يمتلك فيلم «باربي» و«المادة-substance» تقاطعات واضحة في مُبتدأ الحكاية، فالأول عن دُمية تتأنسن وتسقط من فردوسها كمُطلق يُقاس عليه الجمال لتصير امرأة عادية في عالم ذكوري، والثاني عن امرأة تُحاول جاهدة العودة لحالة الدُمية، أو فردوس الجمال المُطلق، بعد أن جاءها خريفها الأنثوي لتتحول إلى عجوز بلا سُلطان جمالي في عالم ذكوري يُقدس سُلطان الجمال والصورة.
ولكن التقاطع المُثير للإعجاب هو قرار المُخرجتين، جرويج وفارغيت أن تستعيرا جماليات كوبريك البصرية في الحكايتين.
يبدأ «باربي» ببارودي عن الافتتاحية الأسطورية ل2001: A Space Odyssey
ومشهد قذف القرود للعظمة إلى السماء لننتقل بالمونتاج إلى السفينة الفضائية، تختار «جريتا جرويج» أن يكون هذا مشهد دخول الدُمية باربي إلى عوالم لعب الفتيات، باعتبارها حدث أسطوري يكاد يُشبه لحظة استقامة الظهر الداروينية وتحول القرود إلى كائنات عُليا تخترع آلات معقدة بحجم سفن الفضاء.

بينما في مشهد مواجهة باربي لصانعيها، يجلس رجال الأعمال الذكور في حُجرة تُشبه غرفة الحرب الشهيرة في «د/ستراينجلوف»، لتحدث موازاة بين قرار الرؤساء بتدمير العالم بالرؤوس النووية، وقرار مُلاك باربي في التعامل مع ثوريتها الجديدة.

تستعير «كورالي فارغيت» ديكور The Shining أو الممر البرتقالي الشهير، والسجاد الجيوميتري المُقبض الذي سار عليه الطفل بعجلات لعبته ليستكشف قصر يحمل ذكرى مُروعة، تنظر البطلة إليزابيث عبره، وكذلك قرينتها سو. فيبدو عبوره نحو الاستوديو و الأضواء كأنه عبور لآلاف الأميال الزاخرة بكل وعود الروع وليس مسافة رُدهة

يقول كوبريك في زمنه بتواضع لا يليق به:
كل شيء تم صُنعه، كل لقطة أسطورية تم تصويرها، كل حكاية روُيت من قبل، لا يتبقى لنا إذا كان قدرنا التكرار إلا أن نفعلها بشكل أفضل.
يتميز كوبريك عن كل المُخرجين بكونه لم يحبس نفسه في جونرة، إنما تحرك بخفة بين الأفلام الحربية والخيال العلمي والرُعب والتاريخي. دون أن يُقيده شيء، وفي كل جونرة ترك بصمة بصرية واضحة، أعيت من جاء بعده في مُطاولتها. لذلك يقول سكورسيزي أن تجربة مشاهدة أي فيلم لكوبريك هي بصرية بالأساس، تُشبه النظر لقمة جبل ثم التعجب:
كيف وصل إنسان لهذه القمة؟
لا تحمل جماليات كوبريك البصرية، ثقل فني وحسب في ترجمة الحكاية لكادرات تقارب كمال اللوحات إنما ثُقل نفسي كذلك وهو أساس استدعائها.
بمجرد رؤية الممر البرتقالي في فيلم «المادة» ونقوش السجاد المُميزة،
تنتقل لنا طاقة فيلم البريق كاملة، لا تحرق «فارغيت» أوراقها، لكنها تُخبر المُتلقي، أن اليزابيث أو سو، يُشبهان بطل كوبريك «جاك»، أرواح عالقة في متاهة، تبحث عن عود أبدي خارج قوانين العالم الخطي، عود سوف يُحطمها في النهاية.
خلق كوبريك في ديكور «البريق» جمال سيمتري و جيوميتري دقيق في كماله، وجعله في النهاية مسرحًا لطوفان دماء تجرف كل شيء.
في لحظة استدعاء كوبريك بفيلم المادة، نُدرك أننا أمام مُحاولة جمالية لمطاولة الكمال، سوف تستدعي كذلك طوفانها في النهاية. ونجلس متأهبين على أطراف أصابعنا في انتظار لحظة التجلي الكوبريكية.
يسخر «كوبريك» بلا رحمة من الذكورية في «د/ستراينجلوف»، ليس بمقارنتها بالأنوثة، إنما باعتبارها مدخل لتحطيم خلافة الإنسان على هذا العالم، والتي يتصدر لها دومًا الرجال، لا يختلف جوهر فيلمه عن افتتاحية 2001: A Space Odyssey فالقرود هناك تأنسنوا وصنعوا مراكب الفضاء، و الرجال هنا خرجوا من الغابات وصنعوا ترسانات نووية، وغرفة حرب أنيقة لا تُعلن العدوان إلا بعد مشاورة، إلا أن البشر في الحكايتين لم يتخلوا عن بدائيتهم إنما منحوها ثيابًا أنيقة.
يستعيض كوبريك عن الأعضاء الذكرية القلقة من عجزها بالصواريخ المُنتصبة، وتأتي لحظة الذروة السينمائية لتُشبه الذروة الجنسية عندما يعتلي رجل مجنون يصرخ ببدائية، صاروخ يُشبه القضيب قادم بنشوة لتحطيم العالم. لا إخصابه.

تستعير «جرويج» عالم كوبريك البصري المصنوع بعناية، لذم الحالة الإنسانية في صورتها الرجولية، لتموضعه في فيلم نسوي أكثر خفة، لكنه يُشاركه سُخريته المفرطة من الإعتداد الرجولي.
فالرجال منذ بدائيتهم وحتى العصر الحديث، يخترعوا بدائل عن فكرة باربي أو الدُمية التي تعلم الأنثى شروط الكمال، في تقمص صور الجمال الجسدي، وترك ميادين الفكر للرجال، الذين لا تعدو براعتهم أن تكون احتلال مقاعد غرفة حرب دائرية، أنيقة، يمتلك مديرها هوسًا بضغط الأزرار ورؤية آثار لعبه الطفولي على العالم.
بدأ كوبريك حياته مُصور فوتوغرافي، يبحث في كل ما حوله عن لقطة جمالية، وانتقل لحكايات يرى دومًا أنها قيلت من قبل، ولم يعد باقيًا من ميادين الإجتهاد إلا الوصول للصورة المثالية التي تحملها الحكايات المُكررة.

يُنهي كوبريك فيلمه «د/ستراينجلوف» بأغنية فيرا لين العذبة، التي تعدنا فيها الجميلة أننا سنتقابل مجددًا، في يوم مُشمس، لا ندري موعده، بينما تُرينا الشاشة الانفجارات النووية في كُل مكان في إشارة ساخرة أن البشرية لم تعد تمتلك مع قيامتها القدرة على بذل موعد للمستقبل.
يتحقق وعد فيرا، يُستعاد كوبريك في مستقبل لم يكن مُوقنًا حتى في زمنه أن البشرية ستصل بنزقها إليه قبل أن تُدمر نفسها، وتُستعاد كادراته المثالية ككمال بصري يحمل شُحنة نفسية تصل للمُتلقي بمُجرد رؤيتها.
كادر صامت لكوبريك يحمل مشاعر وقصة وانطباع كافي لمنح القصة ثراءها قبل أن تفض أوراقها وتكشف مكنونها. في كلا المشاهدتين، خرجت من زخم القصة أمامي واستعدت عبارة سكورسيزي، وأنا أنظر لابطال في حكايات مُستقبلية يسيروا في ممرات وكادرات من ماضي قديم وأقول بإعجاب:
كيف وصل هذا الرجل إلى تلك القمة؟ حتى باتت معلمًا بصريًا، يُطاوله أصحاب الحكايات في أزمنة لم يتخيل أن نحيا لنصل لها؟



التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.