في عام 1998 منح ناقدي المُفضل «روجر إيبرت»، مُخرجي المُفضل «عباس كيارستمي» تقييمًا من نجمة واحدة عن فيلم الأخير «طعم الكرز»، واصفًأ كاميرا كيارستمي بمجاز درون تائهة بلا حياة، تتلصص على قصة بلا معنى. لبطل يُريد قتل نفسه لكنه يبحث عن رجل يتولى دفنه. فيلم يخلو من فلسفة واضحة تُفصح عن مكنونه

عندما شاهدت أفلام كيارستمي وتحديدًا «طعم الكرز» للمرة الأولى، أثار ضيقًا لا يُحتمل للفتى الشاب الذي كُنته، لم أكن حتى لأمنحه نجمة مثلما فعل روجر بشفقة مُتعالية. لم يتعلق الضيق بساعتين مُهدرتين من العُمر في متابعة حكاية غريبة، إنما بشعور لم يُغادرني بعد نهاية الفيلم، يُشبه المذاق المُتخلف في الفم عن نكهة قوية، انتهت تجربة التذوق لكن في منطقة عصي الوصول لها في سقف الحلق، تربض نكهة لا تُنسى.

ظل طعم الكرز خفيًا في الفم، حتى صارحني صديق برغبته في ق$تل نفسه، ليتفتح الطعم في سقف حلقي ومنه لثنايا فمي مثل زهرة مُرة، تفتحت في موعدها.

يُدرك صديقي افتتاني بالفلسفة الرواقية، التي يُخفي صاحبها مشاعره برباطة جأش، عاجلني باقتباس أعرفه جيدًا لسينيكا يقول:

ليس شقيًا قط من تيسرت له سُبل الموت.

نسج صديقي بعناية فخًا فلسفيًا، يقتل كل محاولاتي لاستعادته، أخبرني بما أعرفه جيدًا، أن فلسفتي المُفضلة دون سواها، ترى الإ$نتحار شجاعة أخيرة للنفس إذا باتت الحياة غير مُحتملة. لذلك لم يقاوم سينيكا موته على يد امبراطور مُخيف، لم يفر، كان انتح$ارًا معنويًا لرجل قال كل ما يُريده وباتت الحياة صيرورة عبء لا داعي لها.

سلمت بمهارة الفخ الفلسفي، لم أجادل عقلًا يقظًا وجد رحمته الأخيرة، فقط جادلت في الطريقة المُناسبة والموعد المُناسب، مُماطلة شعرية تحتمي في التفاصيل الثانوية، من مركزية قرار محسوم.

أدركت لماذا جادل بطل كيارستمي «بادي» قراره المحسوم بتفصيلة لوجيستية لا قيمة لها مثل البحث عن رجل يدفنه، كان يُمكنه الموت بأقراص مُهدئة في فراشه، كان يرى الموت مثل لعبة شطرنج، قام بحركته الأولى وأعلن رغبته، وتعلق إيمانه الخفي بحركة مُضادة تقوم بها الحياة عنه، لتمنحه سببًا للعيش

كان يُمكن لصديقي أن يقتل نفسه، لكنه أخبرني قبلها كأنه يقدم لي دعوة لحركة شطرنج، وأنا خلوًا من فلسفتي المُفضلة ومنطقها البارد، قضيت أشهرًا كاملة، أبحث فيها عن حبة توت، مثل الرجل الذي قابل «بادي» بالفيلم وأخبره أن حبة توت لذيذة منعته من قتل نف$سه، حتى حل الصباح وقطف التوت كاملًا ومنحه لأطفال في طريقهم للمدرسة وحياة بكر لم تبدأ بعد.

بعض الأفلام لا تُفصح عن معناها مُباشرة، إنما تحفر لنفسها حضورًا بدواخلنًا، فخًا جماليًا قوامه فكرة في ثوب زهرة، لا تتفتح إلا في لحظة بعينها، مع نداء بعينه، وجد صديقي حبة التوت خاصته، وبدا لحظتها طعم الكرز في فمي أقل مرارة وأكثر حلاوة من أي فاكهة تذوقتها يومًا.

تعلمت الكثير من «روجر إيبرت» لكنني تعلمت من كيارستمي، كيف أنجو من فخ الناقد الذي يواجه عاجزًا، شعرًا يتخفى في ثوب حكاية سينمائية. فيتسرع بمحاولة تفسيره بمبضع الجراح العقلاني، بحثًا عن المنطق المخبوء فيه

أنقذني كيارستمي مرة أخرى، عندما أخبرتني حبيبة في نهاية قصة حُب لم تبدأ، أنني لا أعُبد طريقًا ولا أقدم وردة، إنما أختبر مقاومة حكايتي للزوال، قبل أن تنمو حتى وتكتسب مناعتها، اصطنع فخاخًا مروعة لأسبق الهزيمة بتوقع صائب، لذلك لن أجد الطمأنينة أبدًا، إنما قلق مُتجدد فخور بذاته لأنه إن لم ير الكارثة، يصطنعها ليُثبت صدق ظنه

لم أفهم ما تعنيه يومها، حتى قرأت قطعة من شعر كيارستمي بعد سنوات، يكتب كيارستمي شعر يُشبه الهايكو الياباني، بيت واحد كلماته زاهدة وقليلة، لا يُقدم الجمال بسهولة إنما يقدم اغراء السؤال

كان البيت يقول:

فزاعة حقل بلا معطففي ليل الشتاء البارد

أتوق للحُب مثل مُرتجف في ليلة مطيرة يتسول معطفًا، لكن قلقي يستحوذ على قلبي، ويصطنع منطقًا مروعًا، أبدو فيه مثل فزاعة تُخيف من يقترب، تنبذ الألفة وتؤسس دومًا للرهبة من غربان قادمة. يصطنع البيت مُعضلة شعرية، كيف يُمكن لفزاعة أن تجد الدفء في عاصفة؟ وكيف يُمكن لمُحب أن يقترب بمعطف من فزاعة تُنذره ملامحها بخطر الاقتراب وفزع الوصال؟

اعتذرت لحبيبتي بعد سنوات، أخبرتها أن لا إثم في ترك رجل يحمل ملامح فزاعة، مهما توسل لأجل معطف، أخبرتها أن المفارقة كانت تسكنني منذ زمن طويل، لكنها عصية عن الشرح العقلاني، المفارقة شعرية من الأساس، ومأزقها يستدعي من البداية أن نستبدل الرجل الخائف بدفاعاته المنطقية بحقيقة لا تُجدي معها مراوغات المنطق، لذلك اصطنع كيارستمي بيتًا واحدًا، وليلة مطيرة، وبطولة سينمائية لفزاعة ترتجف

يكتب كيارستمي الشعر مثلما يصنع السينما، حبة كرز يدسها في جيبك، حلاوتها مؤجلة حتى لحظة بعينها، تتوقف فيها عن اللهاث في عجلة الحياة وتتفحص جيبك، إذا وجدتها، فهذا وقتها. لن يكون كيارستمي موجودًا عندها لتشكره، لكنه لا يريد جزاءًا أو شكورًا، يُدرك منذ البداية بزهد صوفي أنه يمنحك جمالًا مؤجلًا.

يقول البطل في فيلم كيارستمي «كلوس أب» أنه يشعر مع كل فيلم جيد أنه يولد من جديد

مشهد من فيلم "close up-1990"
مشهد من فيلم "close up-1990"

لا أؤمن بالتناسخ، لكن السينما تمنحنا الهبة ذاتها دون قلق ديني أو ثمن إيماني، كل فيلم هو حياة سابقة نختبرها بشهود لا يتورط في التجربة، ومع تترات النهاية نكتسب تلك الخبرة الثمينة، العودة للحياة من جديد ولكن بميراث الخبرة السابقة، التي تأخذ أشكالًا شتى، طعم كرز خفي في الفم، يظهر في لحظة بعينها لنتذوق به مأزق مُر، بيت شعري من بطولة فزاعة مُرتجفة ليُخبرنا بما يُخفيه كبرياءنا العقلي عن هشاشة أرواحنا

يسألني صديقي عن رأيي في أفلام بعينها، أمتنع وأخبره أنها جمالات مؤجلة، لم يُحيط العقل بكل أسرارها، ولم تُفصح للقلب بكمال مكنونها، لكنها زهرة مُغلقة تنتظر لحظة بعينها، لن تظهر فيها فقط بمعناها، إنما بحبال إنقاذ من حياة سابقة لتُنقذنا

من كل أفلام كيارستمي ورحلاته أحب صورة فوتوغرافية واحدة لرجل يمنحنا ظهره، ويُطل على برية شاسعة لكنه مُتلصصًا على مشهدها عبر ثقب صغير، مُعبرًا بنفسه عن مأزق كل إنسان يُطل على حياة فسيحة بحدود عقله فقط، لا براح الشعر

صورة مقترحة لثامبنيل
صورة مقترحة لثامبنيل

لا يمنحنا كيارستمي شرحًا لأفلامه، أو تأويلًا لها، يكتفي فقط بتفسير يكتسي بثوب الشعر الذي يحول أفلامه لنبوءة جمال لا يحل إلا في موعده، فيقول:

في الظُلمة التامة،مايزال الشعر موجودًا هنا، لأجلك أنت، لإنقاذك أنت