ربما أجمل تعريف بصري رأيته لفكرة «المنزل» هو المشهد الأخير من تُحفة «لارس فون ترير»
Melancholia
مساحة صغيرة في عالم يتداعى، يُمكن أن تجد بداخلها عزاء وتُذهل فيها للحظات عن قيامة تحدُث.
طوال أحداث الفيلم تحيا «جوستين» في قصر أختها الفسيح، لكنه لا يٌشبه المنزل أبدًا ولا يحمل دفئه. تحيا «جوستين» في زنزانة داخل رأسها لأنها مُصابة باكتئاب سريري لا يفهمه أحد. اكتئاب يؤطر اغترابها عن باقي البشر بوقوفه حاجزًا بينها وبين تذوق الحياة.
بينما يشعر الجميع بالسعادة تشعر «جوستين» بقيامة مُخيفة على وشك الحدوث.
صنع «ترير» هذا الفيلم تحديدًا لأنه وقع لسنوات ضحية لاكتئاب لفظه بقسوة خارج كل دوائر الأُنس والألفة.
يقول «ترير»:
«كل شيء يُخيفني في هذا العالم، إلا الأفلام التي أصنعها، صناعة تلك الأفلام تُشبه طقوس لطرد شياطيني»
لذلك يصنع «ترير» فيلم يُحول فيه الاكتئاب من حال يسجنه إلى كوكب «ميلانكوليا» المُتجه باصرار عدمي نحو اصطدام حتمي بالأرض سيقضي على كل صور الحياة.
لا يُحطم «ترير» فكرة المنزل للأصحاء وحسب، إنما يُحطم الأرض ذاتها كمنزل كوني يستضيف الدراما خاصتنا. يأسر الجميع في قيامة، كانت قيامة جوانية ولا يشعر بها أحدًا سواه. الآن هي قيامة مادية سيشعر بها الجميع.
في اللحظات الأخيرة للأرض تتعافى «جوستين» مريضة الاكتئاب لأن القيامة تحدث خارج رأسها أخيرًا، العالم يبدو لأول مرة كانعكاس خارجي لحالتها الداخلية، الجميع يُصدق ما تشعر به الآن لأنهم يشعروا به كذلك.

صنع «ترير» فيلمًا كاملًا ليأسر الأصحاء في تقمص عاطفي لمريض الاكتئاب، ليفهموا ما يعنيه أن يُخبرنا أحدهم أن عالمه يتداعى، وأن القيامة على بعد انش منه.
عندما تسأل «كلير» أختها «جوستين» عما يُمكن أن يفعلوه في اللحظة الأخيرة، تصنع «جوستين» بديلًا بدائيًا للمنزل، مساحة هشة يُمكن فيها أن يختبآ من القيامة في وصال وعناق. تمنح «جوستين» مريضة الاكتئاب لأختها ما تمنت أن تناله يومًا. مساحة للتفهم والوصال ولو بقدر انش.
يبدو «ترير» قاسيًا لكنه يُحرر فكرة المنزل من طُغيانها، لا يُحوله إلى مساحة يتدثر فيها الأصحاء بأحوالهم ويلفظوا المرضى خارجها، إنما يُحوله بتعريف أكثر رقة إلى شيء آخر، يصير المنزل هو المساحة الوحيدة المُمكنة لوصال الآخر.
في كتابها «حتى أتخلى عن فكرة البيوت» توثق «ايمان مرسال» الفكرة ذاتها التي تجعل المنزل فكرة تفصلنا عن الآخر، العالق في مأساته، الذي يبحث عن منزل لكن تلفظه فكرة المنازل خارجها كأماكن صُنعت لطرد من لا يٌشبهنا، تقول إيمان:
لا أظن أنك من خلف زجاج النافذة،يمكن أن تدرك هؤلاء الذين تمزَقوا من قبللا شيء يميَزهم في الحقيقة!أقصد، ربما كل منهم لا يشبه إلا نفسه
يُشبه الهيكل الهش الذي صنعته «جوستين» في المشهد الأخير، خيام النزوح التي أراها في المقاطع اليومية، عن أشخاص عاقبهم العالم لأنهم تمسكوا بالمنزل، فاصطنع لهم قيامة عالمية، الجميع يُراقبهم من منازله الآمنة، لا أحد يفهم ما يعنيه أن تختار بين
منزل وقيامة.
لا يُمكن أن تتقمص أحوالهم إلا لو تخليت عن فكرة البيوت والمنازل بالأساس كمساحات نختبيء فيها من الوصال لكل من يحيا خارج دوائر أماننا، كل لحظة وصال تخلق في التو منزلًا بين طرفيها، وكل لحظة انفصال وعُزلة تخلق سجن وإن استضافها ألف منزل
لا يُشبه المنزل في قلبي الجُدران إنما يٌشبه كل صور الوصال، عينا أمي التي أبحث عنها في زحام نهاية اليوم الدراسي، لتستنطقني بحُب فتخلق لي كينونة وسط حشد يبتلعني.
كل امريء يمتلك منزلًا مادام محفوظًا في نظرة أحدهم، نظرة تستنطق فردانيته بحُب وإن ابتلعه ألف حشد. نظرة تستنقذه من كل صور المٌشابهة.
لذلك أفهم ما يعنيه أن يصرخ طفل من المُخيمات، لا يطلب غذاء أو دواء، إنما يطلب من العالم أن ينظر له، يرغب في نظرة تراه كفرد مُستحق للحياة، تستنقذه من رتابة رقم في احصائية باردة، تراه كاختبار انساني لانقاذنا جميعًا لا كتراجيديا بعيدة تستحق الرثاء وهي بعد حية.. مثلما خلق «ترير» للاصحاء قيامة قاسية ليمنحوا المكتئب في سجنه نظرة وصال حقيقية.
عندما سئل العشرات من كل البلدان عما يعنيه المنزل أجابوا عن أحوال وصال، عن وجوه مُحبة، عن لحظات سعيدة، عن أشياء صغيرة دافئة نسوا للحظات فيها الخطر القريب، أحوال وصال تلونت بألف لون ولم تخلو من شعريتها. أحوال لم تُذكر فيها الجدران بالأساس.
عندما سُئل «مارتن هايدغر» لماذا اختار أن يقضي سنوات عُمره في كوخ صغير مُنعزل بجبال الألب، في برية هادئة تُسمى «الغابة السوداء»، يسخر «هايدغر» من فكرة المنازل والإقامة المادية بها، ويقول:نحن بالأساس نُقيم إقامة شعرية بهذا العالم.




التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.