من جماليات سيناريو { جود ويل هانتينج } إنه بيمر بخفة على أهم سمات فرويد و يونج و أدلر ، اللي يُعتبروا الآباء الحقيقيين لعلم النفس ، عُقدة ويل فرويدية نابعة من العجز عن بناء جسور ثقة ووصال من العالم بعدما هجرته أسرته، عشان كدا حيلته الدفاعية الوحيدة هي دفع الجميع بعيدًا قبل أن يدفعوه هم ، التخلي أولًا و دائمًا فلا يتعرض للخذلان أبدًا.
منبع خلاف فرويد و أدلر هو رفض أدلر للحتمية اللي بيضفيها فرويد على التروما وصدمات الماضي، وإعتبار إن الترتيب معكوس يعني مش الصدمات القديمة هي اللي شكلت شخصيتك الحالية إنما شخصيتك الحالية بتحاول تدور على سبب في دفاترك القديمة يعفيك من المخاطرة لقدام
فمثلًا لو مريض فرويد هيقول :
« علاقتي بأبي سيئة لإنه ضربني في طفولتي»
مريض أدلر هيقول :
« إنني إسترجعت ذكرى ضرب أبي القديمة لي لإنني لا أريد لعلاقتي بأبي أن تتحسن »
و دا اللي عمله الطبيب شين ماغواير اللي قام بدوره روبين ويليامز ، لما قال لويل إنه خارج كل حيله النفسية و مظهره الواثق و ماضيه المأساوي، لا يرتجف إلا أمام سؤال واحد
«ما الذي تريد أن تفعله إزاء كل حمولة الماضي؟»
يرتبك ويل لأول مرة ويفقد مظهره الواثق إزاء سؤال يخص المستقبل.
ويل مشدود للماضي ، الإتجاه المفضل لفرويد لتفسير البشر ، ويخلق من الماضي قصته المأساوية المستغنية اللي بيختبيء فيها من إحتمالات الحميمية و الخذلان اللي تتطلبها العلاقات الحقيقية الصحية مع البشر
بينما الطبيب ماغواير بيشد ويل للمستقبل ، الإتجاه المفضل لأدلر اللي بيسميه
« إرادة التحسن »
ويل عبقري في الرياضيات والعلوم و قدراته العقلية تؤهله للإلتحاق بأي جامعة مرموقة أو أي برنامج للمواهب في المؤسسات الأمنية و الشركات الخاصة لكنه يُصر على البقاء مع مجموعة من أصدقاؤه عمال البناء ، متوسط ذكائهم أقل منه بمراحل ، ولا يجيدوا شيء سوى العمل العضلي وتناول الجعة و إصطياد الفتيات. هنا ييجي علم نفس كارل يونج اللي دايمًا بيشوف الإنسان أو الوعي في صيغته الجمعية.
حسب كارل يونج، لحظة الميلاد الحقيقية للإنسان ، بدأت في مجتمعات الصيادين البدائية ، لما الجماعة ترمي الطفل في البرية ، في كهف مظلم و يعتمد على نفسه في النجاة ، بدون أدنى مساعدة للجماعة ، ثم يعود صياد ، الطقس القاسي دا هو طقس موت الطفولة و بداية الرجولة.
حسب كارل يونج الإنسان كائن جمعي بيشارك جماعته الوعي والأساطير ولا يمكن دراسته بمعزل عنها، في حياة ويل الجماعة اللي بينتمي لها أقل بكتير من قدراته لكنهم أصدقاؤه اللي بيمنحوه الإحتياج النفسي اللي بيدور عليه طول حياته
الثقة
جماعته لم تخذله أو تتركه مثل والديه أو معلميه ، تقبله ولا تحاول تطويره ومواجهته بعيوبه مثل طبيبه النفسي ، جماعة يمكنهم القتال لأجله في حانة و خوض شجار مع الجميع لحمايته ، جماعة بديلة عن الأسرة
يفضل ويل أسير ماضيه الفرويدي و مستقبله الأدلري المخيف بإمكانياته ، لحد ما يمنحه خلاصه صديقه المُقرب ، عامل البناء البسيط اللي يقوله :
كل يوم أطرق الباب وأنتظرك ، نخرج معًا ، نحتسي الجعة مع الضحكات، هذا جميل ، مثل كل ليلة ، لكن أتعلم أجمل لحظة في اليوم ، الثواني العشرة بين طرقاتي و فتحك للباب ، عندما أتخيل أنك لن ترد ، أنك رحلت ، أنك ذهبت لمكان تستحقه ، أنني لن أطرق الباب بعد عشر سنوات لأجدك تنتظرني لإحتساء الجعة وقد أضعت عمرك في الإختباء وسط جماعة لا تشبهك.
كلمات الصديق هي طقس موت الطفولة ، هي ميثولوجيا الصيادين اللي بيتولد منها الإنسان الحقيقي اللي بيلبي نداء إمكاناته مهما بدت الرحلة مرعبة خارج حدود جماعته الآمنة ( حسب كارل يونج الأب يموت مرتين ، مرة في موته الجسدي و مرة لما يُعلم طفله كل شيء ، لما تكون معارف الإبن بقت قد معارف الأب و تخطته ، وقتها بيموت الأب بشكل رمزي لإنه منح طفله كل شيء ) موت الجماعة الرمزي هو نداء الإنعتاق لويل نحو العالم الحقيقي ، وبالفعل ينتهي الفيلم بيوم يخبط فيه صديقه و يلاقي ويل رحل ، ويبتسم .
سيناريو جود ويل هانتنج سيناريو بديع وذكي ، و أول محاولة للكتابة من بين أفليك و مات ديمون لما كانوا شابين لا تعرفهم هوليوود ، نالوا به أوسكار مستحق للكتابة و منحوا روبين ويليامز أوسكار تتوج مسيرته التمثيلية التاريخية




التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.