في الحوار الأخير بين «إبراهيم» و«عشري»، نجد إنعكاس للمُحادثة بكاملها في الماء الآسن، الماء الذي حاول فيه عشري قبل قليل التطهُر من خيانته بقتل نفسه، لكنه يختار الكذب في النهاية ودفع صديقه لحتفه والموت معه عوضًا عن أن يُصارحه بخيانته. كلما أمعن عشري في الكذبة، كلما إطمأن له صديقه، كلما زاد تشوه المُحادثة في مرآة الماء الآسن، كلما زادت عكارتها.

ينتهي المشهد لننتقل لعبد الملك زرزور وهو ينظر في مرآته، مرآة ناصعة لا يخش النظر فيها، مسخ في مرآة لكنه مُطمئن لقوته، يكذب زرزور مثل عشري، يُطمأن حبيبته، وهو يُذخر سلاحه لقتل الرجل الذي يعلم أنه ملك قلبها، تمنحه المرآة كادر قوة، يرى نفسه إلهًا، إله على وشك إمتلاك محبوبته للمرة الأولى، عندما يمحو حبيبها الذي يُشاركه فيها من الوجود.

يتحول عشري إلى يهوذا وهو يُفرط في هويته الوحيدة التي يعرفها عن نفسه، صاحب صاحبه، لهذا كان الإنعكاس آسن مثل روح تتعكر، و يتحول زرزور إلى التأله الكامل بإمتلاك الشيء الوحيد الذي عجز عن إمتلاكه وهو عشقه لحورية ، عشق مُبرأ من المنافسة لهذا كان الإنعكاس مُفرط في عنفوانه، تكاد تُظهره المرآة أكبر من حقيقته. بينما حورية في عُمق المرآة، غادرتها هالة القوة المُصطنعة وبدت على حقيقتها، إمرأة ترتجف لأجل من تُحبه، مهما إصطنعت من القسوة.
في مشهد النهاية عندما يفطن «إبراهيم» لهلاكه، تمر المرآة ليرى إنعكاسه مع صديقه، ليرى مشهدية نهايته، يظهر الإنعكاس قليلًا، باهتًا، يحتضر مثل حكايته، ومن قلب المرآة يبرز الغدر في صورة رجال زرزور المُختبئين خلفها، تتحطم المرآة ويندفع إبراهيم مثل وحش لمُلاقاة مصيره، مثل وحش جريح.


في نهاية «إبراهيم الأبيض» تمُر المرآة على الشخوص كافة، لتفضح حقيقتهم، لا يموت واحد قبل أن يرى إنعكاس ذاته في المرآة، وتكون لحظة الإدراك هي لحظة الهلاك، لهذا يُطل الموت ويحصد الجميع من المرآة ذاتها.
خارج كل مدارات القصة وعُنفها ودمويتها، لا يظهروا سوى عُشاق، عٌشاق مساكين في لعبة مرايا، ينتهي الفيلم بالدم، لكن جوهره في بدايته، في قول الشاعر
مساكين أهل العشقحتي قبورهمعليها تراب الذل بين المقابر



التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.