في se7en يمتلك المُحقق «سومرست» جوار مُسدسه البارد وشارته، أداة ميكانيكية تُدعى

«الميترونوم» يضعها كل ليلة على الكومود بجوار فراشه.

لا ينتمي «الميترونوم» إلى عالم المُحققين، إنما عالم الموسيقيين، فهو جهاز ميكانيكي يُصدر نبضات مُنتظمة، تُساعد العازف على ضبط وتيرة وإيقاع عزفه.

لا يعزف «سومرست» الموسيقى إنما تفتنه سمات التحكم والتسلط التيي تطبع وظيفة الأداة، يُحاول على نبضاتها ضبط إيقاع روحه ووتيرتها، في مدينة باردة تعزف لحن جنوني يومي، كل الجرائم التي يُشاهدها «سومرست» في الأزقة غادرت منطقها منذ زمن طويل، لم تعد تتعلق بالسرقة أو اللذة، إنما وحشية غير مُبررة، جرائم بلا دافع، وهذا ما يجعله يرتعد حتى وهو يقبض على مُرتكبيها.

الميترونوم يضبط ايقاع روحه على شعور

apathy اللامبالاة

لأن التعاطف كفيل بفضح هشاشته وتحطيمه، والغضب كفيل بتحويله إلى وحش همجي لأنه يوقن أن مدينته باتت تحتاج إلى تطهير إلهي مثل عذابات العهد القديم، طوفان قد يعصف في عنفوانه بالأبرياء قبل المُذنبين. يحاول «سومرست» ضبط إيقاعه على الثبات اللامُكترث في الوقت المُتبقي من مسيرته قبل التقاعد.

مشهد من فيلم "se7en-1995"
مشهد من فيلم "se7en-1995"

المُثير أن «سومرست» مع تطور الحبكة سيُلقى بلا رحمة خارج إيقاعه، سيظل أسير طرفين يُمثلان، تطرفات الميترونوم، شريكه المُحقق «ديفيد ميلس» الذي يتعاطف ويتألم ويثق في عالم يُمكن إصلاحه حد المُخاطرة بجلب طفل لهذا العالم، وعلى الطرف الآخر المُجرم المجهول الذي يمتلك الشجاعة لتحويل غضب «سومرست» المُختزن وخيالاته التي تُخيفه إلى فعل تطهيري بالقتل.

دوامة مُخيفة ستدفع «سومرست» في مُنتصف الأحداث لتحطيم الميترونوم بإلقائه بعنف خارج فراشه، مُعترفًا أن توازنه الهش اختل للأبد بجاذبية القطبين المُحاصر بينهما، وعليه أن يصير طرفًا في عراك وحشي يؤطره عالم يخشاه بشدة.

أمتلك نزعة تقاعد مؤجلة، تُشبه نزعة «سومرست»، الرغبة في تسليم الذات لإيقاع آمن، خوفًا من كل نداء سيُعري بعنفوانه هشاشة أوصالي، الرغبة في المرور الآمن لنهايتك قبل أن يفطن العالم بوجودك على متنه، ليؤطر لك بسادية اختبارك الخاص الذي سيكشف هشاشتك بلا رحمة.

يُشبه القاتل في se7en قس غاضب، يقدم ضحاياه على مذبح الخطايا السبع، على طريقة «دانتي أليغري» الذي لم يقتل إنسانًا لكنه خلق من الجحيم أدبًا مُفرط في قسوته، أثارت «الكوميديا الإلهية» التي كتبها رعب المؤمنين وكدسهم في الكنائس بعد قراءتها لعقود.

يُروى أن «دانتي» كتب جحيم الخُطاة كاملًا، ليعوض فقده لحبيبته «بياتريس» التي حولها في الكوميديا الإلهية إلى ملاك حُب فلورنسي أرسلت له من السماء «فيرجيل»، الدليل الذي سيقوده عبر صفحات قصته لخلاصه عبر طبقات الجحيم نحو الفردوس.

لم يمتلك القاتل في se7en بياتريس خاصته، لذلك خلق جحيمًا مُغلقًا على ذاته بلا مُرشد. واشتهى بحسد قصة لا ينتمي لها. فيها زوجة مُحبة وطفل قادم لعالم مُلوث. اشتهى أن يكون بطل حكاية حُب لا تخصه ولم يمتلك قلبًا مشفقًا ليخلق مثلها

يُشبه «سومرست» القساوسة، بسمته الهاديء ومعطفه الطويل، لكنه لا يملك فردوس يٌبشر به، ولا جحيم يُنذر بقدومه، قس عالق في غرفة اعتراف، يرتعد أن يعترف لنفسه أنه لا يقوى على الحُب. خوفًا من مد جذوره في عالم قد يجرف قلبه وزهوره في اليوم التالي

يُشبه «سومرست» القس الشهير في «فليباج» الذي اعترف لحبيبته أنه لا يمتلك الشجاعة لعشق انسان فاني في عالم يُخيف، وأن تكريس حياته للرب هو الميترونوم خاصته، الحُب ومعايشة الأسى الاستباقي باحتمالات الفقد لمن يُحبه، اختلالات في توازه ايقاعه، مشاعر قد تُحطمه للأبد.

يُحاول المُحقق «ديفيد ميليس» خلق فردوس في عالم مُخيف من أجل طفله القادم، بينما يُحاول القاتل خلق جحيم في عالم مُلوث ليُطهر سُكانه، ويحيا سومرست في المُطهر بينهما. مكان بلا جذور، محطة انتقال لا صوت فيها إلا إيقاع ثابت يخش انتهاء نبضاته الرتيبة، ومعها صدور حكمه بانتمائه للجنة أو للنار.

أخبرتني حبيبة سابقة مرة أني أحيا في المُطهر ذاته، لا أملك شجاعة كافية لمد جذوري في العالم، واستقدام جمال له، أنشغل برعاية كل جمال يحتضر خوفًا من أنانية بذل جمال جديد يخصني في عالم مُفترس، أو ما عبرت عنه سوزان عليوان، ببث غزال في عالم يُشبه الغابة، أضمد جروح الغزلان الموجودة بدلًا من خلق صغير جديد.

أخبرتني أنني لا أمتلك كذلك غضبًا كافيًا لإدانة العالم موليًا ظهري له، أخبرتني عن إيماني الساذج أن كل خطاء يستحق «فيرجيل»، يستحق مرشد شعري يقوده للفردوس.

أخبرتني أن الميترونوم يجعلني رهين المُطهر، يحمي إيقاعي من عاطفة تُعري هشاشتي، لكنه يجعلني وحيدًا، أنني فيرجيل لكثيرين، لكن حتى فيرجيل يحتاج مٌرشدًا يُخرجه من جحيمه الخاص.

عندما يتلاقي طرفي الميترونوم، ويُحقق القاتل وعيده ليتلقى اعدامه بسعادة، ويتحطم عالم «ديفيد ميليس»، في لحظة تلاقي مروعة تٌشبه الإنفجار العظيم، ستحطم كلا الرجلين لكيلا يتبقى سوى «سومرست» كأب اعتراف أخير لحكاية حزينة والشاهد الوحيد على حدوثها.

في المشهد الأخير، عندما يسأله مٌحقق عن نيته للتقاعد التي أخبر بها الجميع، يُخبره «سومرست» بشكل مفاجيء أنه سيظل موجودًا، يخطو سومرست بقراره خارج البرزخ وخارج إيقاع الميترونوم، وخارج المُطهر، ليواجه جحيم مدينته لأول مرة دون خوف، دون قناع لامبالاة كاذب.

مشهد من فيلم "se7en-1995"صورة مقترحة للثامبنيل
مشهد من فيلم "se7en-1995"صورة مقترحة للثامبنيل

وبينما تبدو تلك خطوة لقلب الجحيم، فهي لشخصيته، بلوغ جمالي للفردوس، لم يعد سومرست يخدع قلبه باعتناق لا مُبالاة كاذبة. حررته الخسارة الكاملة من محاولة أسر الحياة لصالح ايقاع منظم من الخوف.

يعترف في المشهد الأخير باقتباس «هيمنجواي»:

العالم مكان جميل، يستحق القتال لأجله

يقول فقط أنه يؤمن بالنصف الآخر من الجُملة. فالعالم جحيم، لكن لا مفر من أن يراك العالم ولا مفر من خوض معركتك فيه.

يؤثر في «سومرست» بشدة، وتسري شخصيته في أوصالي، وتختبيء تحت أظافري في كل وصال مع العالم، أتشبث بميترونوم بداخلي، يُحاول أن ينتظم بصرامة بإيقاع خائف، أنقذ ما أستطيع من جمال في عالم يُمكن أن تنتظم فيه أخبار إ$بادة جماعية، ورجل يُنجب طفلته، ومُحبان يقترنا، في يوم واحد على شريط أخبار افتراضي. يتأرجح الميترونوم بداخلي بين حُب يورطك بجذوره، ولامُبالاة تخشى معها أن يموت قلبك.

تُدرك أن العالم يومًا سوف ينتبه لك باختباره، سيُحطم الميترونوم، ويدفعك في طوفانه، سيكون عليك القتال، لتستعيد ايقاعك من جديد، وستأمل أن تجد الحُب وقتها ليقوم بدور فيرجيل، في إرشادك خطوة خارج جحيمك نحو الفردوس