واحدة من أجمل العناصر في رسم شخصية «عادل» في «عين سحرية» هي الحيلة الدفاعية التي يمتلكها تجاه ماضي أبيه.
يستبدل عادل عاطفة الخزي وهي العاطفة المُناسبة لرجل ورث خطيئة، بعاطفة الغضب. لكنه غضب لا يتمظهر إلا في حالة واحدة وهي أن يجعله الآخرون موضوعًا للشفقة.
في الحلقة الأولى لا يُرفض عادل عند التقدم لخُطبة حبيبته بحدة أو بإذلال، بل يُظهر والد الفتاة شفقة مُبالغة تجاه عادل، و احترام لكفاحه، شفقة تجعله يُعلق رفضه على مُستقبل بعيد لا يرتضي فيه أن يكون يحمل حفيد لم يأت بعد إرث جد مُدان.
في كتابهplea for pityيُميز الفيلسوف روبرت كيمبال بين التعاطف و الشفقة. يرى التعاطف مُشاركة وجدانية قوية نضع فيها أنفسنا محل من يُعاني، مشاركة تُبشر بامتلاكنا شيء نفعله كي نرفع تلك المُعاناة. أما الشفقة هي مشاركة تحمل معها إقرارًا بعجزنا عن فعل شيء تجاه موضوع شفقتنا
يجعلنا هذا العجز في موضع أعلى ممن نُشفق عليه، كأننا نُطل عليه وهو أسير حُفرة أبدية، لن يخرج منها أبدًا، لذلك تستثير الشفقة دومًا الغضب، من عاجز في مكانة أدنى، تجاه مُتعاطف عاجز بدوره لكنه يعلوه. تراتبية تؤطر الشعور بالذُل كوضع دائم، الجميع يعلونا، من تسببوا في معاناتنا، و من يتعاطفون معنا. و كليهما لا يمتلك شيئًا لإنقاذنا، فقط من يُشفق سوف يشعر برضا تجاه أكبر تجاه ذاته كأنه فعل شيء نبيل بنظرته التي توثق مأزقنا.
في كل موقف يكون فيه عادل موضوعًا للشفقة، يحاول دومًا استعادة توازنه بمُمارسة الغضب، الذي يرفض به تلك التراتبية، ويرفض مكانه في الحفرة، ويلقي غباره العاجز في عيون كل من يُطل عليه من علً
يستعيد «عادل» توازنه بعد المقابلة، بطوفان غضب جارف تجاه حبيبته عبير يؤكد معه أنه لن يُحاول مرة أخرى من أجلها، و أن حكاية حُبهما ماتت للأبد. لأن مادام أبيها رآه مرة كموضوع للشفقة، لن يراه رجلًا أبدًا
يركب عادل طوفان الغضب ذاته، تجاه عم «زكي» عندما يرفض أن يُخبره بماضيه مع شهاب، و يُقدم مع غموض رفضه، يد مُساعدة يعرض فيها أن يتكفل بتكاليف علاج والدته لأنه في مقام أبيه، مقابل أن يمتنع عادل عن مناطحة شهاب.
يبدو عرض زكي منطقيًا، عرض يحل المٌشكلات كافة، لكن يرفضه عادل بنزق لأن الغموض الذي يُصر عليه زكي مع عرض المُساعدة يؤطر عادل باعتباره موضوعًا للشفقة، لأن لعنة خطيئة والده هي الغموض، لأن أمه لا تخبره أبدًا لماذا ارتكب أبيه جريمته؟ وكذلك عنوان الخطيئة هو رغبة أبيه في مُساعدة أسرته بالمال مثلما أراد زكي مُساعدته الآن.
يثور عادل أمام عرض عم «زكي» و يكسر إطار الشفقة بعبارة بعينها يؤكد فيها أن عم زكي ليس أبيه ولا يُشبه أبيه في شيء
تنفجر حيلة عادل النفسية في مشهد الحلقة 11، عندما تعترف له حبيبته أنها تعرف ماضي أبيه و أنه لا يهمها في شيء.
لقطة من مسلسل "عين سحرية-2026"
لقطة من مسلسل "عين سحرية-2026"
 تُقدم أسماء حُبها الغير مشروط، لكن في اللحظة نفسها، لا يتقبل عادل حُبها باعتباره مُحررًا له من خزي أبيه، إنما يراه بعين الشفقة ذاتها. يؤطر عرض الحب في التراتبية التي عانى منها دومًا، يموضع حبيبته في مكانة أعلى و يُدني نفسه حد تشبيهها بالحيوانات المسكينة التي تُعالجها حبيبته بدوافع الشفقة.
عين سحرية:كيف تُقدم الحُب إن لم تكن ندًا؟
لقطة من مسلسل "عين سحرية-2026"
لقطة من مسلسل "عين سحرية-2026"
الجرح النفسي الأكبر لشخصية عادل، هو عجزه عن تمييز الحُب من الشفقة، لأنه لم ير نفسه يومًا حُرًا من خطيئة أبيه، لأنه سجين حُفرة شفقة، لم يخرج منها أبدًا كي يُطل على العالم بعيون لا تحمل عبء ماضيها، كل ما اعتاده هو إطلالات من علً تنظر له بشفقة. و تعامله باعتباره موضوعًا لها.
لذلك لا يثور غضب عادل تجاه الغُرباء بقدر ما يثور تجاه الأقربون، يثور تجاه رجل يُذكره بأبيه، و تجاه فتاة تُذكره بحبيبته التي تركته. يصير غضبه مُبالغًا، لأن الشفقة تأتي ممن يتمنى أن يكون مقبولًا لديهم.
كيف تُقدم الحُب إن لم تكن ندًا؟ كيف تُقدم الحُب من حفرة؟، لا يجرؤ عادل حتى على عناق حبيبته، لأن العناق يحتاج أن يقف المُتحابان على أرضية مُستوية.
ندرك أن فورات غضب عادل تُخفي هشاشة مُروعة، هشاشة أظهرها بعناية و هو يتكور بجسد خائف وهو يحتضن جثمان والدته، التي منحته الحُب الوحيد الخالي من الشفقة. حب يجعله يناطح الوحوش و يُقاتل عالم مُظلم، لكنه لم يصالحه بعد على نفسه