يبدأ فيلم «أحلى الأوقات» بصباح صحو، تستيقظ فيه سيدة، تُمارس الحُب مع زوجها، تُزيح الستائر ليغزو دفء الشمس المنزل الهاديء، ترتشف قهوتها وتسمع الموسيقى، يأتي النسيم في غير موعده، دخيلًا على دفء الشمس، فيطير وشاحها.
يستقر الوشاح على فرع شجرة، تُحاول الوصول له عبر درج خشبي، تسقط من علً، كأول ضحية في العالم قتلها النسيم في صباح صحو. في واحدة من أرق افتتاحيات الأفلام وأكثرها حُزنًا
تُثبت «هالة خليل» الكاميرا برهافة على الوشاح العالق على الشجر مثل راية حُزن ترفرف بلا كلل، تُستعاد تلك اللقطة كثيرًا على مدار الفيلم، لتهمس لنا أن أحدًا من شخوص الحكاية لم يُحاول إسقاط الوشاح، يٌطل الزوج والإبنة كل يوم على الشجرة التي قتلت الأم ولا يقترب أحد لإتمام المُهمة التي قتلتها أبدًا.
يُجمد بقاء الوشاح على الشجرة لحظة موت الأم، لتصير تقويمًا أبديًا، لم تتعافى منه الإبنة أو الزوج، لم يتجاوزا أبدًا يوم موت السيدة الجميلة، تبدو أي محاولة من ابنتها لإسقاط الوشاح، هي هدم لحيلة دفاعية أخيرة ضد قبول ما حدث، اعتراف ضمني أن الأم لن تأتي لتُكمل المهمة أبدًا، أنها ماتت ولن تعود للأبد.
تبدو الشخوص كلها في فيلم «أحلى الأوقات» مثل مومياوات تسكن صناديق قطيفية، شخوص عالقة في ماضيها، هربًا من حاضر لا يشبه هذا الماضي
فتاة منطوية لا تتذكر من طيف سعادتها وعفويتها سوى صور طفولتها في حي شبرا القديم، وأصدقاء الطفولة، فتاة ثانية تمنت أن تكون ممثلة شهيرة لكنها انتهت لمكتب تصوير متهالك، وصديقة ثالثة حلمت برومانسية لا تبلى فانتهت لامومة تطمس أنوثتها في عين زوجها،
مُعلم أربعيني لا يستطيع مُجاوزة حُب أبوي مراهق لتلميذته،
وأخيرًا زوج هرع إلى المقبرة ليسأل زوجته ماذا يفعل بعد موتها؟ ويُحاول استعادتها من جديد بحُب مراهق مع فتاة تصغره بعقود. شخوص عالقة مثل الوشاح على الشجرة تنتظر أن يُحركها النسيم ولو كان قاتلًا.
المُراهقة المتأخرة هي فعل عودة حزين للماضي لاستعادة نُسخنا الشابة الأكثر سعادة، كل أبطال الحكاية ناضجين لكنهم يخوضوا رحلة عودة للماضي، لاستعادة تلك النسخة، كل صديق من الطفولة هو ماضي يُطل كمرآة للآخر يطلب المساءلة حول ما كان عليه وما آل إليه
شخوص كان السبيل الوحيد لانقاذها من النظر للوراء أن تُقدم الحياة لهم من جديد في ثوب لُغز، أحُجية تغري أصحابها بالخروج من صناديق ذكرياتهم وتفحصها من الخارج.
يُرسل الزوج المكلوم رسائل سرية إلى ابنة زوجته، يختبيء وراء خطابات مُلغزة تدعوها للنظر لماضيها، تصير الخطابات هي الدافع الوحيد للفتاة لتخرج من جديد، تبحث عن أصدقاء طفولتها، وأبيها، ونُسختها الطفولية الاكثر حيوية التي تركتها في صور الماضي.
لا تستعيد الشخوص نُسخها القديمة، الماضي لا يعود أبدًا، لكنها تُحررها مثل بالون في الهواء، لكيلا يصير الماضي سجنًا يفغر فاه لابتلاعنا في نوستالجيا خادعة كلما أرهقنا الحاضر، إنما حكاية لم تنته بعد يُمكن أن نُتوجها بنهاية سعيدة.
يفقد الماضي ثقله ويكتسب خفة لا تُحتمل، تُعبر عنها الأغنية:
الدنيا ريشة في هوا، طايرة بغير جناحين
احنا انهردة سوا، وبكرة هنكون فين
أغنية قديمة تنتمي لماضي الأبيض والأسود لكن يستعيدها مُطرب عصري، في إشارة لجوهر الفيلم بأكمله، قدرة الماضي على التجدد دومًا دون أن يفقد جماليته أو يكون ثقلًا، يصير ريشة في هوا لكنها ريشة هادية لما يجب أن نفعله اليوم والغد.



تمتلك الشخوص في النهاية الشجاعة لمواجهة الحاضر، تتخلص البطلة من عدساتها اللاصقة، وترتدي عويناتها القديمة، ليس نكوصًا للماضي، إنما إشارة شعرية لرؤية الحاضر كما هو، بعيون جديدة، أقل جاذبية لكنها أقل كذبًا كذلك.
نستعيد مشهد البداية لسيدة سذاجتها حالمة ومُحببة، تحاول مطاولة السماء ومناطحة النسيم لاستعادة وشاحها الأثير، لكنها تموت، لا تبدو ميتة قاسية في النهاية، إنما ريشة في هوا طالت ما أحبته أو لم تفعل،
لكن قلبها ارتوى بالنشوة في النهاية. فيتحول الوشاح الحزين إلى راية جمالية لكل المعاني التي حررت أبطال الحكاية، حكاية احتاجت أن تبدأ بموت جميل يخلق حيوات جديدة لكل شخوصها
بحب «أحلى الأوقات» وبحب شعرية «هالة خليل»، يٌكمل الفيلم هذا العام، 20 سنة، شفته أول مرة وأنا عمري 12 سنة، وشفته عشرات المرات في سنة موت أمي وأنا عمري 26 سنة، وشفته امبارح، وكل مرة ليه نفس الشعرية الشافية



التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.