يمتلك فيلم الرُعب قدرة خلابة على الخلود إذا إختار المجاز المُناسب كي يُمرر من خلاله المخاوف التي يود أن يبثها بداخلك. بعض تلك المجازات تكون مكانية بالأساس.
تخيل مكان مثل دورة المياه، المكان الذي ندخله عُراة كليًا من أستارنا وملابسنا، مُستسلمين لرغبتنا في قضاء حاجة أساسية وبدائية مثل التغوط والإغتسال. لحظة هشة نتخفى فيها وسط جدران ملساء، لا نملك فيها سلاحًا لدفع عدو أو كبرياء للخروج بحثًا عن مهرب.
لتلك الأسباب اختار هيتشكوك مكان دورة المياه، كي يقتل فيها نورمان بيتس، الفتاة «ماريون - جانيت لي» في فيلم «سايكو»، كي يؤطر المكان، عجز الضحية مٌضاعفًا.


ولكن المكان الذي يثير قشعريرتي دومًا هو ممر الفندق في فيلمshinning
يختار «كوبريك» ببراعة سيكوباتية، لقطات هادئة، بطيئة، يسير فيها الطفل داني الهوينى بعربته، تباطؤ طفولي يبدو معه الممر بلا نهاية، لا نرتاح ونحن نشاهد العجلات تسير ببطء، لا نعلم من أين تحرك داني؟ ولا إلى أين سيذهب، والغرف على جانبي النظر، تبدو بوابات تفغر فاها لجحيم سيبرز فجأة من خارجها.
مشهد من فيلم the shining-1980
مشهد من فيلم the shining-1980
تُعرف تلك المساحات المؤقتة بين نُقطتين، مثل الممرات، غرف الانتظار، صالات المطارات، سلالم الدرج، بمصطلحالمساحات الحدية liminal space.ويكاد كوبريك أن يكون مُبتكره الأعظم
هذا المجاز المكاني وتلك المساحات بالذات، هي ما يتكيء عليه فيلم'Backrooms'باعتباره العمود الفقري للحكاية، جوهر المخاوف فيها، والجمال كذلك.
صانع الفيلم، لا ينتمي إلى مدارس هيتشكوك و كوبريك، لا يتجاوز عُمر المُخرج «كين بارسونز» عشرين عامًا. ولكن يمتلك جيله علاقة مُرعبة وواقعية مع المساحات الحدية وهي أنه جيل تقاطعت مُراهقته مع جائحة كورونا العالمية.

جائحة أفرغت الشوارع و مكاتب العمل و المدارس والمقاهي من روادها حتى باتت المساحات العامة فجأة تنويعًا كابوسيًا عن ممر كوبريك، يثير القشعريرة والقلق مثل مدينة زومبي، يثير خواءها، قلقًا من خطر غير مرئي، ينتظر أن ينقض عليك ويقتلك.
ساعدت الجائحة على رواج مٌصطلح المساحات الحديةliminal spaceومعها أسطورة في منتديات الانترنت عن الbackroomsوهي غرف موحشة، مُحايدة اللون، فقيرة الأثاث، مساحتها لانهائية، تبدو كأبعاد موازية، ما إن يلجها أحدهم حتى يظل عالق فيها مثل لابيرنث أو متاهة إغريقية، لا خروج منها.صنع «كين بارسونز» سلسلة يوتيوب عن تلك الفكرة، ثم تطورت بالتدريج إلى فيلم «باك روومز»
يدور الفيلم، في عام 1990 حول «كلارك» الذي دفن أحلامه بممارسة الهندسة التي درسها، وقرر أن يُدير متجر ضخم لبيع الأثاث الرخيص،بالتدريج يتحول المتجر إلى منزل يسكنه «كلارك» بعد ساعات العمل، نتيجة انفصال مرير إستحوذت فيه زوجته على منزله، وتركته مُحطمًا ومُدمنًا للكحول.
يحاول «كلارك» جمع شتات حياته بحضور جلسات نفسية، مع الطبيبة «ماري» ثم يكتشف بالصٌدفة في متجره، شبكة سيريالية من «الغرف الخلفية» تضم ممرات كوبريكية، و مكاتب لانهائية، و أضواء فلورسنت تثير القنوط في نفس العابرين.
مشهد من فيلم "backrooms-2026"
مشهد من فيلم "backrooms-2026"


تبدو الغرف الخلفية مثل شبكة شرايين داخل جسد لا نفهم بنيته، لكننا نتحرك في شرايينه وأوردته مثل دماء يتغذى عليها.
يربط الفيلم مُباشرة بين شبكة الغرف السيريالية وبين أنماط التدمير الذاتي العصبية بداخلنا، تبدو المتاهات الخارجية إنعكاسًا، لنمط دائري داخل «كلارك» يُحطم علاقاته كل مرة بادمان الكحول والانعزال ودفع المُحبين بعيدًا عنه بجرحهم أولًا قبل أن يجرحوه.
تبدو الطبيبة «ماري» كذلك أسيرة نمط دائري بداخلها، يعتمد على مساعدة الآخرين طبيًا كتعويض عن ماضيها الذي عجزت فيه عندما كانت طفلة عن مساعدة أمها المريضة حتى تم احتجازها أخيرًا في مصحة عقلية.
تعريف المتاهة، هو مكان دائري، تُعيدك فيه دومًا الممرات إلى نقطة البداية في عود أبدي يائس. لذلك يمتلك «المنزل» قيمة عاطفية جارفة داخل كلارك و ماري. باعتباره بالتعريف، نقيض المتاهة
يبدأ ضياع كلارك من اللحظة التي فقد فيها منزله، الذي دفع ثمنه و تخلى عنه لشريكته، ثم سكن محل عمله. وتدور ذكريات ماري في طفولتها دومًا حول المنزل الذي تحصنت به أمها، وأغلقت نوافذه في بارانويا مُرتابة من العالم الخارجي. والذي يتدخل المونتاج بعنف كي نرى لحظة هدمه، وبعدها تفكك الأسرة عندما أودعت السلطات الام في مشفى عقلي وتُركت الابنة وحيدة.
مشهد من فيلم "backrooms-2026"
مشهد من فيلم "backrooms-2026"
لذلك تحمل ماري طوال الوقت في جيبها، قطعة أسمنتية من منزل طفولتها المتهدم، تُعبر عن حنينها الدائم إليه، ويمتلك كلارك غضبًا لانهائيًا نتيجة بُعده عن منزله، ويقين أن شفاؤه يكمن في عودته إليه.
يجسد المنزل هنا حالة عقلية، المكان الذي تنتهي عنده مُحاولات الهُروب. مساحة المألوفية التي نخلع فيها رداء العمل، ونرتاح في جلودنا الحقيقية. وبغياب تلك المساحة، تتحول مهنة ماري كطبيبة نفسية إلى هويتها كاملة، ومهنة كلارك التي ترك الهندسة من أجلها كي يدفع فواتير طلاقه. إلى هويته الكلية كذلك.
بفقدان المنزل والمركز الذي يحمي المرء من عواصف الحياة، يصير كلارك وماري شخصيات مؤهلة للغرق في شبكة سيريالية من الغرف أو مجاز مكاني مُرعب عن التشظي النفسي. لأن العالم برمته صارمساحة حدية liminal spaceممر بين قلق نفسي جاءوا منه، وشفاء لا يستطيعوا بلوغه. حالة بينية تُعبر عن عُصاب يصعب علاجه. أو مُطهر كاثوليكي، أعراف بين الجنة والجحيم، سكانه عالقين، لا يدركوا عنوانًا لخلاصهم أو هلاكهم.
مشهد من فيلم "backrooms-2026"
مشهد من فيلم "backrooms-2026"
يُمكن قراءة الفيلم على مستويات شتىيمكن قراءته اقتصاديًا، باعتباره يموضع نفسه في عام 1990، مثل نبوءة كئيبة عما سيأتي. حيث اتسمت التسعينيات بفترة تفاؤل رأسمالي جارف بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وإعلان فوكوياما نهاية التاريخ بانتصار الرأسمالية.
وهو تفاؤل سيتحطم مع الأزمة المالية عام 2008، و مع جائحة الكورونا عام 2020. لحظتين خلفتا عمليات فصل جماعي و مكاتب خالية و لمبات فلورسنت كئيبة، و لجوء جنوني إلى العمل لأكثر من وظيفة فقط من أجل البقاء.
صار ملايين البشر مثل «كلارك»، فقدوا منزلهم بشكل شعوري أو مجازي، عندما تغول العمل على مساحة العيش وصار اللهاث اليومي بين الوظائف ضرورة للبقاء وليس للترقي.صارت سُكنى الوظيفة 12 ساعة في اليوم ضرورة. لذلك تبدو حياة كلارك خلال التسعينيات بالفيلم هي تنبؤ بحياة ملايين الموظفين في الألفية.
لذلك تبدو الغرف الخلفية في الفيلم مثل مكاتب عمل، تتوالد ذاتيًا، ممرات لا تنتهي وغرف، بلون مُحايد، في استنساخ واضح لبيئات عمل الكوربورتس. التي تنفر من الألوان الصارخة، في إشارة لإحترافية تخلو من المشاعر، وأضواءها الفلورسنت البيضاء تعكس التماعة موظفين آليين يعملوا أسفلها لا بشر.
يمكن قراءة الفيلم كذلك باعتباره نقد مابعد حداثي عنيف لمؤسسة الطب النفسي. حيث تبدو الطبيبة ماري، مُعالجة احترافية، يعرض التلفاز اعلانات لسلسلة الكُتب والشرائط خاصتها والتي تعد المرضى اذا ما اتصلوا بالهاتف وابتاعوها، أنها ستخلق نافذة لدواخلهم كي يطلوا على امكاناتهم الحقيقية
رغم تلك الوعود الاستهلاكية البراقة، تعامل ماري زبونها كلارك، في الجلسات النفسية باحترافية آلية، تُكرس الانفصال عن مريضها لا مُحاولة التواصل. كأنها تغلق نوافذ التعاطف معه، ولا تُهديه لنافذة واحدة يتعاطف فيها مع ذاته


تستخدم ماري في جلساتها أداةتقمص الادوار role playفي استعادة مواقف مريضها القديمة ومواجهته بأخطائه، لكن عندما يأتي لها بهواجسه حول الغرف الخلفية والبعد الآخر الذي وجده في متجره، لا تتقمص ماري أي مساحة للتواصل مع مريضها، فيما يبدو مثل تخليًا كاملًا عنه. احتاج معه إلى التطرف في اختبار الغرف كي يعود لطبيبته بدليل على وجودها.
عندما تدخل ماري الغُرف الخلفية، تتحول التجربة السيريالية، إلى مُكاشفة ومُحاكمة يعقدها مريضها لها، يدعوها ولو لمرة لمُعايشة ما يعنيه أن يصير المرء رهينة نمط تدمير ذاتي بداخله، لأنها الطريقة الوحيدة التي يعرفها للنجاة في العالم.

تعيش ماري تجربة تقمص شعوري مروعة، أكثر حقيقية من تمارين التقمص التي قامت بها في جلساتها مع المرضى.
يتيح الفيلم تجربة يُمكن فيها للطبيب النفسي التخلي عن سُلطته في تقييم عقلانية المريض وجنونه، وأن يعيش بإنسانيته مشاعر مريضه كاملة، تحاول ماري التمسك بموضوعيتها لكنها في لحظة بعينها تُهاجم مريضها كلارك وتكشف احتقارها الكامل لشخصه، الكامن خلف كل محاولاتها لعلاجه، عندها تُخبر نفسها بالجملة التي تٌخالف كل وعود برامجها وإعلاناتها، الجملة التي تُحطم هويتها كطبيبة نفسية:

لا يمكنني حقًا بمهنتي أن أنقذ أحدًا.
يموضع الفيلم ذاته في التسعينيات لكنه يبدو مثل نبوءة كئيبة،تبدو ماري باعلاناتها التلفزيونية، وكُتبها الدعائية، بروتوتايب أو نموذج بدائي ، لما سيتطور الطب النفسي إليه في الألفية الجديدة، عندما يكتمل تسليعه وتحويله إلى مهنة شعبوية أو فوضى تضم المؤثرين واللايف كوتش والمعالجين الروحانيين.
تبدو الغرف الخلفية كذلك مجاز مكاني عنالeco chambersأو غرف الصدى الافتراضية، التي ولدت مع تطبيقات التواصل الاجتماعي، عندما ينحبس كل إنسان في خوارزمية لا يرى فيها إلا من يُشبهونه، ولا يستمع لشيء إلا صدى هواجسه. ومن قلب تفضيلاته ومخاوفه، يولد عالمه الافتراضي وينمو
رغم أن الفيلم يدور في التسعينيات، إلا أن ماري و كلارك كليهما، يمتلك هوية افتراضية يمكن أن نتماهى معها تماماً في 2026تمتلك ماري ذات منفصلة تظهر في صورتها المبتسمة كخبيرة نفسية في اعلانات التلفاز وعلى أغلفة الكتب، و يمتلك كلارك ذات هزلية في صورة قرصان انفلونسر يظهر في اعلانات تلفزيونية يدعو المستهلكين لزيارة متجره والاستمتاع بأثاث رخيص الثمن، بدون الحاجة للدفع بالبطاقة الائتمانية
يخبر كلارك، طبيبته ماري، أن هذه الغرف أو المتاهة هي كيان ما، يتذكرنا ويُصر على استدعاءنا في لحظة بعينها، مثل لحظة فقدان ماري في طفولتها لأمها، ولحظة هدم منزلها، أو لحظة فقدان كلارك لشريكته ومنزله.
تُجرد تلك السردية ماري وكلارك من أي قُدرة على الفعل. يبدو أن المكان يتغذى على هواجسهما ويعكسها، ثم يبتلعهما إذا حاولا الخروج.
يُكرس الفيلم هاجس مركزي بسينما الرعب وهو فُقدان القدرة على التحكم، عندما تتحول مشاعر خوفنا من الغرباء إلى زومبي يُمكن أن يتحول معه أحب الاشخاص إليك إلى أعداءك، وعندما تتحول طموحاتنا للخلود إلى مسخ يشبه مصاصي الدماء. يحول كذلك فيلم الغرف الخلفية، أنماط التدمير الذاتي بداخلنا، ومخاوفنا التي تعيدنا مثل دائرة إلى لحظات لم نجاوزها في طفولتنا، إلى متاهة مكانية، لا حيلة لنا في الخروج منها، وكل هاجس بداخلنا يضيف غرفة للمتاهة.
في نهاية الفيلم تظهر سُلطة بعينها، لكنها لا تملك فهمًا كافيًا لتفسير للمتاهة ولا تدعي قدرة على التحكم فيها، هي سُلطة مُراقبة وحسب. تتأمل من يدخل المتاهة مثل فئران تجارب في كون هائل أكبر من قدراتهم.
يرتدي مُراقبي المتاهة معاطف بيضاء، تُجسد كل ما يُهاجمه الفيلم في سرديته، معاطف الخبراء الرأسماليين الثمينة التي لم تتنبأ بالكوارث، معطف الطبيب النفسي الذي فكك صناعته وحولها إلى مُنتج لا محاولة أصيلة لمساعدة المرء في الظرف الإنساني، ومعطف صناع التطبيقات، أو ملوك الخوارزميات الهائلة التي تحبسنا جميعًا في غرف صدى أكثر ديستوبية من الغرف الخلفية، لأنها افتراضية، لا تتمظهر في مكان وجدران. لذلك لا نعرف فيها حتى أننا أسرى متاهة
يبدو فيلم «الغرف الخلفية» طازجًا في تناوله وهجومه ومضمونه، لا يراهن على الهجوم الايدولوجي المباشر لكل ما يكرهه، بقدر ما يراهن على قذف المتلقي في تجربة المتاهة ذاتها، التي تمنحه شعورًا بالاختناق طوال الاحداث، من ممرات تتوالد ذاتيًا، ومحاولات تذكر مُركبة تنتهي ببشر مشوهين جسديًا كأن الذكرى باتت لحمًا فوق لحم.
لا يبدو «الغرف الخلفية» محاولة طفولية من فتى ينتمي للجيل زد للتعبير عن الغضب من كل شيء، إنما محاولة طازجة للتفكيك. تموضع نفسها قبل زمننا بثلاثين عامًا، لتجعل لحظتنا الحالية، نبوءة ديستوبية لا نستوعب قدر روعها لكثرة ما اعتدناها