بارودي لا يعتذر عن رداءته

يدور فيلم «Digger» حول الملياردير وقُطب صناعة النفط «ديغر روكويل» والذي يتسبب في كارثة بيئية عالمية، نتيجة تسرب غاز الميثان من إحدى منصات التنقيب التي يمتلكها في جزيرة جرينلاند، والنتيجة؟ شق ثلجي مٌروع، يدفع كُتلة جليدية ضخمة -بحجم مانهاتن- للإصطدام بالقارة الأوروبية، مُسببة موجات تسونامي هائلة قادرة على إبتلاع ملايين الأرواح، وتحرير فيروسات عُمرها ملايين السنين من جمودها الجليدي لتُطارد من تبقى من الناجين. 
يُحاول الملياردير «ديغر» أن يستعيد زمام السردية، بأن يحول نفسه في نظر مليارات البشر من مسبب الكارثة إلى مُنقذ البشرية منها، وفي سبيل ذلك يتحالف مع نُخبة الولايات المتحدة الفاسدة بدءًا من الرئيس الأمريكي الذي سمح له ابتداءًا بالصفقة المشبوهة التي مكنته من التنقيب في جرينلاند، ووصولًا لقادة البنتاجون المُتعطشين لإستخدام قنابلهم لإنقاذ أوروبا، أملًا في استعادة صورة المنقذ الأمريكي القادم من وراء البحار كما حدث في الحربين العالميتين.
بعد مُشاهدة النصف ساعة الأولى من «Digger» يشعر المُتلقي ببعض الخديعة، لإن ما يراه هو هجين من تُحف سينمائية مثل «DR/strangelove» لكوبريك، و «There Will Be Blood» لبول توماس أندرسن، لكن «ايناريتو» لا يستعير من تلك الأعمال أصالتها، ولا حتى يُحاول مُحاكاة تعقيدها، إنما يتعامل معها بخفة مُتهورة، ويُغلف حكايته بمبالغة كاريكاتورية ومُباشرة ساذجة وكادرات مسرحية ثُنائية الأبعاد، وانفعالات أقرب للfarce أو المهزلة المسرحية.
لا يمتلك «ديغر روكويل» تعقيد وظلامية شخصية «دانيال بيلانفيو» في فيلم أندرسن، بل يبدو تجميعًا كاريكاتوريًا لكل تايكونات الفترة الراهنة مثل إيلون ماسك.
إذا أردنا فهم طبيعته الداروينية ورؤيته للعالم كغابة البقاء فيها للأقوى، لا نحتاج سوى النظر إلى مجازات مباشرة مثل مرآة قصره المُزينة بقرون الأيائل، والجدران المُزدانة برؤوس حيوانات وحيد القرن، ولوحات فيها أسود تفترس غزلان.
إذا أردنا فهم هوس «ديغر» بالخلود وإطالة العمر على طريقة رواد وادي السيليكون مثل جيف بيزوس، لا نحتاج سوى النظر إلى قطته ماجي التي يحملها في يده، بينما هي أقرب لمومياء مُتحللة، أو ذكرى مُحتضرة عن مخلوق كان يومًا حيًا. نعرف أن ماجي مُعدلة جينيًا، لتصل بأعجوبة إلى سن الثلاثين، وهو بأعمار القطط يُعادل مئتي عام. يكافح «ديغر» بغرابة لإطالة عمر قطته المحتضرة لأن «ماجي» هي انعكاس مباشر لذاتيته، إذا هزمت القطة مُعدلات أعمار جنسها وبقت حية، يُمكنه أن يهزم بشريته ويحيا.
«Digger» : أن يعقد الفنان مُحاكمة لجمهوره
وإذا أردت تخيل «ديغر» باعتباره ملياردير يميني من تكساس يستقي من الإنجيل رؤيته للعالم وحل أزماته، هناك مشهد شديد المُباشرة، يتحول فيه ديغر إلى مسيح، يُطالب أتباعه الجوعى بالإيمان به، لأنه قادر على أن يصنع وليمة تكفي آلاف البشر لعشرات الأسابيع، كما أطعم المسيح آلاف الجوعى بأرغفة قليلة وسمكتين، ولا يكتفي ايناريتو بذلك إنما يُرينا المُعجزة المباشرة ويُحققها بشكل «حرفي»!
تظهر تلك المُباشرة الكاريكاتورية الرديئة في مجازاتها واستعاراتها، في بقية شخصيات الفيلم، هناك ستجد غُرفة حرب على طريقة كوبريك، يجلس فيها جنرالات فخورون بمبدأ :اقصف أولًا وتحقق ثانيًا
ووزراء يأكلوا حبات البوب كورن وهم يشاهدوا الكتلة الجليدية، تعبر بحر الشمال نحو سواحل هولندا وتمحو مدينة روتردام.
بينما يظهر الرئيس الأمريكي «كومبسون» في الفيلم كأنه بطل اسكتش ساخر صنعه برنامج (SNL) عن ترامب، فهو رجل أعمال فاسد، قام بتسهيل صفقات تنقيب ديغر التي أدت للكارثة، لكنه يستقبل الكارثة بتصرفات ترامبية مثل الاستهزاء بخُبراء البيئة، وإطلاق نكات ميسوجينية تُعبر عن كراهيته للنساء، وعقد صلاة مسيحية، يلمس فيها الوزراء أكتافه بينما هو يُردد بخشوع دعوات مُبشر نزق، يصفه بأنه مُخلص العالم.
«Digger» : أن يعقد الفنان مُحاكمة لجمهوره
يدفع إيناريتو تلك الصورة البارودية عن «ترامب» لأقصى مُمكنات الهزل، عندما نعرف أن الرئيس مُصاب بسرطان شرجي، يجعله يستقي حكمته من مؤخرته، ويصف الرؤى التي تراه مُخلص العالم ومسيحه، بأنها أشبه بفيض الفضلات الذي خرج بسلاسة من مؤخرته بعد إستئصال الورم الذي كان يقف في طريقها.
يُقامر إيناريتو لمدة نصف ساعة بكل وعوده الجمالية التي قدمها في أفلامه السابقة، ويغرق بأبطال فيلمه وبمشروع تتجاوز ميزانيته 125 مليون دولار في بحر من البارودي الهزلي، الذي تكشف مباشرته عن سذاجة أقرب للملل، حد أن فيلمه يبدو نُسخة انتقامية من التحف السينمائية التي قلدها. ومن الواقع نفسه، نُسخة يتلذذ فيها جمهور شعبوي، بوضع نُخبة العالم وقادته مثل ماسك وترامب في وحل المهزلة.
ولكن في لحظة بعينها يكشف الفيلم عن «التويست» الأهم، ( الذي توسلت شركة وارنر بروس في عروضها الأولى للنُقاد كيلا يكشفوه في مقالاتهم ) وهو أن كارثة ديغر حقيقية، وما فعلته في العالم من دمار وأوبئة حقيقي أيضًا، ولكن ما نراه أمامنا، هو كواليس تصوير مسرحية هزلية تُسمى FOSSIL FUELS يُقدمها مُمثلون بعد سنوات من الكارثة. وأن توم كروز ليس إلا ممثل يُدعى «كورتيس ماركسون» يقوم بلعب دور «ديغر روكويل» في المسرحية.

أعط الجمهور ما يريدونه!

«انظر إلى هؤلاء الناس، انظر إلى أعينهم... إنها تتألق! إنهم يعشقون هذا الهراء؛ يعشقون الدماء، ويعشقون الإثارة. لا يريدون هذا الكلام الفارغ المليء بالفلسفة والكآبة.»

BIRD MAN
تُعيدنا الطبيعة المُلتبسة لتويست «DIGGER» بين الواقع والمسرح، والخطوط التي تكاد تتلاشى بين خشبة العرض والكواليس الخلفية، إلى فيلمه «Birdman».
يدور Birdman في تلك المساحة الرُمادية بين الواقع وبين الفن، حيث يعود الممثل «ريجان توماس» الذي اشتهر بأفلام البطل الخارق (بيردمان) إلى خشبة برودواي لأداء مسرحية جادة، كي يُثبت قدراته التمثيلية لإبنته وللنقاد ولنفسه قبل الجميع. 

لكن تُطارده في الكواليس شخصية (بيردمان) الهزلية، تتبدى له مثل هلاوس، وتوسوس له أنه يُدمر مسيرته بترك أفلام البطل الخارق من أجل مُطاردة أصالة مثالية لا قيمة لها في الواقع. واعتراف من نقاد لا تأثير لهم على إيرادات شباك التذاكر.
«Digger» : أن يعقد الفنان مُحاكمة لجمهوره
يهمس شبح (بيردمان) في أذن الممثل «ريجان» أن الجمهور بدائي وشعبوي وطفولي، لا ينتظر مسرحية على برودواي، إنما ينتظر فيلم هزلي جديد عن أبطال خارقين، مطاردات صاخبة، مشاهد مُبالغة تقشعر لها العظام، وانتصار مُشبع على أشرار يرتدون بذلات كاريكاتورية ضيقة.
اختار ايناريتو الممثل «مايكل كيتون» كي يُشخص حالة ممثل مهووس باستعادة أصالته بعد انقطاع، لأن كيتون يحمل في الواقع عقدة مشابهة للبطل ريجان، ومسيرة متدهورة بعد بطولته الأسطورية لشخصية باتمان في نهايات القرن الماضي. لذلك يُحاول كيتون استعادة أصالته كممثل بفيلمه مع ايناريتو مثلما تحاول شخصيته ريجان استعادة أصالتها بمسرحية على برودواي.
يستعير ايناريتو الكثير من فيلمه (بيردمان) في DIGGER ، لأن بطله الممثل «كورتيس» يبدو مهووسًا بأصالة الفنان مثل «ريجان»، حيث يعبر في الكواليس عن احباطه من مبالغات المسرحية، ويبدو مؤرقًا بأصالة تشخيصه لشخصية الملياردير «ديغر» بينما كل من حوله مهووس بتحويل المسرحية إلى عرض هزلي يستمد نجاحه من استثماره في المبالغة.
«Digger» : أن يعقد الفنان مُحاكمة لجمهوره
يظهر هنا طيف «توم كروز» الحقيقي في شخصية الممثل «كورتيس» مثلما ظهر طيف «مايكل كيتون» في شخصية «ريجان» حيث يُشتهر توم كروز بقيادته الحديدية للاستوديو في أفلامه، وبمقاطع ينفجر فيها غضبًا من أجل الأصالة في تصوير المشهد. مقاطع يتبدى فيها مثل انعكاس شخصيته الشهيرة (ايثان هانت) في سلسلة (مهمة مستحيلة)، يحاول إيثان إنقاذ العالم في فيلمه، بينما يحاول توم كروز خلف كواليس الفيلم ذاته، إنقاذ أصالة إنتاجه الفني من كسل زملائه.
«Digger» : أن يعقد الفنان مُحاكمة لجمهوره
يضع ايناريتو «توم كروز» صانع السينما المهووس بأصالته، وبشخصياته المهووسة بإنقاذ العالم، في قالب مفارقة، لأن الممثل «كورتيس» في DIGGER ، يُعبر -على نقيض كروز - عن ملاحظاته باستحياء، ويبدو صبورًا وخاضعًا أكثر منه مُتمردًا، كذلك تبلغ المفارقة ذروتها في التشخيص، لإن «كورتيس» يُجسد شخصية ملياردير يُدمر العالم ولا يُنقذه، شخصية يسهل أن تُجسد دور الVILLAIN في أي جزء من سلسلة MISSION IMPOSSIBLE التي يصنعها توم كروز.
باستخدام ميجاستار مثل (مايكل كيتون) يخلق بحضوره، تناص شعري مقصود بين شخصيته الحقيقية ودوره المرسوم، صنع ايناريتو في (بيردمان) مُحاكمة سيكولوجية يعقدها الفنان لنفسه، على خشبة المسرح وفي ظلام الكواليس، بحثًا عن أصالته
 وباستخدام ميجاستار مثل (توم كروز) يخلق بحضوره هذه المرة تناقض شعري مقصود بين شخصيته الحقيقية ودوره المرسوم، يستعير ايناريتو المكان ذاته (المسرح) والمُراوحة ذاتها بين الخشبة والكواليس، لكنه يصنع في DIGGER مُحاكمة سيكولوجية للجمهور المُتلقي!

أرسطو يواجه أفلاطون في مُحاكمة فنية

اختلف أرسطو مع أستاذه أفلاطون بشكل جذري في إجابة سؤال بسيط هو:ما هي وظيفة الفن؟
رأى أفلاطون أن الفن لابد أن يكون مُحاكاة أصيلة لشيء أخلاقي ينتمي إلى عالم المُثل، لا يوجد فن للفن، لابد أن يخدم الفن قيمة أخلاقية أو يُحاكي مثل أعلى يصعب تحقيقه في الواقع. ولذلك آثر أفلاطون أن يطرد الشعراء من جمهوريته المثالية، لأنهم لن يستطيعوا القيام بتلك المهمة الأخلاقية الصعبة، ولأن فنون أشعارهم ستثير العواطف وتشوش الوجدان بدلًا من مُطاردة المعاني السامية.
يرى أرسطو أن وظيفة الفن الحقيقية ليست المُحاكاة أو مُطاردة المُثل، إنما التطهير Catharsis، من خلال الفن يُمكن للمتلقي أن يُفرغ مشاعره السلبية مثل الغضب والإنتقام والانفعالات كافة، من خلال متابعة مسرحية تستثير بداخله تلك المشاعر وتتخلص منها بسلام بدلًا من أن تنتقل تلك المشاعر للواقع وتفسده
ينحاز الممثل «كورتيس» إلى أفلاطون، لأنه يرى أن كارثة ديغر البيئية ليست هزلًا، بل واقع حدث فعلًا، يؤكد أن ديغر ليس مُهرجًا كما يُجسده، لكنه رجل رصين، عنيف، طموح بشكل سيكوباتي، لا تحمل عينيه إلا طمعًا لا يروضه أي رضا، وذلك التعقيد يجب تجسيده ومُحاكاته بأكبر قدر من الدقة، لا الهزل.
يتدخل كورتيس في كل كادر ليجعله أصيلًا وأقرب تاريخيًا لما حدث بالفعل، لا لما يجعله مهزلة.بينما ينحاز طاقم المسرحية ومُخرجتها «هانا» إلى أرسطو، حيث تٌشير «هانا» إلى عشرات العاملين في طاقم المسرحية ممن فقدوا أهلهم وذويهم في كارثة ديغر البيئية، وهؤلاء عينة من الجمهور الذي سيأتي لمشاهدة مسرحية تعرض كارثة فقدوا فيها أحبائهم
تصيح «هانا» في بطل مسرحيتها «كورتيس» أن هذا الجمهور يحتاج إلى التطهير، يحتاج إلى رؤية ديغر الذي صنع مأساتهم، وأثقلهم بأثقال لن يتعافوا منها أبدًا، وهو مُدنس بخفة المُهرج، يحتاج الجمهور لرؤية الرؤساء والقادة الذين خذلوهم وهم يُفكروا حرفيًا من مؤخراتهم، ويتقيأوا محتويات معدتهم مثل أطفال ركبوا لعبة أفعوانية، لا أن يروهم كرجال مسئولين كان بإمكانهم وقف الكارثة.
ترى هانا أن هذا التطهير، هو جائزة تعويض مُستحقة للجمهور عما مروا به، أما تلك الأصالة التي يدافع عنها كورتيس لا مكان لها، إذ لا حاجة بنا إلى اجبار الجمهور على معايشة المأساة من جديد كما حدثت فعلا.
تبدو هانا صدى لشبح البطل الخارق «بيردمان» الذي يهمس لبطله ريجان أن أدواره في الأفلام الخارقة كانت تؤدي وظيفة التطهير، لجمهور يتوق لها، جمهور يشتاق لرؤية شر كاريكاتوري مُجسد في صورة شرير كوميكس، وبطل خارق في صورة رجل يطير، يُحطمه بقبضته، هذا يُطهر المتلقين من عجزهم عن الطيران، وعجزهم عن رؤية الشر الكامن في منظومات حياتهم اليومية، بتبسيط الكوميكس يصير الشر دمية هزلية ويصير البطل قبضتهم التي تبطش بها
يقول وودي آلان أن الكوميديا ليست إلا مأساة مر عليها زمن كافي للسخرية منها، لذلك يُمكنه أن يطلق نكتة عن الهولوكست في أفلامه بالسبعينيات، بينما لم يكن ليجرؤ أن يطلقها في أربعينيات القرن الماضي. لأن وقتًا كافيًا لم يمر بعد على المذبحة
ترى هانا وفريق مسرحيتها أن مأساة ديغر مر عليها ما يكفي من الزمن كي تُستعاد بقالب كوميدي هزلي، يتجاوز مأساة الحدث، ويسمح لجمهور مُحطم بتفريغ مشاعر الانتقام عبر مشاهدة البارودي والمبالغات التي تُظهر ديغر ونخبة أمريكا كمهرجين!
ولكن لمن ينحاز إيناريتو في تلك المُعضلة، لأفلاطون أم أرسطو؟! 

ثورة فنية برعاية رأسمالية

في مشهد الذروة من فيلم «Digger» يقف الممثل كورتيس مؤديًا دور ديغر في ديكور يُجسد الأمم المتحدة، لكنه يبدو مثل ستاد الكولوسيوم الروماني، يجلس ممثلو الدول مثل جماهير رومانية مُتعطشة لدماء ديغر ولعقابه على الكارثة التي اقترفها، ولكن لا يظهر ديجر مثل فريسة مسكينة مستعدة للموت أو مُدان يُنفذ إعدامه بتسليم نفسه للأسود، ولكن باعتباره مقاتل روماني يعقد هو - رغم إدانته - مُحاكمة لجمهور حلبته.
«Digger» : أن يعقد الفنان مُحاكمة لجمهوره
لا يُشيح ديغر بعيدًا عن جرائمه، بل يعترف بها كلها، لكنه يؤكد للجمهور أنهم ليسوا ضحاياه بل شركائه، وأن البترول المُدان بتهمة الاحتباس الحراري وتدمير الكوكب، هو ما نستهلكه جميعًا للتدفئة وللطيران ولطلب بضائعنا من أمازون، ولتشغيل مُحركات الذكاء الصناعي التي تُكافيء كسلنا وتفكر عوضًا عنا. وأن الطريق للخروج من تلك الكارثة، ليس بالتخلص من ديغر والتوقف عن الحفر، بل بدعم ديغر وشركاته من أجل المزيد من الحفر.
تبدو تلك المُحاكمة إنعكاسًا لمحاكمة فنية يعقدها إيناريتو لجمهوره، ويرى فيها أن البارودي الهزلي المُغرق في مبالغاته الرديئة الذي قدمه في نصف الفيلم الأول، هو ما يطلبه الجمهور في الحقيقة. لا ما يُشيح عنه النظر!
يرى إيناريتو أن الملايين يُريدوا مشاهدة اسكتش SNL يسخر من ترامب ويصفه بالمهووس أو البدين أو الأبله، عوضًا عن فهم المنظومة التي جلبته للبيت الأبيض باستحقاق انتخابي شارك فيه ملايين.
يرى إيناريتو أن الملايين يُريدوا مُشاهدة أفلام تيرميناتور التي يستحوذ فيها الذكاء الصناعي على العالم، لكنهم يخرجوا من دور العرض ليسألوا الذكاء الصناعي نفسه عن أقرب مطعم أو عن تفسير لأي جزئية في الفيلم
في ستينات القرن الماضي صك الفيلسوف الفرنسي ( جي ديبور ) مفهوم «الاستعادة»، والذي يصف قدرة الرأسمالية على استخدام الفن في استيعاب النقد الموجه لها مهما بدا راديكاليًا أو عنيفًا، وامتصاصه كي تنزع عنه فتيله وتحوله إلى تفريغ عاطفي أو تطهير على طريقة أرسطو، يُريح مشاهديه وصانعيه، لكنه لا يغير إنشًا في الواقع.
يرى سلافوي جيجيك أن الرأسمالية تُمول أعمال مثل لعبة الحبار وتعرضها على منصات عالمية وتكسب منها مليارات الدولارات، رغم أن تلك الأعمال تُدينها وتُبرز كابوسيتها، ولكنها مفيدة للجمهور كي يُفرغ انفعالاته ويشعر بنشوة الانتصار قبل النوم، ثم يستيقظ أفراده كل صباح ليؤدوا دورهم كتروس في ماكينة الرأسمالية التي ثاروا عليها بالأمس من خلال الفن.
في «DIGGER» تتبدى تلك القدرة الرأسمالية على امتصاص نقدها، عبر شخصية «إيما» الأخت غير الشقيقة لديغر والتي تُدير شركة تُروج للحفاظ على البيئة ومكافحة الوقود الأحفوري، لكنها للمفارقة شركة تُدار بتمويل أخيها قطب البترول وصاحب الكارثة.
«Digger» : أن يعقد الفنان مُحاكمة لجمهوره
وتتبدى تلك الفكرة في ذروتها من خلال التويست الأخير للفيلم عندما يصل الخلاف بين الممثل كورتيس والمخرجة هانا إلى ذروته، ويتوقف العرض، يتدخل منتج المسرحية لحل المشكلة، ونعرف أنه ليس سوى «كيني» إبن أخت «ديغر» والذي كان طفلًا وقت الكارثة!
«Digger» : أن يعقد الفنان مُحاكمة لجمهوره
يبدو «كيني» تجسيدًا مثاليًا لقدرة منظومات الرأسمالية على النجاة من أي موجة نقد راديكالي أو ثورة تُهددها بالمحاسبة، فهو يقوم بتمويل مسرحية ضخمة تٌدين خاله ديغر وتصوره باعتباره مُهرج أبله، وتستثير عواطف الجمهور ضد عائلته لأقصى درجة.
رغم إعجاب كيني بالممثل كورتيس وبقدرته على رؤية تعقيد شخصية خاله، وأنه أكثر بكثير من شرير أو مهرج، إلا أنه لا يهتم بحسم خلاف المخرجة والممثل؟ لا يهتم أيهما على صواب، كورتيس أم هانا؟ لا يهتم لو كان العرض فارص هزلي أو كوميديا أو دراما أو تراجيديا.
كل ما يهمه أن يُنتج عرضًا يقوم باستثارة عواطف الجمهور التطهيرية لأقصى درجة، عرضًا يخرجوا منه راضين عن أنفسهم، ومؤمنين أنهم حققوا الإنتقام ولو بالفن من الرجل الذي دمر كوكبهم و قتل أحباءهم. عرض يمنحهم نشوة لا يحتاجوا معها لتغيير شيء في الواقع خارج المسرح.
نٌدرك أن «كيني» هو امتداد جديد ل«ديغر»، وأنه ملياردير أقرب إلى سام ألتمان وأباطرة الذكاء الصناعي، يمتلك شركة تتحكم في الفنون والاستخبارات والمُراقبة، ويمكنها إيجاد أي شخص في أي مكان بالعالم.
وجود كيني يعني أن أحدًا لم يهتم بتفكيك المنظومات التي صنعت ملياردير شرير مثل ديغر أو نُخبة كارثية مثل الرئيس كومبسون، وأن تلك المنظومات لازالت موجودة وقادرة على خلق تلك النماذج مُجددًا. وبالتالي خلق الكارثة مجددًا

انظري ماذا فعلوا بأغنيتي يا أمي؟

يُهاجم ايناريتو الفن في تلك اللحظة باعتباره مُخدر تطهيري أرسطي، يستثير مشاعرنا ويوهمنا أننا حققنا إدانة وانتقمنا وتطهرنا مما مررنا به، لكنه فن لا يغير شيئًا في الواقع، ولا يدنو من معنى مثالي يحاول تحقيقه أو حتى يطرد الوهم عنا على طريقة أفلاطون. بل يستديمه، ولذلك الفن يكون مرعيًا من المنظومات التي خلقت الكارثة بالأساس. لأنه الضمانة الوحيدة أن أحدًا لن يخرج من السينما أو المسرح لمحاسبة الجناة
تتحقق تلك المشهدية في المشاهد الأخيرة من DIGGER والتي تُعبر عن نقيض ما صنعه ايناريتو في (بيردمان)

انتهى فيلم بيردمان نهاية سحرية، بنافذة فارغة، تستثير كل الاحتمالات، ربما أطاع الممثل ريجان هواجسه وطار من النافذة، وربما سقط وتحطم. ولكن عندما تقترب ابنته من النافذة وتنظر إلى السماء وتبتسم، يداعبنا الأمل أن الممثل طار حقًا بعدما وجد أصالته وقدم فنًا يُحاكي فيه محاولة مثالية لأن يكون حقيقيًا، بدلًا من فن تطهيري لتخدير العوام.
«Digger» : أن يعقد الفنان مُحاكمة لجمهوره
على نقيض هذا الطيران الشعري، ينتهي DIGGER بسقوط الممثل كورتيس وهو يؤدي شخصية ديغر في مياه المُحيط، ويُمعن المشهد في تصوير السقوط حتى يستقر ديغر في القاع، وتخرج منه الفقاعات الأخيرة ويموت.
«Digger» : أن يعقد الفنان مُحاكمة لجمهوره
بينما طار ريجان واختفى، يسقط ديغر ويظل حاضرًا بسقوطه للنهاية، لأن ما انتصر في تلك السردية، ليست رؤية أصيلة لفنان، إنما طاعة استهلاكية لنزعات جمهور شعبوي، يبحث عن مُخدر وعن انتقام ميلودرامي من واقع يعجز فيه عن تغيير شيء.
تتبدى تلك الفكرة في اللقطة الأخيرة عندما يخرج الجمهور من قاعات المسرح الفارهة، التي أنفق عليها كيني ملايين ليجعل كل كادر على خشبة العرض واقعيًا، لكننا نرى في الخارج نقيض تلك الحالة الفارهة، نرى عالم أبوكاليبتي مُحطم ومٌفلس، ينتشي الجمهور لأنه انتقم بالفن من ديغر، بينما يسير نفس الجمهور في شوارع تُعبر عن الهزيمة ويرتدي أقنعة تحاول استنشاق هواء صحي من سماء ملوثة بكارثة بيئية لم يُحاسب أحد المنظومة التي خلقتها.
نسمع في المشهد الأخير كلمات أغنية «Look What They've Done To My Song, Ma» وتقول :

انظري ماذا فعلوا بأغنيتي يا أمي

الأمور كلها سارت على نحو خاطئ يا أمي

يعقد ايناريتو مُحاكمة قاسية للسينما والفنون في زمن ترامب، وأباطرة الذكاء الصناعي والإبادة الجماعية والمجازر الكونية، هل نحتاج إلى فن ترعاه الرأسمالية لننتقم عبره من شخصيات كاريكاتورية وأشرار هزليين، بينما جميعنا مُستوعبون في منظومة تُعيد تكرار نفسها، ولا يفعل الفن شيئًا إلا تخديرنا عن الإقتراب منها بمُساءلة؟
يُمكننا أن نخرج مُنتشين من مسرحية ديغر، لكن تُطاردنا النغمة الحزينة ذاتها، لعالم مازلنا مُضطرين لدفع ثمن حُطامه، عالم لا يُمكن أن يُصلحه فن مُنوم، وتطهير كاذب، عالم كان يومًا جميلًا أما الآن ننظر إلى سماؤه المظلمة ونتساءل:

انظري ماذا فعلوا بأغنيتي يا أمي