من أجمل سمات عالم هاري بوتر أنه مؤسس على فيض شعور واحد هو الحُب الأمومي ، ربما لإنه عالم مخلوق من الأساس من فترة إكتئاب إكلينيكي مرت بها جوان كاثلين رولينج في مُنتصف التسعينات وكادت تقضي عليها . تقول جوان في مُقابلة أنها لم يُنقذها من هوة الإكتئاب سوى يقينها أن إبنتها تنتظرها خارج تلك الهوة ، كان ذلك سببًا كافيًا لتُعاود المحاولة وتجلس أمام الآلة الكاتبة و تقدم لنا واحد من أجمل العوالم الخيالية.

ينهزم الرجال و تنهار عوالمهم في وجه فولدمورت ولا يُدمره سوى حُب أمومي لامرأة تقف عارية دون سلاح أو حصن أو عصا ، تتلقى «ليلى بوتر» الموت عن إبنها بجسد أعزل و ترتد التعويذة على فولدمورت لتسحقه و يحتاج القصة كلها ليعود كاملًا.

مشهد من فيلم  "Harry Potter and the Deathly Hallows-2011"
مشهد من فيلم "Harry Potter and the Deathly Hallows-2011"

ولد هاري بوتر من حُب أمومي لامرأة و في لحظة إكتمال قوس شخصيته و قبوله الموت ليفتدي الجميع تُمرر له جوان رولينج حبل النجاة في صورة حب أمومي من نارسيسا مالفوي ، التي تكذب وتخبر فولدمورت أن هاري لم ينجو بعدما أيقنت بنجاة ولدها . بدون عصا سحرية ، بدون تعويذة ، بدون ألاعيب بطولية ، امرأة عزلاء تحتضن فتى يٌشبه ولدها ، يهمس لها بنجاته فتحميه و تُخبر قاتله بأكذوبة هلاكه.

مشهد من فيلم  "Harry Potter and the Deathly Hallows-2011"صورة مقترحة ثامبنيل
مشهد من فيلم "Harry Potter and the Deathly Hallows-2011"صورة مقترحة ثامبنيل

تؤسس جوان كاثلين رولينج شخصية «بيلاتريكس ليسترينج» باعتبارها المُعادل الأنثوي الجنوني لفولدمورت، آكلة موت سيكوباتية تخرج من ظلامها لتقتل أحد أعمدة الحكاية ، «سيريوس بلاك» الأب الروحي لهاري بوتر ، لا يقف في وجه جنونها شيء ، شخصية مؤسسة على الرعب و الجنون لكنها تموت في النهاية أمام شراسة الأم «مولي ويزلي» ، ربة منزل لم يؤسس لشخصيتها سوى أنها أم مُحبة وحسب.

مشهد من فيلم  "Harry Potter and the Deathly Hallows-2011"
مشهد من فيلم "Harry Potter and the Deathly Hallows-2011"

الحب الأمومي في عوالم جوان رولينج هو الفيض و العنفوان الوحيد الذي يُعادل في قوته الإكتئاب و الظلام و الموت ، لم تملك جوان أي شيء يُنقذها من إكتئابها سوى أمومتها ، الأمومة في لحظة بعينها تمنح شخوصها الأنثوية قوة أكبر من منطق الرواية نفسها ، حتى لو كانت أم عزلاء في لحظة غدر مثل ليلى بوتر ، أو سيدة شريرة مُحاطة بأنصار ساحر مجنون في لحظة نشوة مثل نارسيسا أو أم مُسالمة تُطبب الجرحى مثل مولي ويزلي ، في لحظة بعينها تنظر كل أم لأطفالها وتكتسب السحر الكافي لإنقاذهم و إنقاذ الحكاية بأكملها .

في سياق ما تبدو عوالم هاري بوتر بأكملها تحية لتلك العاطفة الخالصة ، تهمس جوان بسحر تلك العاطفة في لحظات بعينها لشخوص بعينها فتخرج من شرنقة دور إعتيادي للحظة أسطورية بحجم الحكاية نفسها