يدور فيلم

oddity

حول داني زوجة الطبيب النفسي تيد، والتي تلقى مصرعها بشكل مروع على يد مريض نفسي يُعالجه زوجها، لتُقرر أختها التوأم والوسيطة الروحانية «دارسي» التحقيق في الحادث، مُشككة في سردية مصرعها التي يتبناها «تيد» و المُسلحة بتقاريره الطبية حول مريضه.

جوهر «أوديتي» هو المواجهة بين سُلطة الطب النفسي الصارمة وسلطة الخوارقي الغنوصية، وهي مواجهة قديم قدم الطب النفسي ذاته. وقدم السينما أيضًا

أثارت سينما الرعب افتتان سيجموند فرويد وكارل يونج على حد سواء، لأن الخوارقي بوابة سحرية للعقل الباطن، لا يعني الخوارقي والمُرعب بقوانين عالمنا إنما يتجاوزها لما يُرجفنا، يتحدث بالرموز أضعاف ما يتمظهر بالبداهات، وتلك لغة العقل الباطن بالأساس.

يعتبر البعض أن الطب النفسي رسخ حضوره في السينما عبر فيلم «سايكو-1960» لهيتشكوك، باعتباره سُلطة لتفسير الغموض، عندما ظهر الطبيب النفسي على الشاشة بدلًا من المُحقق ليخبرنا عن جوهر دوافع «نورمان بيتس» للقتل وعقدته المرتبطة بأمه.

ولكن يُمكننا العودة قليلًا بالزمن لفيلم «كابينة دكتور كاليجاري-1920» لنرى تشكُك الأبطال في سُلطة المنوم المغناطيسي والخبير الذي يسلُبنا إدراكنا لما هو حقيقي لصالح وهم. وهو الوجه الآخر للعملة في سُلطة النفساني. قدرته العلاجية والايحائية على سلبنا قدرتنا على اختبار العالم شعوريًا بقدرته العلمية على تأويل وتفنيد ما نشعر به، وإعادة تفسيره

في «أوديتي» يمتلك الطبيب النفسي «تيد» زمام الحكاية، يُخبرنا بما حدث، ويُطلق أحكامه النهائية على قاتل زوجته، وعلى أختها.

تبدو «دارسي» نقيض تيد، فهو يمتلك بصيرته العلمية وعروضه الدائمة لعلاجها في مستشفاه من ايمانها بالغيبيات والأشباح، بينما هي للمفارقة وسيطة روحانية ضريرة، لا ترى الملموس، وتدعي أنها ترى ببصيرتها المخفي، في المشهد الأول للقائهما، يُخفي تودد «تيد» احتقار مُشفق لما تُمثله «دارسي»، يمنحها قطعة من أثر قاتل أختها مُستخفًا بقدرتها على الوصول لما هو أبعد من سرديته المحكمة عن مصرع شقيقتها.

في سينما الرعب يظهر الأشباح دومًا في صورة رُسل غاضبين من العالم الآخر، مُحتجين على عدالة ناقصة تخص مقتلهم، يظهر الخوارقي مُحتجًا على عجز سُلطة القانون وعالم الأحياء على الاقتصاص للموتى. ولكن يظهر احتجاجهم وانتقامهم مروعًا بعشوائيته، يُمكن للشبح أن يُطارد أحياء أبرياء بدلًا ممن قتلوه، ويُمكنه قتل ضحايا جُدد في مظلوميات جديدة.

يمثل الشبح، قوة المكبوت المُعفى من كوابحه، الذي ينبثق من القاع للسطح كما تنبثق عدوانيتنا في الأحلام، لذلك يختلط الطب النفسي بالخوارقي في صورة مساومة بأفلام مثل conjuring في شخصيتي «إد» و «لورين» الخبراء في ترويض الأشباح عن عنفوانهم، لينالوا لهم عدالتهم دون السماح لعنفهم بقتل أبرياء.

في «أوديتي» تذهب دارسي إلى منزل شقيقتها مُصطحبة دُمية مروعة في حجم الرجل العادي، لا تُخفي قدراتها السحرية ولا رمزيتها، فالشبح والخوارقي يحضر هنا دون خفاء، مثل صنم مُعلن لمعنى خفي. لا يحتاج خبراء لترويضه ولا نفسانيين لفهم رمزيته.

تُجيد الدمية بأوامر «دارسي» الإنتقام بشكل موجه وهاديء، لا يُشبه ثورات الأشباح في عالم الرُعب. فهي دمية تخضع بالكامل لأوامر العدالة في أفعالها، مما يجعلها أداة قصاص لا أداة تنفيس.

لا يحضر شبح «دارسي» المُرعب للانتقام بشكل عشوائي مروع ضد سُلطات قانون خذلته، إنما لتحقيق العدالة ضد سُلطة الطب النفسي التي يُمثلها الزوج، سلطة منوطة بترويض الإنفعال ووصم فيض التجليات بكل صورها بالجنون.

مشهد من فيلم "Oddity-2024"صورة مقترحة ثامبنيل
مشهد من فيلم "Oddity-2024"صورة مقترحة ثامبنيل

يرى فرويد أن المكبوت لا يظهر عبر الخوارقي والمُرعب إلا كحيلة يائسة بعدما نجحت كل سلطات المنطق في كبح الحقائق، في «أوديتي» يظهر الخوارقي على يد دارسي كحيلة أخيرة ضد سلطات القانون والطب التي عجزت عن نيل العدالة لأختها، ولكن لا يتمظهر الخوارقي بعنفوانه إنما بحكمة هادئة، تكاد للمفارقة تُحاكي أدوات الطب النفسي وأساليبه، لتنفيذ انتقامها.

في بداية الفيلم يسخر الطبيب «تيد» من جرس ملعون تمتلكه «دارسي»، تُخبره أنه ينتمي لحمال في أحد الفنادق، مات بشكل مروع وهو يقوم بعمله، لذلك كلما ضغط أحدهم الجرس، يُستدعى من العالم الآخر لقتل مُستدعيه. يكاد «تيد» يلمس الجرس مُستغلًا عجز دارسي عن رؤيته لكنه يتراجع في اللحظة الأخيرة، كأن الطبيب العقلاني يمتلك في دخيلته إيمانًا خائفًا بالماورائيات

يُحقق «تيد» بنهاية الفيلم جريمته الكاملة، وبسُلطته كطبيب نفسي يمتلك القدرة على التخلص من كل من يُمكنه مُساءلة سلطته أو كشف قتله لزوجته، يقتل الطبيب دارسي ببساطة مثيرة للشفقة مُستغلًا عجزها كضريرة عن رؤية حُفرة واسعة في منتصف المنزل، يحرق دُميتها التي تنحسر قواها بموت الوسيطة التي تُوجهها، ويجلس في ردهة منزله مُنتشيًا.

ينظر «تيد» في المشهد الأخير إلى الجرس الملعون، وينجذب لاغراء تجربته، مُسلحًا بنشوة انتصاره على كل السلطات التي يُمكنها كشفه، حتى سُلطة الوسيطة الروحانية

يكثف المُخرج الأيرلندي «داميان ماكارثي» التشويق النهائي في دقيقة كاملة، ننتظر فيها مع تيد، قبل أن يضحك مُعلنًا انتصار سلطته، ولكن يأتي شبح حمال همجي من خلفه، ليجرف المشهد بأكمله.

مشهد من فيلم "Oddity-2024"
مشهد من فيلم "Oddity-2024"

لا تنجح قدرة «دارسي» كوسيطة روحانية، وساحرة على ترويض الخوارقي واستخدامه بعناية كأداة للوصول للحقيقة، إنما تحقق هدفها بعد موتها عندما تُرسل الجرس في صورة طرد بريدي إلى تيد وهي تُدرك أنه لن يقاوم تجربته

تتحقق العدالة للمفارقة على يد شبح انتقامه أعمى، يقتل كل من يستدعيه أو يُشكك في وجوده مثل أشباح الرعب المعتادة ولكنها على روعها ميتة تليق بطبيب نفسي.

يقول يونج أن لا شيء نفعله يختفي، كل شيء يُستعاد بصورة أو بأخرى، ولكننا رغم امتلاكنا سُلطة في اختيار ما نفعله، لا نملك سُلطة أبدًا في تحديد متى أو كيف يُستعاد، لذلك نؤسر لصالح أحلامنا، ومخاوفنا من عودة المكبوت للسطح في صورة لا نعرفها ولا تحكم لنا بها.

يموت الطبيب «تيد» وتتحقق العدالة على أفعاله التي اختارها بعناية، ولا تُستعاد الكارما خاصتها، بمنطق أو تخطيط إنما بفعل بسيط يكاد يكون إيماني، وهي رغبة رجل مادي علمي في اختبار الخوارقي، والتأكد أن عالمه المُحكم لا توجد سُلطة خارجه يُمكنها رؤيته وإدانته.

في مُعظم كتابات يونج، يُزين فقراته بعبارة :

اللاوعي يعرف.

في إشارة لقدرتنا الواعية على خلق سردية مُحكمة، لا يُمكن كشفها، ولكن في نهاية اليوم، وفي جلستنا المُنفردة، نُدرك جيدًا ما فعلناه، ونُدرك أننا لا يُمكننا الفكاك من عدالة وجزاء ما اقترفناه، لأن لا فكاك لأحدهم من نفسه.

لا يقتل «تيد»، عوارًا في خطته، ولا نقصًا في دهائه، ولا ضعفًا في سُلطته النفسية، لا يقتله حتى براعة الوسيطة الروحانية وشبحها المُروض، إنما يقتله تحديدًا ذلك الهاجس، الرغبة الإيمانية في اختبار النظر لأعلى بحثًا عن تلك العين التي تشهد كل ما فعلناه.

يصعب أن يحصد oddity إعجاب الكثيرين، لأنه يُحاول ترويض الخوارقي، كأداة متوازنة ومُرهفة لتحقيق العدالة، ولكن ببعض الصبر، ينفلت الخوارقي من تلك الفكرة ويُحقق بعنفوانه العدالة التي يعرفها، ربما لأن سحر الرعب تحديدًا لا يكمن في العودة العادية للمكبوت إلى السطح،

إنما في كونها عودة طوفانية، تجرف كل شيء. وتحديدًا كل من حاول بنزقه الوقوف بوجه الطوفان لاختباره، فالخوارقي والمرعب لا يعود أبدًا في جوهره كأداة للعدالة الدقيقة إنما كأداة للتنفيس الملحمي، والتنفيس لا يتحقق بكوابح أو بترويض، ولا يعبأ بما يجرفه، إنما هو أعمى مثل حمال غاضب، يُستدعى دومًا للعدوان