في نموذج كيوبلر روس للفقد، تتوسط مرحلة «المُساومة» عقد الفقد، تأتي بعد مرحلتي الغضب والإنكار، و يليها الاكتئاب والقبول، تبدو مثل ليمبو أو أعراف تكمن بين جنة الإنكار و ألم التسليم.
في الإنجيل يقترب الشيطان من المسيح بصفقة مُساومة، عليه أن يُلقي نفسه من الجبل، ليرى هل الرب مُرسلًا ملائكته ليحملوه؟، يرد عليه المسيح:

مكتوب أيضًا لا تجرب الرب إلهك
لا تعقد مُساومة مع القدر أبدًا، لأنك ببساطة لابد أن تكون إلهًا كي تجلس على طاولة واحدة مع الآلهة.
منذ لحظة التعارف الأولى بين ويليام و أغنيس، نُدرك أن كل أبطال الحكاية مسحورين عن ذلك التحذير المُقدس، ومنذورين لهذه الأعراف، التي تسكنها فكرة مُساومة القدر.
Hamnet : خُلق الفن دومًا من صمت الآلهة
يُخبر ويليام حبيبته أنه لا يُجيد الحديث، تُساومه كي يبقى بأن يتخلى عن حديثه العابر و يُخبرها قصة، قصة تُحرك المشاعر.
يختار ويليام من بين كُل الحكايات قصة أورفيوس العازف الإغريقي الذي ناوله أبوللو القيثارة، فخضع الكون لسحر ألحانه. عندما لدغت الأفاعي حبيبته يوريديس، هبط أورفيوس إلى العالم السفلي، مُخضعًا كل حراس الجحيم بأنغام قيثارته، عقد أورفيوس مُساومة مع آلهة الجحيم كي تُبعث حبيبته من الموت وتعود معه، توافق الآلهة شريطة ألا ينظر أورفيوس خلفه في طريق العودة.
يؤمن أورفيوس بفنه، يؤمن بحبيبته، لكنه لا يؤمن بما يكفي بالآلهة، لذلك تخذله لهفة اشتياقه وينظر خلفه مُختلسًا نظرة تطمأنه، نظرة سيدفع أورفيوس ثمنها للأبد عندما تعود يوريديس إلى عوالم الفقد، ولكن للأبد تلك المرة.
تعقد أغنيس مُساومة مع الرب، لن تذكر كنيسته ولا جنته، في مُقابل ألا يقترب من رؤاها ويتركها تتحقق، وبالفعل يُحقق الرب رؤاها التي رأتها سابقًا وهي تجلس ساكنة بين طفليها، وبالفعل، ينجو التوأم الذي أنجبته من الموت
تسري جينات المُساومة من ويليام وأجنيس وتجد طريقها إلى طفلهما هامنت الذي يعقد مٌساومة أخيرة مع الرب، أن يقبض ملك الموت روحه هو و يترك أخته التي تُعاني من الطاعون.تتحقق الصفقةويموت هامنت
يظهر ويليام و أغنيس طوال الفيلم مثل أرواح منذورة لحكاية خيالية، يتهامس القرويون أن أغنيس إبنة لساحرة في الغابة، إذا وضعت كفك في راحة يدها، يُمكنها أن تقرأ أفكارك وتعرف كنه روحك، بينما ويليام مسكون بشخوص داخله عليه لأجلهم أن يرحل إلى لندن البعيدة ويبني مسرحًا ويُخرجهم إلى الناس بالكتابة.
تبدو الشخوص دومًا في هامنت مسكونة بما هو أعمق من ظاهرها، مثلما تبدو الغابة دومًا مسكونة بهوة مُظلمة لا يطولها النظر، كأن الفرد بداخله اثنان، امريء يحيا و يموت، و امريء أبدي لا يكف عن المُلاحظة.
في عمر الرابعة عشر، أدرك الروائي الفرنسي «ألفونس دوديه» لأول مرة أن بداخله إثنان، في الليلة التي مات فيها أخوه هنري، عندما صرخ أبيه بشكل مأسوي
(مات، مات!)
 يقول دوديه:

فبينما بكت ذاتي الأولى، فكرت ذاتي الثانية: كم خرجت هذه الصرخة بصدق، كم كانت ستبدو جيدة في المسرح

طوال الحكاية يرتعد ويليام أن تُمسك حبيبته يده، وتقرأ أفكاره، و تعرف عن هذا الآخر الذي يُراقب بداخله، الذي يُمكنه أن يُحول كل فاجعة و كل جمال إلى حكاية، يرى ويليام نفسه شيطانًا، يحلب مادة العالم، يحلب بؤسه ذاته و يصنع حكايات، تتهمه أغنيس بذلك عندما يتركها في غمرة حزنها و يذهب لصنع مسرحيته في لندن.
لا يوجد أحد يُمكنه أن يُدافع عن غرابة ويليام، لم يُعذب ويليام إلا سؤال واحد، أين ذهب هامنت بعد أن عقد مُساومته مع الرب؟أين يتجول طفله الآن؟تُخبره أغنيس أنها لا تستقبل شيئًا من سحرها، لا تعلم أين ذهب طفلها
يقول شكسبير في هاملت:

في نوم الموت أي أحلام نراها و قد ألقينا عنا هذا الجسد الفاني؟

يُدرك ويليام أنه لن يعرف أبدًا ما يوجد على الضفة الأخرى، يكف أخيرًا آل شكسبير عن عقد أي مُساومة جديدة مع الرب، يُدرك ويليام أن عليه أن يصطنع مكانًا لطفله، و إن لم يكن حقيقيًا، و إن كان خيالًا.
يولد الفن في تراجيديا هامنت، من صمت الآلهة، من لحظة يُدرك فيها المرء ضيق و عجز محدوديته، يُدرك أنه لم يكن إلهًا أبدًا، وأن أي مُساومة لم تحدث إلا في خياله وحسب، ولذلك يلجأ بافتقاره إلى هذا الخيال الذي صنع المُساومة، ليصنع به جمالًا جديدًا، ليصطنع حكاية كاملة، ليخلق فنًا
يقول نيتشة:

يعتقد الإنسان أن العالم مليء بالجمال، لكنه ينسى أنه هو من خلقه. هو وحده من منح الجمال للعالم، ولكن للأسف! إنه جمال بشري للغاية، جمال بشري أكثر من اللازم…

يعرف ويليام أن تراجيديته المسرحية لن تُعيد طفله، و أن بشريته العاجزة لن تغير مشيئة القدر وتُعيد طفله ولكنها كل ما يملكه، يُفسر نيتشة ذلك أيضًا في كتابه مولد التراجيديا ويقول:

"إننا نملك أعلى درجات الكرامة في أهميتنا كأعمال فنية - لأنه فقط كظاهرة جمالية يكون الوجود والعالم مبررين إلى الأبد."

مشهد من فيلم "Hamnet-2025"
مشهد من فيلم "Hamnet-2025"
طوال الحكاية كان ويليام مُترددًا بشأن أحلامه المسرحية، لكنه بمجرد موت طفله، اكتسبت أحلامه جدية صارمة، جعلته يصنع مسرحيته في وقت أقصر بكثير، من كل تلكؤه السابق
أتذكر أنني لم أفكر في كتابة ونشر الكُتب بجدية إلا بعد موت أمي، أتذكر كذلك القريب الذي أخبرني بعد شهر من موتها أنني الوحيد الذي لا أبدو بين إخوتي حزينًا بما يكفي، أنني رجل لا يٌفصح عن حزنه للغرباء، لم أدافع عن نفسي أبدًا، ولم يعتذر هو قط، فقط حادثني منذ شهرين ليُخبرني أنه قرأ ما كتبته عن أمي في كل ما نشرت، و أنه لم يظن أبدًا أنني أحببتها بتلك الدرجة.
لا أكتب أبدًا كي أثبت حُبي لأمي لأحد، ولا كي أدافع عما فقدت، مثلما لم يصطنع ويليام مسرحيته أبدًا كي يكون شهيرًا، أو يُحول مأساة إبنه إلى عمل فني، كتب ويليام هامنت فقط كي يصطنع منزلًا لإبنه في الضفة الأخرى، كي لا يظل هائمًا إلى الأبد مثل شبح مسرحيته. كي يمنح أغنيس لحظة واحدة يُمكنها فيها أن تلمس طفلها وتودعه، ولو بتحطيم جدار إيهام ولمس مُمثل يُشبهه. يصطنع ويليام ما وصفه نيتشة بكذبات جمالية لتبرير الوجود، وجعله مُحتملًا لكنها كل ما نملكه. وهي كذلك كل ما يبقى.

لم يبق من شكسبير شيئًا سوى هاملت، ولم يبق من أورفيوس شيئًا سوى ألحانه، وربما لن يتبق مني سوى ما كتبت عني و عن أمي
أحفظ قصيدة تُروعني دومًا لعماد أبو صالح، تُسمى «السمائي» عن فتى رحل، لكن يثبته أبو صالح بقسوة في السماء بمسامير، يُطل بها على الأرض، ولكنه يعجز عن الهبوط، يقول الفتى:
أطرافي مُثبتة في الفضاء بالمسامير 

تمر الطيور فوق رأسي
 والبنات الجميلات أسفل مني

الفراشات الملونة تستريح في فتحات قميصي
و لكن تظل أمنية الفتى الوحيدة وسط صفاء سماؤه، ألا ينضج طعام القرويات سريعًا، أن يتصاعد الدخان من قدور الطبخ حتى تحجب منزله، يُخبرنا الفتى بالسبب، لأن هناك:

أخي الصغير يكتب اسمه فوق كتبي

وأمي تعطي آخر قمصاني

لابن جارتنا
أكتب عن أمي روعًا من أن تكون مثل هذا الفتى، تُطل عبر السماء، لتجد حياة كاملة سارت بدونها، آخرون امتلكوا أشيائها، و أحدًا لم يعد يتذكرها، أكتب أملًا في مُلاقاة تلك النظرة المراقبة بجمال، لا يحجبه دخان، ولا أسى. أملًا في لمسة تكسر حاجز الإيهام، ولو كان شهودها فقط في الأحلام
صنع ويليام تلك المسرحية لهذا السبب أيضًا، يمنحنا في النهاية الطفل هامنت من عوالم الفقد نظرة أقل ذُعرًا، نظرة مُطمئنة، ويذهب إلى الظلام أخيرًا
خُلق الفن دومًا من صمت الآلهة، من لحظات الخوف و عدم اليقين، لم تتعلم أغنيس من أمها شيئًا ثمينًا أكثر من إجابة الأم عن سؤالها عما يُمكن أن نفعله في لحظات الخوف و عدم اليقين:

نعيش بقلوب مفتوحة

ولا نحبسها في الظلام

بل نوجهها للشمس
وهذا ما يفعله كل فنان منذ عزف أورفيوس على قيثارته و حتى اليوم، لن نصل إلى الشمس، و كل أجنحة نطير بها قد تذوب، لكننا قد نظفر بلمسة، وهذا مُنتهى بشريتنا .... و هذا يكفي