من جماليات الكاميرا، قُدرتها على تحويل علاقة درامية مُركبة وصعبة إلى مجازات بصرية، تروي كل شيء بتخفف كامل من الحوار والإسهاب والمُباشرة.
في «جولة أخيرة» يُدرك الابن أنه مريض بالزهايمر كأبيه، لا يتحول الأب إلى تذكار مُخيف من الماضي ورسول عن طفولة قاسية للابن وحسب إنما يتحول كذلك إلى نبوءة مُخيفة عن المُستقبل، نبوءة تُطارد الابن الذي بات يحمل قدره فوق عاتقه كغراب ناعق بموته، بات يحمل لعنة تراجيدية، لعنة أن ترى مشهدية ذبولك وموتك ببُطء، تُدرك ما ستؤول له، قبل أن تصل له.
كيف يُمكن أن تُعبر عن ذلك بالكاميرا؟
في الصورة الأولى ينهار الابن بينما يظهر الأب من الخلف بنظرة لا تُناسب عجوز خرف، نظرة حيوانية جائعة، نظرة صياد إلى فريسة تخشى حتى النظر إلى الوراء. يحمل التكوين البصري تضاد جمالي في كون الإبن هو الأقرب لنا، هو الذي يحتل مساحة أكبر من الكادر، بينما الأب نُقطة أصغر حجمًا في الخلف، لكنها هي المُهيمنة، لا يتسيد الابن الكادر بحضوره، إنما بعجزه، لا يوجد قوة يحملها المُلاكم القديم لينجو بها من مصيره، لا يُمكنه فك لعنته بقتال أو بمواجهة في حلبة. اللعنة تُطارده وستصل له وإن كانت بسرعة عجوز مُقعد لا يستطيع الحركة خطوة للأمام، لا يستطيع قتال بعوضة، لكنه يستطيع تمرير جيناته القاتلة لطفله.

ترث الصورة الثانية بعضًا من تكوين الصورة الأولى، لايزال الأب خلف الابن مثل عبء ولعنة باتت أكثر اقترابًا من المسافة السابقة، يقترب موت الأب ويقترب الابن من الخرف الكامل، ولايزال الابن يتردد في النظر مباشرة لمصيره المُجسد في أبيه، لكن الكاميرا تُطل من زاوية أكثر حنانًا. من المرايا نرى انعكاس جديد يولد لعلاقة الأب والابن، انعكاس أكثر رحمة

قُرب المسافة على روعها يخلق وصال، الابن بدأ في تقبل مصيره، وبينما هو مُعذب هنا بين خوض مُباراته الأخيرة للخروج من عالم اليقظة والحضور بطلًا، وبين تقضية أيام الصحو الأخيرة بصُحبة ابنته إلا أن كلا المصيرين طُرق مُعبدة خارج مصير الوحدة الذي طال أبيه، نهايات يُذهل فيها عن مصيره المحتوم بمعركة أخرى، لذلك تمنحه تلك النهايات مددًا من شجاعة لمنح أبيه نظرة جانبية ومد يد للمواساة.
في الصورة الأخيرة تختفي المسافات، لا يعود الأب عبء أو لعنة تُطارده، لا تهتم الكاميرا هنا بالانسحاب لمساحة أكبر، إنما تؤطر بقربها الوصال والالتحام الذي تردد الابن في فعله طويلًا.

يحُقق موت الأب مٌصالحة الابن الأخيرة مع مصيره، يمنح الأب لابنه بموته ما لم يستطع أن يمنحه أبدًا في حياته، طيفًا من طمأنينة، مات الأب غارقًا في الاستماع لموسيقى يُحبها، في أحضان ابنه، لم يمت وحيدًا، لم يمت تعيسًا، لم يمت مُدركًا حتى لخرفه وذبوله على مدار سنوات، فقد حضور الأب كل سمات اللعنة وبات تجلي لرحمة ستكون الدفعة الأخيرة للابن لتقبل مصيره الكامل.
ليخرج «شجيع» من حياة الصحو الإدراك بطلًا، كما تمنى، وليحيا دومًا مُستعاد بالذاكرة ممن أحبوه، ذاكرة لا تمل من إعادة حكايته مرارًا مهما نسي ومهما سأل بارتباك خجول عن هويته وحكايته
الزهايمر والمرض والموت، ثيمات مُغرية بابتذالها بحوار ميلودرامي أو مونولوجات مُغرقة في المُباشرة، لكن تولد الجمالية دومًا من ذكاء الكاميرا واخلاصها للحكاية التي ترويها، وزاوية السرد، لو أدرك من يحمل الكاميرا زاوية السرد وأين يرتكز الثقل الدرامي لحكايته، سيختصر بإجمال عذب حوارات طويلة، وميلودراما لفظية، سيختزل كل ما سبق في مجازات بصرية ساحرة. تقول كل شيء دون لفظ.



Comments
Sign in to join the conversation. Sign In
No comments yet. Be the first to write one.