على إنقاذ أبطالها من بؤس واقعهم، فكرة تجد سندها في حياة بشارة ذاتها، التي صنعتها السينما قبل الواقع.
عندما يصف بشارة الليل في طفولته بالقرية، يختار مُصطلحًا سينمائيًا هو الفيلم نوار، ليل يليق بقرية بلا كهرباء، يلتحم فيها الظلام الدامس مع ضوء المشاعل الحاد، والقناديل البعيدة، ليصنع بيئة متطرفة في ظلالها وأنوارها كما يليق بتشويق سوداوي في حكاية لم تُروى بعد. ربما كان ذلك الوعد الذي ركض الطفل خلفه حتى صار سبعينيًا، الوعد بحكاية تنتظره ليرويها، حاول أن يرويها كممثل لكنه لم يقتنع بقدراته، فقرر أن يتأله على الحكاية باحتلال كرسي المُخرج، الذي يُدير المشهد برمته
خلال دراسته، في فترة غليان سياسي، يقول بشارة أن أحدًا من التنظيم الطليعي لم يسع لتجنيده قط
، للمفارقة من سيكون مستقبلًا أحد رواد الموجة الواقعية، سيصفه أفراد التنظيم الطليعي بطالب مُغرق في رومانسية لا تجد أقدامًا لها في الواقع، رومانسية ساذجة لا يصلح معها أبدًا كعضو في كيان سياسي.
لم يصعد بشارة على أكتاف أصدقائه ليصل لمحبوته مثل هدهد، ولم يصدح بالغناء مثل سيف، لكنه عاش قصة حُب تُشبه أبطاله، عندما قررت حسناء بولندية أن تهجر وارسو في أواخر الستينات، لتحيا مع مُخرج مصري شاب في شبرا، مخرج لا يمتلك سوى أحلامه وغرفة بسيطة في منزل عائلته المزدحم لتحتل مكانًا غرائبيًا وسط أبويه وأشقائه.
يقول «روبرت بشارة» أن الفضل في مجيئه للعالم هو وإخوته، يعود بالتحديد لسبب رومانسي لا يُصدق وهو السينما وتحديدًا «جان لوك غودار».
وقع أبيه خيري الشاب في حُب زوجته البولندية، لا لشيء إلا لغرامه بالجسد النحيف والشعر القصير، غرام تعود أصوله لافتتانه بجان سبيرج، بطلة فيلم جودار «منقطع الأنفاس»، بشعرها القصير وخصرها النحيف. تعلق قلب خيري بمحبوبته لأنها تشبه نجمة خيالية،
الرومانسية والخيال يسبق الواقع دومًا، ويمتلك سلطة تشكيله، وهو ما يصعب فهمه للكثيرين في تلقيهم لسينما بشارة

للمُفارقة يدور فيلم غودار حول قصة حُب مُستحيلة بين آفاق عتيد وفتاة تعمل بالصحافة.
ربما كان لُعاب غودار قد يسيل لقصة حُب أكثر استحالة بين مُخرج من العالم الثالث وحسناء من أوروبا الشرقية، أقسما معًا على تسخير حياتهما لسينما صادقة، لا تُشبه شيء سبقها
في أفلام خيري بشارة، يختار البطل بنُبل الحُب، حتى لو خسر كل شيء، وهو ما اعتنقه بشارة في واقعه
لا شيء يُحبه بشارة قدر السينما، التي تخلى عنها لسنوات وهو المُخرج الأعلى أجرًا ونجاحًا في مصر، ليرعى زوجته وحبيبة عُمره عندما أصيبت بمرض «غيلان باريه» المناعي النادر.
عندما خسرت زوجته الخصر النحيل، وأكسبها المرض بقسوة وزنًا ثقيلًا، لم تعد معه الحسناء التي وقع زوجها في غرامها، طمأنها بشارة أنه لن يعدم وسيلة ليُحبها من جديد. فهو لم يحبها فقط لما كانته إنما يُحبها كذلك لما ستكونه في كل لحظة. فالحب جذوره في الماضي ولكن صيرورته لا تنتهي. يؤمن بشارة بالحُب كعنقاء تُجدد ذاتها، وهذا يجعل الحياة على قسوة تغيراتها، احتفال لانهائي بصور جديدة من الفكرة ذاتها
يشبه بشارة في ذلك ابطاله
لا يموت أبطال بشارة أبدًا إنما تتناقلهم الأجيال وكل جيل يراهم بالافتتان ذاته، لأنهم شخوص بتحريرهم من سياقهم وهمومهم التي تعود لزمن بعينه، يتبقى بطل رومانسي، يجد طريقة لاستعادة ذاته من جديد بالحُب، هذا هو الفردوس الذي يُشير له بشارة بلا كلل، لذلك تكتسب أفلامه أبدية تُجاوز زمنها، لأن الزمن مهما تغير والواقع مهما تشوش، يظل في كل زمان ومكان هناك بطل يسعى لاستعادة ذاته من خُسرانها، ويطلب الحُب كتعويذة لا بديل لها للنجاة من قسوة العالم.
لا يوجد زمان لن نطلب فيه الحُب، ولن نحلم فيه بذات أصيلة، لا ظلال وأقنعة لها
كيف يُمكن أن تمتزج الواقعية المُخلصة بصدق للحقيقة، والرومانسية المُتخففة بإيمان من كل الاستحالات؟ ربما يتجسد التناقض في بشارة ذاته، الذي يُخبر مُحاورته بشغف طفل صغير جاوز السبعين من العمر أنه يُجرب كتابة رواية، ويتعلم من الجيل الأصغر.
تضخم المذيعة من مسيرته، ومكانته التي يصعب معها أن نتخيله طالب مُجددًا، يتعلم من جديد، يُروض خيري بشارة بلا اكتراث الهالة التي يضعها الجميع على رأسه، يخبرها أن الإيجو خاصته لا تنجرح لأنها ليست موجودة بالأساس، ما إن يتعرف رجل على بشارة في سياق ما حتى يُسارع بشارة بالتحرر من ثقل كينونته وهالتها، يُخبر أحدهم أنه ليس ما يظنه، أنه آخر. ليفسد الهالة التي تُخرجه من بساطته قبل حتى أن تتشكل
في أفلامه يعشق خيري المجازات، تتحول فتاة شعبية إلى فراولة رقيقة، ويتحول أبطال مُبتلين بهشاشة لا تحتمل في زمن قاسي، لبندق تبدو قشرته قاسية لكن قلبه هش لا يملك سوى حُبه، بينما في فيلم تجريبي، يحول نفسه إلى كلب ليختبر الحياة من جديد بعدما استيقظ يومًا وشعر أنه آخر لا يعرفه
يمتلك بشارة افتتانًا لا يبلى، بالتجدد والإنبعاث كل مرة من الرماد، رماد أزمنة لن تعود، وأحلام جماعية تحطمت، وذات ضلت طريقها للحقيقة في فن يتوسل الكذبة كطريق مقدس لسرد الحكاية. افتتان يسخر معه من حزن زوجته لأنه لم يشتري مدفنًا، يُخبرها أن الدفن لا يشغله، يُمكنه أن يستلقي بجوار رجل لا يعرفه، وهذا ربما سيكون مُفتتح لحكاية جديدة



Comments
Sign in to join the conversation. Sign In
No comments yet. Be the first to write one.