في مشهد بديع من فيلمI Am Samيتعثر الأب سام وهو يقرأ لطفلته «لوسي» قصة من كتاب للأطفال، يعجز حتى عن إتمام جملة واحدة!
لم يكن سام سوى أب مُحب، قلبه يسع العالم، لكن عقله كان مُتأخرًا، لا يُمكنه قراءة جملة مُركبة أو حل معادلة جمع بسيطة.
أتمت «لوسي» قراءة الجملة بسهولة، لكنها في تلك اللحظة أدركت أنها باتت تفوق أبيها ذكاءًا، وأنها بانقلاب شعري للأدوار، صارت هي راعيته، لم تعد هناك خبرة جديدة يُمكن أن يقدمها لها.
تبتسم لوسي بحنان، وتضع الكتاب جانبًا، ثم تلتقط كتابًا مصورًا بسيطًا، تعود الأب على تصفحه معها منذ ولادتها، تضعه في يد سام، وتطلب منه أن يقلب الصفحات من أجلها كما اعتاد أن يفعل.
مشهد من فيلم "I Am Sam-2001"
مشهد من فيلم "I Am Sam-2001"
ينتشي الأب البسيط باستعادته أبوته الراعية، و تتظاهر لوسي بالمفاجأة كلما قلب الصفحة و أشار لصورة جديدة. كما كانت تفعل قبل سنوات
ستحاول لوسي بكل الطرق النكوص إلى طفولتها القديمة، وكبح نضجها حتى لا تنتزعها المحكمة من أحضان أبيها الذي لا يستطيع رعايتها، ولكن يجد سام نفسه أمام مُحاكمة تُخبره أن حُبه لطفلته لا يكفي.
يُشبه سام وعاء احتضن بذرة يومًا حتى صارت نبتة، لكنها كي تواصل نموها، لابد أن تغادر الوعاء حتى تصل إلى ضوء الشمس وتصير زهرة. لا يمكن أن تظل لوسي بذرة للأبد، ولا يُمكن لمحدودية سام أن تُهدي لوسي لضوء شمس لا يُمكنه هو بلوغه.
في فيلمGood Will Huntingيتسكع المراهق «ويل» رغم عبقريته في الرياضيات والعلوم، مع أصدقاء لا يُشبهوه، لا يستطيعوا قراءة كتاب أو حل معادلة واحدة، مراهقين بسطاء يقضوا صباحاتهم في مهن شاقة كعمال بناء، و أمسياتهم في تجرع الجعة ومُطاردة الفتيات.
مشهد من فيلم Good Will Hunting-1997
مشهد من فيلم Good Will Hunting-1997
يتمسك ويل بأصدقائه مثلما تمسكت لوسي بوالدها، لأنهم قدموا له حُبًا غير مشروط بعبقريته أو بدرجات ينالها في دراسة. و قدموا له حماية لم يقدمها له الكبار الذين لم ينظروا له إلا كطفل زائد عن حاجة العالم، أو فأر تجارب في معمل للعباقرة.
حاولت لوسي أن تكون أمًا لأبيها، و حاول ويل أن يكون أبًا لأصدقاء لم يمتلكوا راعيًا يومًا.
ذات مرة، يطلب الأب سام من طفلته قراءة كلمة لا يُجيد قراءتها، و ترفض لوسي، يزداد إلحاحه و يزداد رفضها، حتى تُخبره أنها غبية. ثم تخبره بصوت يغالب البكاء، أنها لا تستطيع قراءة كلمة لا يُجيد هو قراءتها. لكنه يُخبرها أن ذكاءها يجعله سعيد، وقراءتها تجعله سعيد.
تعود لوسي لقراءة الكلمة.وتفطن أخيرًا أن الأبوة لا تتعلق بقراءة الكلمات إنما بالإنسان الوحيد الذي لا يتمنى شيء قدر أن تغادره بذرته و تصل إلى شمس لن يبلغها يومًا
ذات يوم يطرق عامل البناء شاكي، باب صديقه ويل، ثم يعترف له أن أفضل عشر ثواني في يومه، هي الثواني القليلة بين الرصيف والباب، عندما يُداعبه أمل أن ويل لن يفتح له بابه، أنه غادر ذلك المكان وتلك الصحبة، ووجد مستقبل وحياة في مكان آخر، يستحق قدراته.
يُخبره شاكي أنه سيعمل في البناء حتى يبلغ الخمسين، وسيموت سعيدًا، لكنه لن يكون صديقًا جيدًا لو ترك ويل يحيا الحياة ذاتها، وأنه إن لم يغادر تلك البقعة وظل متخفيًا من العالم وسط أصدقاءه البسطاء، سيقوم بقتله بنفسه.
في كلا الحكايتين، يمتلك ويل و لوسي الذكاء الكافي لاقتحام العالم لكنهما لا يتحركوا إنش للخارج، حتى تأتيهم الحكمة من رجل بسيط متأخر ذهنيًا، وعامل بناء مراهق لا يمتلك شهادة تعليمية واحدة. ربما لأن معضلة الحكايتين لم تتعلق بمعادلة رياضية أو مشكلة علمية، إنما بمفارقة شعرية عن معنى الحُب ذاته
لا يتعلق الحُب بشيء قدر أن توفر ظلًا كافيًا لبذرة كي تنغرس بهشاشتها في أرض تحتضنها، ثم أن توفر لنبتة إذنًا بالرحيل نحو الشمس، نحو آفاق ربما لن تصلها يومًا.
لا يتغير القلب وهو يقدم ظلًا أو يُقدم شمسًا، و هو يحتضن جمال هش ويُخفيه عن العالم، أو وهو يودعه بعد عناق ويطلق سراحه نحو فضاء مخيف، كما يودع طفل طائرة ورقية، تبلغ أعالي لن يصلها يومًا.
الحُب هو تقديم الظروف المثالية كي يبلغ من يُجاورنا مُنتهى ما يُمكن أن يكونه، الحب هو سماح أبدي بالنمو، حتى لو كان مضفورًا معه سماحًا بالرحيل.
الحُب هو أن ننتبه كلما حاول المحبوب أن يُقزم روحه، أو يهبط بأكتافه إلى موضع لم يعد يسعه، فقط كي يُناسبنا
مدد عقولنا سيخبرنا أن نُفسح له، ونٌبارك قزميته، كي لا يغادرنا، ولكن مدد القلب وحده سيشير له نحو الشمس.


في المشهد الأخير منGood Will Huntingيتحرك شاكي ذات صباح، في عشر ثوان يحفظها عن ظهر قلب، من الرصيف إلى مسكن ويل، يطرق الباب، لكنه لا يجد صديقه، يطل من النافذة ليجد شقة خالية. غادرها ساكنها إلى الأبد
مشهد من فيلم Good Will Hunting-1997
مشهد من فيلم Good Will Hunting-1997
يرتسم على وجه شاكي مزيجًا شعريًا من الابتهاج، كما نبتهج أمام قفص مهجور، غادره طائر نُحبه وعاد إلى سماءه، وبعضًا من الحُزن، لأننا ربما لن نرى من نُحب مرة أخرى.
مشهد من فيلم Good Will Hunting-1997
مشهد من فيلم Good Will Hunting-1997
يذهب شاكي إلى أصدقاءه ويخبرهم بسعادة عارضةودموع تخفيها العين ببراعة:

ويل لم يعد هنا