يكتسب الربيع مكانة درامية بين فصول العام، حيث تتمظهر الأشجار بأجمل كسوة لها، ورود تتفتح وعُشب يكسو الأحجار، في فخ جمالي مُهندس بعناية من الطبيعة لاخفاء هشاشتها وعجزها عن أداء مُهمة دقيقة يصعب أن تقوم بها عاصفة أو اعصار. مُهمة تحتاج رقة وخفة لا تُحتمل معها النزوات العملاقة.
لابد أن يكسو الجمال العالم مؤقتًا لاغراء أدق وأصغر مخلوقات الكون مثل النحل والفراشات لاستكشاف فردوس البتلات والأزهار دون أن تدري في غمرة نشوتها أنها تنقل حبوب اللقاح من نبات لآخر وتُساهم بخفة ميكروسكوبية في استمرار الحياة على الأرض. مُهمة لا يُمكن أن تنجح إلا بخديعة جمالية كونية تضع فيها الطبيعة مصيرها بيد أدق مكوناتها وهذا جوهر الهشاشة ومكمنها.
يتسيد الربيع فيلم «دخل الربيع يضحك» باعتباره الشخصية الرئيسية، واللُحمة الجامعة لما انفرط عقده من القصص. فهو ينفث فيها من مزاجه ويُسبغ عليها من صفاته.
مثلما يبدأ الربيع بالتظاهر، وكسوة الأشجار العارية بكمال زينتها، تدور مُعظم القصص في أجواء تظاهر مُزينة باحتفال يكسر رتابة الأيام العادية، مثل الاستعداد لزفاف، أو الاحتفال بعيد ميلاد، أو كوافير سيدات توظف عاملاته كل مهاراتهن لتزيين وجوه مُرهقة.
لا تستمر أجواء التظاهر طويلًا، تتحول كل حكاية إلى فخ جمالي لكن ضحاياه هم أبطاله، الذين تنفضح هشاشتهم سريعًا، لا يمتلك الأبطال انضباط عناصر الطبيعة مثل النحل، ولا رقة الفراشات، يستيقظوا سريعًا من النشوة ويعترضوا كل طرق الوصال. لتنكشف خديعة الربيع وتظهر رياح الخماسين العاصفة.
لذلك تنفجر الكوميديا في تلك الحكايات في لحظات بعينها تُعبر عن لغة الفيلم، لحظات يُصر فيها الأبطال على استدامة التظاهر، حتى بعدما انفضحت الهشاشة ولم يعد التظاهر مُجديًا، فيتظاهر رجل أنه لم يُرفض بإذلال ويأكل الحلوى بلامبالاة، وتتظاهر امرأة أنها لم تنكشف كذبتها وتختبيء خلف لغتها الانجليزية المُتعالية
تبدو البطولة النسائية منطقية لحكاية مجازها الربيع. حيث تُصنع كل امرأة في مُجتمعها على صورته، كائن يحتاج زينته طوال الوقت، يُخفي هشاشته بعناية، ويُعد منذ طفولته لمُهمة مقدسة وهي تحقيق وصاله مع آخر. وصال لو لم يحدث، تُترك بطلته للذبول مثل المخلوق الأخير من فصيلته، ينتظر هلاكه المحتوم. لكنه المخلوق الوحيد الذي يتحمل مسئولية انقراضه.
تحضر الأغنيات لتؤطر تلك المواصفات التراجيدية التي يفرضها المجتمع على جنس بعينه، حيث تنسج الأغاني ثوبًا شعريًا يكسو واقعًا أكثر قسوة، يُمكن لأغنية تُرثي حكاية قطر الندى، الفتاة التي خسرت حبيها لأجل رجل أكثر قسوة، أن تتحول إلى أغنية إكراهية على الزفاف والاحتفال الذي يرقص على معاناة بطلته، لذلك تُعري إحدى البطلات في الحكاية الأولى خدعة الشعرية، عندما تنحاز لأكثر أشعار الربيع حُزنًا، الذي يفضح فيه الشاعر خدعته ويقول:
دخل الربيع يضحك لقاني حزيننده الربيع على إسمي لم قلت مينحط الربيع أزهاره جنبي وراحوإيش تعمل الأزهار للميتين
لتُخبرنا أن كل الحكايات التالية، مُثقلة بأزهارها، لكنها أزهار تُخفي حقيقة أقل جاذبية، حقيقة لا تملك تماسك الشعر المُقفى، ولا استعاراته
تختار نُهى عادل، أبطالها من النساء، في كادرات تناقض الانطباع الربيعي الفسيح بجنانه وروضاته، كادرات ضيقة، تزيدها الكاميرا اختناقًا باقترابها الفاضح من وجوه أبطالها، كلوز أب يتجاوز الزينة للحقيقة،
إذا حبست رجال في كادرات بهذه المواصفات، سينشب العراك في لحظات، تستوستيرون يُبسط تعقيد الصراعات النفسية إلى معركة جسدية بقوانين التحمل، أما لو حبست نساء، سيلجأن للبوح، والبوح مُكاشفة، والمُكاشفة تكون مروعة، بقدر إتقان التظاهر وكذب الزينة الذي سبق الحصار
مثلما كان الربيع خديعة كونية للطبيعة، تسري قوانينه على الأراضي كافة، فالربيع في الحكاية يسري مجازه القاسي على النساء من كل الطبقات، طبقة وسطى راسخة في حي المعادي العتيق، تتطلع للمغادرة لكومباوند أرقى، وطبقات شعبية مسحوقة، وطبقات راقية تتبارى في إظهار تراتبيتها الاجتماعية.
لا يظهر التشظي في الحكايات كخروج عشوائي عن المسار أو فقدان للسيطرة إنما تستكشف الحكايات المُنفصلة النساء في كل وضع، وتؤكد أن هشاشته حاضرة ويُمكن استخراجها ببعض الحصار والمُكاشفة، لا يُمكن للمرأة الاحتماء بالطبقة، ولا بالقسوة المُتظاهرة بالاستغناء

لا توجد شروط آمنة تحمي المرأة من الانكشاف بهشاشة مُروعة، لأنها تحيا في عالم مُصممة شروطه على أن تستمد أمانها من خارجها.
في إحدى الحكايات تتعرى امرأة فقيرة حرفيًا، وتُكتب العدالة على جسدها وجسد طفلها، لأن فقرها يجعلها مُتهمة دون مُحاكمة، ولكن في حكاية أخرى تتعرى امرأة ثرية معنويًا رغم امتيازها الاجتماعي، وتعاني الألم ذاته، رغم أن إصبعًا واحدًا لم يُشير لها باتهام أو مُساءلة. يبدو التوازي بين الحكايتين ذكيًا رغم تناقض البطلتين اجتماعيًا وطبقيًا، لأنه يُخبرنا أن الهشاشة والإدانة لو حاصرت المرأة لظروفها الاجتماعية، فالمرأة تستبطنها معنويًا مهما جاوزت تلك الظروف ويُمكن في حصار بسيط استثارة الهشاشة ذاتها
في توازي وتناص شعري بين حكايتين، نجد سيدة عجوز تحررت من زواجها بموت الزوج، وفتاة شابة تحررت من زواجها بالطلاق، لكن كلتاهما مُدانتان، الأولى رغم أنها أتمت حكايتها، مُدانة لرغبتها في وصال حكاية جديدة، والثانية مُدانة لأنها مطرودة من فردوس الزواج، مهما أقرت أنها من كتبت نهاية حكايتها.
تلعب الحكايات في تجاورها، أدوار قضبان القطار، تتوازى ولا تتقاطع أبدًا، لن تدخل عاملة الكوافير الفقيرة، عالم الزوجة الثرية التي تحتفل بعيد ميلادها، ولن تحضر سيدة المعادي العجوز، عراك فتيات في ليلة زفاف، لكن القضبان المتوازية تؤدي لوجهة واحدة، وهي أن المرأة في تجليات كثيرة، تحمل هشاشتها كوصم ثقافي ومعنوي، لا تجبره طبقة لإنه مضفور في الثقافة ذاتها وهي الطريقة التي يمنح بها أي مجتمع تعريفه للأشياء، فالهشاشة متجذرة ولن يُخفيها أي ربيع
تُمعن نهى عادل في هندسة حكاياتها بقسوة، عندما تجعل إدانة كل امرأة تأتي من نساء يشبهنها، لا يحضر الرجال في تلك الحكايات، فهم مدانون غيبًا إما بالخيانة أو بالترك أو الخذلان. لكن القسوة تأتي من نساء فرضت عليهم سياقات اجتماعية أن يتنافسن بلا مضمار، ويتبارين بلا قواعد، لذلك تنتهي كل حكاية بانفضاح مروع، لا يُسعفه اعتذار، في الانفضاح لا تُدان امرأة واحدة إنما تبدو كل واحدة صدى ومرآة للأخرى.

تروض نهى عادل تلك القسوة عبر الكاميرا، التي تتنقل في الكادر الضيق، بتلصص رحيم، يلتقط التفاصيل التي تسقط من فوضى الحشد، تلتقط الأيدي المُرتجفة، والعيون المُلتاعة، والأطفال المتكورة بخوف في ركن المشهد، والقطط الضالة التي تُدرك قسوة الطبيعة ولا تنخدع بردائها الربيعي.
ينتهي «دخل الربيع يضحك» بالخريف، الذي يبدو على تراجيديته، الفصل الأكثر صدقًا من كل فصول العام، حيث تتعرى الأشجار من أوراقها وكسوتها، وتنفضح هشاشة الأشياء، ليجلس عجوزان منسيان من حسابات العالم، أمام باب مُغلق لكن أخيرًا في كادر فسيح يؤطر برحمة ولا يحاصر بقسوة، تلضم المخرجة الحكاية الأولى بالأخيرة لتُخبرنا أن الرحلة كانت واحدة على تنوع تجلياتها وأبطالها، وأن مجاز الربيع على قسوته وخداعه، لا فكاك منه إلا بمُصارحة وبوح رحيم لا بزينة وتظاهر يستديم غطاؤه بقمع أرواح أصحابه. يُحقق العجوزان وصالهما، دون الحاجة لخدعة من الطبيعة أو أغاني ربيعية أو وعود شعرية.
يُهدي الفيلم حكاياته للأغاني وأبطالها، لمُطربين استداموا برقة جبروت الربيع، مثلما تستديم به الطبيعة خدعها، ليُخبرنا أن الأغاني ليست مدخلًا لفهم العالم، إنما عدسة شعرية، يُمكن أن تجعل المشهد جميلًا، لكنها ليست المشهدية أبدًا



التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.