تُلخص تلك اللقطة من life is beautiful، جوهر الأبوة في بدايتها، لا يكون الأب إلا حائط صد بين طفله وشر العالم، لا نرى الآباء في طفولتنا إلا آلهة، مشيئة خالقة لكل جمال وقاهرة لكل خطر.

ينجح الأب "غويدو" بأبوته فقط أن يحول مُعسكر إ$بادة إلى مُتنزه، وروليت موت إلى لعبة مُمتعة، يخبر ابنه فقط أن ينظر له ولا يصدق إلا حديثه ولا يطمئن إلا لعينيه.

يُشبه الأمر تنويع جمالي عن أسطورة ميدوسا اليونانية التي لو نظرت لها ستُحولك لحجر، يُدرك غويدو أنه في بيت ميدوسا المُخيفة، وتصير لعبته طوال الوقت ألا يجعل إبنه ينظر للشر في عينيه، فيُجمده لهشاشته، لكن في لقطة بعينها يُجسد "غويدو" ثقل الأبوة التي لا يفهمها سوى الآباء وحدهم. وهي لقطة اصطدام الأب بجثث المعسكر

مشهد من فيلم "Life Is Beautiful-1997"
مشهد من فيلم "Life Is Beautiful-1997"

عليك في لحظة بعينها أن تواجه ميدوسا، تواجه الشر في كل صوره، تواجه الهول في عُريه المتوحش مثلما رأى جُثث زملاؤه مُكومة في جبل، لكنه في اللحظة نفسها عليه كأب أن يظل كتف حنون لإبن نائم وهو يظن أن العالم لعبة مُمتعة أبيه هو إلهها ومالك زمامها، لقطة تُجسد حنان إله يحمي، ورعب هش لإنسان يواجه شر الإنسانية مُجسدًا في كومة جيفة أمامه ولا يمكنه الحراك لكيلا تفسد ألوهته ويستيقظ ابنه ليرى المشهد. تلك المفارقة هي جوهر الأبوة وهي ما يحياها الأب كل يوم بصور مُختلفة حتى يكبر أبناؤه ويصيروا أقل هشاشة وأقدر على التعرف على العالم كما هو

يقول كارل يونج أن الآباء يظلوا آلهتنا، لإنهم من منحونا المعرفة بكل شيء، نظل ندور في فلك طلب قبولهم ورضاهم، حتى نصل لنُقطة تفرغ فيها جُعبة الأب من شيء جديد يُمكنه تعليمك إياه، صرت كبيرًا بما يكفي لتنظر إلى ميدوسا. يقول يونج أن تلك اللحظة هي الموت الرمزي للأب. قبل موته الحقيقي، وهي لحظة تحقق الإبن بكمال النٌضج.

ترى تلك الصورة الثانية للأبوة في «هاري بوتر»، الطفل الذي ماتت أمه لكي تحميه من النظر لميدوسا وجهًا لوجه، إفتداه أبواه بحياتهما وقدما نفسيهما قُربانًا للوحش ليحيا.

يظل قوس شخصية هاري ينضج، لكنه لا يكتمل إلا بحضور شخصية العراب «سيريوس بلاك»، أهم شخصية أبوية في عالمه، يُقابل سيريوس هاري الذي لم يعد صبيًا، الذي نظر لميدوسا مرات، بل وأيقن أن الشرير يقبع تحت جلده ويمتلك جزءًا من روحه. لم يعد مُمكنًا أن تحمي الإبن من النظر لميدوسا، بل عليك إعداده لهزيمتها.

مشهد من فيلم " Harry Potter and the Order of the Phoenix-2007"
مشهد من فيلم " Harry Potter and the Order of the Phoenix-2007"

لهذا تُحقق لحظة موت «سيريوس بلاك» مرحلة الموت الرمزي لدى يونج، قبل مواجهة هاري بوتر لفولدمورت، تموت تباعًا كل الرموز الأبوية في عالمه، دمبلدور، سنايب، وسيريوس بلاك الذي لا يموت وهو يحميه إنما وهو يقاتل جنبًا لجنب معه في معركة وقد صارا متساويان، لم يعد هناك معرفة جديدة يُمكن أن يُقدمها أب لهاري. لم يعد هاري طفلًا، صار رجلًا وعليه أن يواجه مشهدية موته بنفسه وهو ما فعله في النهاية.

في تلك اللحظة يتقبل هاري موته ويظهر طيف آباؤه في حلم ضبابي ليشدوا أزره، وهذا التحقق الأخير للأبوة في عالمنا، أن يحضر الأب في داخلنا ليروض مخاوفنا من الموت ذاته، ليُدربنا على أن نبدأ رحلة الأبوة خاصتنا،

الأبوة موت للطفل بداخلنا وعلمنا أننا صرنا الكبار، أننا سننجب أطفال شديدي الهشاشة للعالم، سيروننا كآلهة، وسنحميهم من ميدوسا ومن الشر، ولن نتحرك قيد أنملة حتى لو نظرنا للشر في صورته العارية لكيلا نوقظ طفل ينام على كتفنا ويظن فينا الألوهة الحامية، سيكبر أطفالنا، ويصلوا لنقطة لا يمكن فيها أن نعلمهم جديد، سيصيروا يعرفوا عن العالم أكثر منا، وسنموت في النهاية وقد صرنا فكرة حميمة بداخلهم تُعزي نضجهم ولحظات آمنة قديمة كانوا فيها أطفالًا وحسب لا يحملوا همًا وخوفًا تجاه العالم، لأنهم في حضرة آلهة.