في «مسار اجباري» تستحضر «نادين خان» فواصل بصرية فريدة من نوعها بين كل مشهد أو خط درامي وآخر.

الفواصل هي موتيفة الشارع، كادرات واسعة لشوارع حقيقية غير مُصطنعة أو مبنية بديكور مُزيف، شوارع تُمثل قلب القاهرة ومركز الركض اللاهث لسُكانها وتحديدًا الطبقة الوسطى خلف الرزق، شوارع مثل وسط البلد وابراهيم باشا وميدان رمسيس، كادرات مُزدحمة بحركة السيارات الرتيبة ونقاط البشر الصغيرة، كادر واسع يبتلع البشر فيه ولا يؤطرهم.

تُخبرنا منذ البداية أننا بصدد قصة عادية لأسرتين من الطبقة الوسطى، لا يُميز أبنائهم أي شيء، «علي» و «حسين» لا يُمكن أن يستوقفهم النظر، ولو تجاورا في مصعد أو مواصلة لن يُعير أحدهما النظر للآخر { وهو ما حدث في مشهد اللقاء الأول، لم ير أحدهم شيئًا مُميزًا في الآخر أو أي رابطة عاطفية أو حتى شبه ملامح مُفترض }.

قبل بداية الحبكة، كان البطلان نقاط صغيرة في كادر الشارع الواسع وأفراده، بطلان من الطبقة الوُسطى، يُجيدوا السعي بقوانين طبقتهم ويُجيدوا الاختباء كذلك من كل صور المُراقبة والسُلطة

« في الحلقة الأولى رغم اختلاف شخصيات «حسين» و «علي» إلا أن كليهما يُجيد الحيلة، والانفلات من القوانين بالاختباء، يُدير «علي» سنتر خفي لدروس القانون، يمتلك خطة إيهام ذكية حال حضور الشرطة، ويُدير «حسين» عربة طعام بدون ترخيص ويمتلك فائض مالي جاهز لرشوة البلدية حال ظهور أفرادها»

تؤكد «نادين خان» قبل بداية الحبكة أن علي وحسين ليسوا سوى نقاط صغيرة في كادرات الشارع الواسعة التي سخرت لها تتر المُسلسل كاملًا، وجوه عادية تُشبه ملايين الوجوه. الشارع بالنسبة لها مساحة للتجاور وللمُساءلة وللرزق وللمراوغة وللاستيقاف ولكل صور الامتحان

طبقة وكادر واسع تُلخص معيشته كلمات التتر:

انا كنت راضي بفرحي و الهموموحياة عادية أكل شرب نوموطريق عادي زى كل يوميحود فجأة مشوفش م الغيوم

تأتي حبكة المُسلسل بالكامل مثل غيوم مُخيفة تطرد البطلين لبُقعة نور تُعري أمانهما السابق وبؤرة صراع لا تُحتمل، غيوم تفرض المواجهة الأخلاقية على شخصيات مُصاغة بقوانين طبقتها للتحايل والإفلات، والمدد العاطفي الوحيد في بؤرة الصراع هي صداقة تتكون على مهل بين الأخوين، يوليا ظهرهما لبعضهما ويواجها العالم معًا، فيلتحما بثقة مُكتسبة سريعًا تحت ضغط الاحداث، ورغم اختلاف عوالمهما وشخصياتهما إلا إن القرب يفرضه الخطر العاجل أكثر من الاستكشاف المُتمهل لبعضهما

تلعب «نادين خان» على هذا التناقض بين حياتهما السابقة القائمة على المراوغة والاختباء في الكادر الواسع مقارنة بحياتهما الجديدة وقرار المواجهة والظهور أمام كل صور الخطر بالتنويع البصري بين كادرات خارجية واسعة للشارع كان ينتمي لها الأبطال يومًا دون أن يلحظهما أحد، وكادرات داخلية حميمية، مثل منزل علي ومنزل حسين، وورشة السيارات.

تُجسد تلك الأماكن على ضيقها مساحة أمان وحيدة ومُتبقية للأبطال أمام عالم خارجي كان مساحة واسعة تسمح لهم بالاختباء والتحرك بخفة وراء الاحلام، لكنه بات يفغر فاه لابتلاعهم وبات الخطر كامنًا في كل زواياه المُظلمة.

يجد الأبطال الأمان في ورشة سيارات مثل قبو خانق، بينما يتربص بهم الخطر في كل زوايا الشارع الذي كان يومًا مسرحًا لحياتهم اليومية ومناوراتهما السابقة. كل لحظة خطر تعرض لها البطلان منذ اتحادهما صار مسرحها الشارع.

تتحكم «نادين خان» في هذا التناقض الايقاعي بثبات، رغم الايقاع المُتسارع والبوليسي لخط البطلين والعصابة، كثيرًا ما نلتقط الأنفاس ونُسخر مشاهد طويلة داخلية لحميمية المنزل، ودفء العائلة، وترابط الأسرتين المُستجد، ورغم غرابة إفراد مساحة واسعة لتلك المشاهد في حبكة بوليسية إلا أنها لازمة كونها العوالم الصغيرة التي يُدافع عنها حسين وعلي من الأساس. هذا الدفء وحميميته وترابط أفراده كله مُهدد بالزوال في لحظة،

تُثمن المشاهد الأسرية كل ما يرتعد البطلين لزواله باصرارهما على المواجهة. لذلك يغرق كل أفراد الكادر في لحظة الدفء إلا علي وحسين اللذين ينغمسوا في الكادر وينفصلوا عنه في آن، كل حلقة تُمثل قرار وتورط جديد، وكل حلقة تحمل خوف من رد الفعل لكل فعل قاموا به. رد فعل قد يحطم عوالمهم الصغيرة التي تُكسبهم الفرادة في الكادر الأكبر.

رغم اتخاذهما قرارات أخلاقية بالدفاع عن بريء والمخاطرة بفضح ماضي والدهم وتدمير سُمعته، إلا أنهما مشدودان في النهاية لدفء المنزل، المساحة المُقدسة للطبقة الوسطى التي يتحمل لأجلها الفرد العادي كل ضغوط العيش ليعود لها في النهاية لاكتساب فرادته وانتزاع حضور له من الكادر الواسع عندما يرى نفسه بعيون مُحبيه، المساحة التي يكف فيها الفرد عن المراوغة والاختباء ويبحث عن الظهور والحُب.

لذلك تُمثل لحظات انتهاك المنزل من العصابة، لحظات حاسمة في ادراك البطلان أنهما على شجاعتهما أكثر هشاشة من الخطر، ورغم كل محاولاتهما لاعتناق النضج الذي فرضه عليهما القدر، يتوجها كطفلان للأسرة لطلب العون والنصيحة.

في كل مرة نتورط فيها عاطفيًا في عوالم «علي» و«حسين» تستعيدنا المخرجة بكادرات الشارع الواسعة لتُخبرنا أن كل هذا الكفاح والخطر والتوتر على مركزيته الدرامية إلا أنه هامشي في الكادر الواسع، لا يشعر به أحد بالخارج

الأبطال مازالوا نقاط صغيرة في حبكة وكادر أوسع على وشك ابتلاعهم، مازالوا أكثر هشاشة من محاولاتهما للتصدي لشركات دولية وعصابات ومؤامرة على ملايين المصريين. ورغم أن المسلسل يتحدث عن قضية رأي عام إلا أن التعاطي معها من الشعب قائم على كونها قضية دراما وقتل عاطفي من رجل لحبيبته، لا قضية فساد كُبرى.

مشاهد من مسلسل "مسار اجباري-2024"
مشاهد من مسلسل "مسار اجباري-2024"

لا تُجسد الدراما هذا التناقض بين الكادر الواسع للمشهد وهشاشة الأبطال فيه مقابل الكادر الضيق للدراما وتسيد الأبطال له بالصورة وحسب إنما بالموسيقى كذلك.

نجد ذلك في كلمات التتر الذي تنقسم أصواته بين طارق الشيخ الشعبي ومسار اجباري الفرقة الأكثر خفة وتعالمًا، في إشارة لانقسام شخصية الأخوين حسين الأكثر بساطة وعلي الأكثر تعالمًا.

مشهد من مسلسل "مسار اجباري-2024"صورة مقترحة للثامبنيل
مشهد من مسلسل "مسار اجباري-2024"صورة مقترحة للثامبنيل

تحمل كلمات التتر شعور بالاغتراب والخوف أمام انقلاب درامي دفع بطلين صغيرين إلى قصة أكثر تعقيدًا، ولا عزاء فيها إلا رابطة الأخوة التي قدمها القدر مع بلائه كهبة، هبة ولدت في قلب خطر يُوثقها:

وتوديني لسكة غريبةمع ناس ولا تخطر على بالتكسر وأسند وأعند تعندمابترساش ابداً على حال

على الضفة الأخرى يُقدم العمل، أغنية شعبية "اتنين بمقام ملايين" تُجسد ظنون البطلين عن نفسهما وحيلهما النفسية لإيجاد توازن نفسي أمام الخطر، تحتفي الأغنية بالبطلين، ورابطتهما وبرابطة الأخوة التي يُمكن أن تهزم كل مكائد العالم.

يحمل البطلين «علي» و «حسين» كل مشاعر الهشاشة ويُدركا موقعهما من الكادر الأكبر، لكن توثق الدراما علاقتهما كحصن أخير لكيلا يبتلعهم هذا الكادر، تبدو كلمات الأغنية الشعبية على خفتها مثل قط ينفش جسده ليبدو أكبر من حجمه في مواجهة أسد عملاق. حيلة نفسية مسكينة لكنها مفهومة. ككل الحيل النفسية للطبقة الوسطى للعيش بالمراوغة أو بالمبالغة في توصيف قدراتها.

تقوم «نادين خان» بكل ما يصنع المُخرج الناجح، الوفاء للقصة ومُمكناتها والرهان على الأدوات البصرية والموسيقى وحدها لتأطير الحكاية، ليقع المُتلقي بحواسه تحت رحمة الإيهام ويتعلق بالحكاية. دون ملاحم ميلودرامية أو مبالغات قصصية.