من أجمل سمات عالم هاري بوتر أنه مؤسس على فيض شعور واحد هو الحُب الأمومي ، ربما لإنه عالم مخلوق من الأساس من فترة إكتئاب إكلينيكي مرت بها جوان كاثلين رولينج في مُنتصف التسعينات وكادت تقضي عليها . تقول جوان في مُقابلة أنها لم يُنقذها من هوة الإكتئاب سوى يقينها أن إبنتها تنتظرها خارج تلك الهوة ، كان ذلك سببًا كافيًا لتُعاود المحاولة وتجلس أمام الآلة الكاتبة و تقدم لنا واحد من أجمل العوالم الخيالية.
ينهزم الرجال و تنهار عوالمهم في وجه فولدمورت ولا يُدمره سوى حُب أمومي لامرأة تقف عارية دون سلاح أو حصن أو عصا ، تتلقى «ليلى بوتر» الموت عن إبنها بجسد أعزل و ترتد التعويذة على فولدمورت لتسحقه و يحتاج القصة كلها ليعود كاملًا.

ولد هاري بوتر من حُب أمومي لامرأة و في لحظة إكتمال قوس شخصيته و قبوله الموت ليفتدي الجميع تُمرر له جوان رولينج حبل النجاة في صورة حب أمومي من نارسيسا مالفوي ، التي تكذب وتخبر فولدمورت أن هاري لم ينجو بعدما أيقنت بنجاة ولدها . بدون عصا سحرية ، بدون تعويذة ، بدون ألاعيب بطولية ، امرأة عزلاء تحتضن فتى يٌشبه ولدها ، يهمس لها بنجاته فتحميه و تُخبر قاتله بأكذوبة هلاكه.

تؤسس جوان كاثلين رولينج شخصية «بيلاتريكس ليسترينج» باعتبارها المُعادل الأنثوي الجنوني لفولدمورت، آكلة موت سيكوباتية تخرج من ظلامها لتقتل أحد أعمدة الحكاية ، «سيريوس بلاك» الأب الروحي لهاري بوتر ، لا يقف في وجه جنونها شيء ، شخصية مؤسسة على الرعب و الجنون لكنها تموت في النهاية أمام شراسة الأم «مولي ويزلي» ، ربة منزل لم يؤسس لشخصيتها سوى أنها أم مُحبة وحسب.

الحب الأمومي في عوالم جوان رولينج هو الفيض و العنفوان الوحيد الذي يُعادل في قوته الإكتئاب و الظلام و الموت ، لم تملك جوان أي شيء يُنقذها من إكتئابها سوى أمومتها ، الأمومة في لحظة بعينها تمنح شخوصها الأنثوية قوة أكبر من منطق الرواية نفسها ، حتى لو كانت أم عزلاء في لحظة غدر مثل ليلى بوتر ، أو سيدة شريرة مُحاطة بأنصار ساحر مجنون في لحظة نشوة مثل نارسيسا أو أم مُسالمة تُطبب الجرحى مثل مولي ويزلي ، في لحظة بعينها تنظر كل أم لأطفالها وتكتسب السحر الكافي لإنقاذهم و إنقاذ الحكاية بأكملها .
في سياق ما تبدو عوالم هاري بوتر بأكملها تحية لتلك العاطفة الخالصة ، تهمس جوان بسحر تلك العاطفة في لحظات بعينها لشخوص بعينها فتخرج من شرنقة دور إعتيادي للحظة أسطورية بحجم الحكاية نفسها



التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.