يقول الفيلسوف الرواقي «ابكتيتوس» أن كل امريء جاء إلى هذا العالم مُنح امتياز من الآلهة، دعوة إلى مهرجان الوجود. استدعاء من العدم إلى الحضور، و هذا يضع مكانًا فريدًا له في خطة العالم. لا أحد يُشبهك قبل مجيئك، ولن يأتي أحد يشبهك بعد رحيلك.
يؤمن الرواقيون أن العالم يُحركه انسجام فريد، هناك خطة واحدة تشمل الجميع، وهذا يعني أن كل الأحداث التي سبقتك منذ خلق الله العالم، كل ورقة شجر هبطت إلى الأرض، وكل قطرة ماء تبخرت وصعدت نحو السماء، وكل حركة تدافع للبشر في كل بقاع الدنيا، تضافرت معًا في أثر فراشة كوني وملحمي. انتهى بحضورك أنت.
رغم التضافر الفريد الذي يجعلك بطلًا لحكاية كونية، يُخبرنا «ابكتيتوس» عن لحظة سنموت فيها، سنُخلي مكاننا بمهرجان الوجود لآخرين يجب أن يولدوا و يخوضوا المُغامرة نفسها، سنكون جزءًا من أثر فراشة يرسم حكايات لكنها لا تخصنا، حكايات ستأتي بعدنا.
يُخبرنا ابكتيتوس أن البطل في حكاية عالمنا، ليس أنا أو أنت، إنما «مهرجان الوجود» أو «مسرح الحياة» ذاتها. نحن نحتل المسرح لبُرهة، نكون أبطال الحكاية، و مُنتهى أثر الفراشة. لكن في لحظة بعينها علينا أن نعود إلى الوراء، ونصير أجنحة الفراشات كي تبدأ حكاية جديدة.
يرى ابكتيتوس أن معاناة كل الخلق أنهم يُحبوا اللحظة الأولى، لحظة ولوج مهرجان الوجود والطمع ببطولة الحكاية، ولا يُحبوا اللحظة الثانية. لحظة المغادرة.
فيPerks of Being a Wallflowerلا يبدو «تشارلي» سعيدًا أنه جاء إلى مهرجان الوجود، منذ لحظة ميلاده يكبح اساءة واعتداء قديم تعرض له على يد عمته «هيلين»، كانت تجربة الحُب الأولى في حياة تشارلي هي انتهاك، وفي ذروة تعبير الآخرين عن حُبهم لنا، في يوم ميلادنا. قُتلت عمته «هيلين» في حادث سير وهو في السابعة، عندما ذهبت إلى سيارتها كي تجلب هدية عيد ميلاده
منذ البداية يُدرك تشارلي أن مجيئه إلى مهرجان الوجود، جعله مُنتهكًا، ثم قاتلًا. وعندما حاول أن يكون صديقًا وحسب. عجز عن إنقاذ صديقه المُقرب الذي أنهى حياته بطلقة نارية.
يُقرر «تشارلي» في مراهقته، العمر الذي يُعلن فيه المرء حضوره إلى العالم بصخب متمرد، أن يكون «زهرة حائط»، وهو تعبير أمريكي عن الإنطوائي، الفتى الذي يُريد أن يكون نقشًا صامتًا على جدار، يُلاحظ العالم، ولا يتورط فيه.
لا يُثمن تشارلي لحظة ولوجه مهرجان الوجود، ولكن تُداعبه آمال خفية في المغادرة، يسميها أطباؤه ميول انتحارية، ويعتبرها هو تصحيحًا لمُعادلة خاطئة في خوارزميات العالم، أدت لميلاد الفتى الخطأ.
لم يعرف تشارلي من الحُب إلا الإنتهاك، لم يُخبر أحدًا بما حدث له، وموت عمته بتلك الطريقة جعله مسئولًا، لا يدري هل قتلها حبها المشوه له؟ أم رغبة خفية بداخله في أن تموت لأنها انتهكت طفولته؟
لا يعرف تشارلي كيف يروي حكايته، لأنه لم يفهم بعد أن ما تعرض له هو انتهاك وأن ما قتل عمته هو القدر لا أمنياته الداخلية، لذلك تصير حكاية الفيلم برمتها، خطابات مُبهمة يكتبها تشارلي إلي صديقه الراحل، الذي امتلك شجاعة مُغادرة مهرجان الوجود، مُعترفًا أنه جاء إلى المسرحية الخطأ
منذ اللحظة الأولى بالحكاية نُدرك أن تشارلي أقرب للموت منه إلى الحياة، و أن خطاباته إلى صديقه تشده إلى الضفة الأخرى أضعاف ما يُبقيه أي شيء في هذا العالم.
لكن ما يُفسد خطته أنه يُرى.
صُحبة أصدقاء يروا بصعوبة الزهرة المنقوشة على الحائط، وينتزعوها من مواتها، إلى مهرجان الوجود، كي تصير لها حكاية.
مشهد من فيلم "The Perks of Being a Wallflower-2012"
مشهد من فيلم "The Perks of Being a Wallflower-2012"
لم يُقدم هؤلاء الأصدقاء مُعجزة إلى تشارلي، فقط قدموا له هذا الشك اللذيذ أن ربما مجيئه إلى هذا العالم، لم يكن عطبًا كاملًا، وأنه رغم انسحابه من كل مسارح الحضور، أحدهم رآه، وهذا أفسد شبحيته، لا يُفترض أن يرى الأشباح أحد، لا يُفترض أن يُصادقهم أحد، ولا يُمكن لأثيريتهم أن تستقبل الحب وتحمله. إذا رآه أحدهم، فهذا يعني أن مجيئه إلى العالم لم يكن عبثيًا.
لا تظهر الصداقة و الحُب باعتبارها حلول سحرية في عالم تشارلي، تعترف الحكاية بهشاشة الوجود، وبمعضلة ابكتيتوس، لكنها تُعبر عنها بمجاز بصري ساحر.
يقود الأصدقاء سيارتهم، عبر جسر يُشبه مهرجان الوجود، كأنه جسر يربط الحياة والموت، لحظة ولوجه تقف حبيبة تشارلي عبر سقف السيارة، كأن الجسر مسرحًا مُعد منذ الميلاد لأجل دخولها، أضواء على الجانبين خلابة تجعلها تتألق كأنها خالدة، كأن الكون خُلق لأجلها. ولكن لا تلبث الأضواء أن تذوي و الجسر يُقارب نهايته، وتصير السيارة نٌقطة بعيدة. مُغادرة الوجود. ومفسحة الطريق لسيارة جديدة وحكاية جديدة.
لا يعبر الأصدقاء الجسر بسيارتهم كل يوم، إنما يذهبوا له فقط متى سمعوا أغنية أحبوها، و الأغنية التي قادتهم إلى الجسر في ذلك اليوم هي تُحفة ديفيد بوي «هيروز» التي يقول فيها:

I, I will be king And you will be queen Though nothing will drive them away We can beat them, just for one day We can be heroes, just for one day

سأكون ملكًا، وستكوني ملكة رغم أن لا شيء سيطردهم بعيدًا عنا ولكن بإمكاننا هزيمتهم، ولو ليوم واحد فقط بإمكاننا أن نكون أبطال، ولو ليوم واحد فقط

تلمع عينا تشارلي لأول مرة في حياته، يهتز وجدانه كأنه يوشك على البكاء، كأنه وجد أخيرًا سببًا للحياة، يلتفت لصديقه ويقول له:

أشعر بالأبدية
تبدو كلمات «بوي» هي الخلاص الذي تمنى تشارلي أن يسمعه منذ طفولته، تبدو كذلك عزاءًا وجوديًا تُقدمه الموسيقى تجاه هشاشة الوجود، أو اللحظة التي نولد فيها من عدم ونصير أبطال الحكاية، دون أن ندرك أننا بعد برهة سنغادر وسيأتي أبطال جُدد
تعترف الأغنية أن لا دواء لهشاشة الوجود، أفكار الموت لا يُمكن طردها أو هزيمتها، و هواجس الرحيل لا تغادرنا. سواء أحببنا الحياة بما يكفي كيلا نتركها، أو كنا مثل تشارلي، نتوق لتصحيح خطأ وجودنا بالرحيل.
رغم تلك الهواجس، ورغم محدوديتنا التي تنتهي بالموت والنسيان، لو وجدنا في فترة حضورنا القصيرة بالعالم، من يُحبنا، من يرانا، من يثبت لنا أن وجودنا في هذا العالم جزء من خطة الوجود، ربما حينها نصير ملوك تلك الحكاية، لأننا وجدنا ملكاتنا، يمكننا أن نهزم تلك الهواجس ولو ليوم واحد، يُمكننا أن نكون أبطال ولو ليوم واحد.
يقاتل تشارلي هواجسه، يُحاول أكثر من مرة الرحيل عن مهرجان الوجود، يُحاول أن يلحق بصديقه المُقرب إلى الضفة الأخرى. ولكن لا يربطه بالحياة إلا لحظة الجسر تلك. ولا ينجو إلا عندما يزوره أصدقاءه مرة أخرى، ويذهبوا جميعًا إلى الجسر ذاته، لكن تلك المرة، يعتلي تشارلي سقف السيارة. كأنه تقبل لأول مرة في حياته هبة وجوده، وأنه لم يأتي عبثًا إلى مهرجان الوجود. تقبل تشارلي أخيرًا أنه بطل لحكايته.
يتأمل تشارلي الأضواء التي تذوي، والجسر الذي يعبره، يُدرك أن هواجسه مازالت بداخله، وأن الظلام أقرب له من الحياة، لكنه يتلو خطابه الأخير إلى صديقه، يشكره لأن خطاباته له أنقذته من الوحدة، ويعتذر ربما لأن ذلك هو خطابه الأخير، عليه أن يتوقف عن الكتابة إلى الموتى لأن شيئًا في العالم يستحق العيش ويستحق فحصه. ولكن مع الاحياء تلك المرة، وهذا يجعل خطة الموت مؤجلة ... ولو بشكل مؤقت
Perks of Being a Wallflower  : أن نصير أبطالًا، ولو ليوم واحد
مشاهد من فيلم "The Perks of Being a Wallflower-2012"
مشاهد من فيلم "The Perks of Being a Wallflower-2012"
يقول تشارلي:

أعلم أننا جميعًا سنصير قصصًا ذات يوم، والصور التي التقطناها يومًا ستصير ذكريات بعيدة، ولكن الآن هذه اللحظة ليست قصة بعد، هذه اللحظة تحدث. أنا هنا الآن، أنظر إلى الفتاة التي أحبها، وهي جميلة جدًا.

تقترب السيارة من نهاية الجسر، وتذوي الأضواء، نُدرك أن قصة تشارلي توشك على نهايتها، لا يدرك تشارلي ما تبقى له من وقت في مهرجان الوجود، لا يُدرك هل هو أقرب إلى الموت أو مخرج الجسر، منه للحياة، لكنه يُطمأننا ويقول:

تلك اللحظة، التي أقضيها مع أصدقائي الأقرب إلي في هذا العالم، على ذلك الجسر، أستمع لأغنية بوي، تلك اللحظة التي تُدرك فيها أنك ربما رغم كل ما حدث لك، لست قصة حزينة، تلك اللحظة. ..أنت حي،.. عندئد أقسم، أنني أشعر بأبديتي.

مشاهد من فيلم "The Perks of Being a Wallflower-2012"
مشاهد من فيلم "The Perks of Being a Wallflower-2012"
تغادر السيارة الجسر، وتصير نقطة بعيدة، نقطة مضيئة وسط مئات السيارات، مهرجان أضواء و ألوان يشبه الوجود ذاته، لسنا فيه سوى قصة، كنا أبطال العالم يومًا، وغدًا سنصير ذكرياته.
كل العالم تضافر من أجلنا في أثر فراشة بديع كي نولد، وبعد زمن سنصير غُبار و ذكريات تفسح الطريق لأجل حكايات جديدة.
ولكن ما يجبر تلك الهشاشة، أن يرانا أحدهم في لحظة المسرح، يُحبنا، ونتوه عن أضواء الجسر وقرب المخرج بنظرة له،نصير ملوكًا وملكاتنصير أبطالًا وخالدين،نهزم مؤقتيتنا وموتنا المحتوم ولو ليوم واحد، ولو بنظرة واحدة.
لا يعدنا تشارلي بالخلاص، لكنه يعدنا أنه تصالح مع وجوده، و أن مجيئه لعالمنا ليس خطأ في خوارزمية العالم، إنما وُجد لأجل نظرة مُحب، تنتزعه من الحائط للحضور، يعدنا أننا لو وجدنا النظرة التي خُلقنا من أجلها سنصير خالدين، سنشعر بالأبدية، وسنؤجل الموتولو ليوم واحد.