في مٌقابلة عام 2002، بين المُخرج «هياو ميازاكي» والناقد الشهير «روجر ايبرت»، يسأله الأخير عما أسماه

gratuitous motion

يقول «ايبرت» أن أفلام ميازاكي تمتلك بصمة شهيرة، وهي وجود لحظات من التوقف، بينما يُسخر أي مُخرج كل لحظات شريط فيلمه للقصة، يُقدم «ميازاكي» لحظات تُشبه التقاط الأنفاس وسط اللُهاث، لحظات لا يفعل فيها أبطاله شيء، فقط يلتقطوا أنفاسهم، يجلسوا، يُراقبوا جدول مياه جارية أو قطرة مطر تسقط من السماء.

تزخر سينما ميازاكي، بتلك اللحظات، أجملها كانت في فيلم

spirited away

عندما تجلس البطلة للحظات بلا حراك، تستشعر ضآلتها في قطار يسير بأشباحه، تُحاول الطفلة إنقاذ أبويها في معادلة مقلوبة يعتمد فيها الكبار على الأطفال لإنقاذهم، بينما تُصاحبها كينونة بلا اسم ومعنى وجرذ بلا حول ولا قوة، تهضم الطفلة زمانها ومكانها، فتبدو أكثر براءة من مأزقها، صغيرة لكنها فاعلة في علم من عمالقة لكنهم من مادة أثيرية لا يُمكنهم الامساك حتى بورقة شجر.

مشهد من فيلم "spirited away-2001"
مشهد من فيلم "spirited away-2001"

يقول «ميازاكي» لمُضيفه «ايبرت» أن تلك اللحظات ليست عفوية إنما مقصودة، وهي تنتمي لمفهوم مُتجذر في ثقافته اليابانية يُدعى

ma

لحظات التوقف التي تعي فيها الشخصية مأزقها، تستشعر لحظتها، الزمن والمكان حولها، تُموضع نفسها فيه، وتجمع شتاتها قبل مواصلة الحكاية. يقول «ميازاكي» أنه بدون تلك اللحظات تفقد شخصياته انسانيتها، وتتحول لآلات لاهثة بلا هدف، لهاث لا يُنهيه إلا الخدر أو الموت.

في كل المقاطع التي تأتي من غزة ، لا يطلب الأطفال والكبار سوى هُدنة ولو لساعات أو دقائق لا أكثر.

ابتكر «ميازاكي» سينماه كطفل نشأ في ذروة الحرب العالمية الثانية التي انتهت بقنبلة ذرية أبادت مُدن اليابان، خلق «ميازاكي» عوالم سحرية وصناعية وإ$بادية، وحوش وسحرة وكيانات شبحية تُحاصر أطفال أكثر براءة من مأزقهم، لكنه منح أبطاله دومًا رحمة الما، أو تلك اللحظات من الهُدنة التي يُمكن للبطل فيها أن يستجمع شتات ذاته، ويقوم من جديد. هُدنة جمالية في شريط سينمائي قاسي.

تلقت غزة حتى اليوم أضعاف ما تلقته هيروشيما من قنابل، أكثر من 17.000 طفل لم يموتوا في لحظات مثل أطفال هيروشيما إنما عانوا كل صور الموت البطيء والمُروع، مثل الطفلة هند التي احتمت في سيارة تلقت 335 طلقة مُباشرة بعد ساعات من صُحبة الموتى في انتظار النجدة.

في ع$زة لا يجلس الأطفال مثل البطلة «شيهيرو» ليستشعروا سلام مُشيد من لحظات التقاط أنفاس مؤقتة وسط الأشباح، في غزة يلهث الأحياء وسط أشباح موتاهم، والرحمة تكمن فقط في أن يجد الناجي مُتسعًا من الوقت لا للتأمل إنما لالتقاط موتاه من الركام ودفنهم في بقعة يعلمها. أو في القتال على آنية طعام أو قنينة ماء في طوابير لا تنتهي وسط حرارة حارقة لا يتحمل فيها المرء السكون للهيبها دقيقة واحدة دون حراك

في غزة الحياة أكثر قسوة بكثير من أفلام ميازاكي، واقع لا يُطاوله مخيال رجل عاش أهوال الحرب العالمية كاملة.

«الصورة لطفل يٌشبه أطفال ميازاكي في لحظات الما، طفل يلتقط أنفاسه وينغمس في لحظة سكون جوار حاويات ذخيرة فارغة في خان يونس»

دمج الصورتين بشكل كولاج لخلق ثامبنيل
دمج الصورتين بشكل كولاج لخلق ثامبنيل